التحولات الهيكلية في النسق الدستوري والسياسي المغربي.. هل الملكية التنفيذية المباشرة هي الحل؟
مقدمة تأسيسية: البلاغ الملكي لأبريل 2026 وإعادة صياغة موازين القوى
يشهد النسق السياسي والدستوري في المغرب تحولات هيكلية وجذرية تتزامن مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026. وفي خضم هذا الحراك المتسم بالهشاشة الحزبية والتجاذبات السياسية المعقدة والتحولات الجيوسياسية المفصلية والمتسارعة، برزت قرارات استراتيجية حاسمة على أعلى هرم السلطة في الدولة، أعادت تشكيل موازين القوى المؤسساتية ورسمت معالم مرحلة جديدة تتجاوز المنطق الانتخابي التقليدي والزمن الحكومي المتأزم، ولعل أبرز وأهم هذه المحطات المفصلية هو انعقاد المجلس الوزاري برئاسة الملك محمد السادس في 9 أبريل 2026، والذي أسفر عن الإعلان عن ملامح جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة والمشروع الطموح لـ “الدولة الاجتماعية”، الذي عجزت حكومة أخنوش في وضع تصور دقيق لها، فضلا عن تنزيلها.
لقد تضمن البلاغ الملكي قرارا استراتيجياً مفصليا يتمثل في تخصيص غلاف مالي أولي ضخم يناهز 210 ملايير درهم لتنفيذ برامج التنمية الترابية على مدى ثماني سنوات كاملة، إلا أن جوهر التحول الاستراتيجي لا يكمن في الحجم المالي للبرنامج فحسب وللأجندة الزمنية، بل في “الهندسة المؤسساتية والحكاماتية” التي أُقرت لتنزيله؛ حيث تم إسناد مهمة القيادة والتتبع والإشراف المباشر على المستوى المحلي للجان ترابية تترأسها وزارة الداخلية عبر ولاة وعمال الأقاليم، مع تحييد واضح للمجالس المنتخبة وتجاوز زمني جريء للحكومة الجديدة التي ستفرزها صناديق الاقتراع بعد شتنبر 2026، والتي لم تولد بعد، أي أن هذا البرنامج قد يكون، لزاما، هو برنامج الأحزاب التي ستشكل حكومة لم تولد بعد، ولم ينتخبها المغاربة بعد، فهل ستكون الانتخابات القادمة عبارة عن استفتاء شعبي على البرنامج الملكي وليس على برامج الأحزاب التي أصبحت، منذ فترة، تتماهى مع التوجيهات الملكية وتستر بها فشلها وعجزها؟
إن إسناد مشروع بحجم “الدولة الاجتماعية” لوزارة الداخلية وليس لحكومة سياسية، وتمديد أفقه الزمني لثماني سنوات (2026-2034) ليتجاوز العمر الدستوري لأي حكومة منتخبة، الحالية والقادمة، والذي يحدد في خمس سنوات، يطرح إشكاليات دستورية وسياسية بالغة التعقيد والعمق. هذا المعطى يؤكد بالملموس التوجه المضطرد نحو تنزيل “ملكية تنفيذية مباشرة” في الممارسة ببلادنا، مما يستوجب وقفة تأمل بشأن هذا التحول ومبرراته وأهدافه، حيث تعمد المؤسسة الملكية إلى مباشرة الملفات الاستراتيجية الكبرى والبرامج التنموية ذات الأثر المباشر على المواطنين من التداول الحزبي والحكومي المباشر، ووضعها تحت الإشراف الصارم لمؤسسات الدولة السيادية والمؤسسات التكنوقراطية والإدارة الترابية، ولما لا تكلف “نخبة تكنوسياسية” Technopolitical Elite بتنفيذها ومتابعتها.
يأتي هذا التوجه السيادي كاستجابة موضوعية وتشخيص دقيق لحالة العجز البنيوي، وضعف الأداء السياسي، وصراع الأحزاب بشقيها الأغلبي والمعارض حول المناصب والمكاسب، بعيداً عن هموم الشأن العام وتحديات المجتمع والدولة. فالأحزاب السياسية التي كان يفترض فيها أن تشكل وسائط قوية بين الدولة والمجتمع، أصبحت، جلها، غارقة في أزماتها التنظيمية والفضائح المتعلقة بتضارب المصالح والفساد والترحال السياسي، مما أفقدها القدرة على قيادة مشروع وطني ضخم يحتاج إلى استمرارية وصرامة في التنفيذ، خاصة في ظل الاستحقاقات الجيوسياسية والاقتصادية القادمة وعلى رأسها تنظيم كأس العالم 2030، وتنزيل مقترح الحكم الذاتي والمشاريع المهيكلة الكبرى والتموقعات الجيوسياسية الجديدة للدولة المغربية في محيطها الإقليمي والقاري والدولي، وصياغة دستور جديد يعكس التعاقد الاجتماعي والسياسي الجديد، وغدا استحقاق انتقال الحكم. بناءً على ذلك، يهدف هذا المقال المفصل إلى تشريح هذه التحولات من منظور دستوري، سياسي، وسوسيولوجي، لفهم مآلات وتوقيت تنزيل “الدولة الاجتماعية” ومستقبل “الملكية التنفيذية المباشرة” خارج المتن الدستوري، في ظل انسداد الأفق الحزبي ببلادنا.
المجلس الوزاري لـ 9 أبريل 2026: هندسة التجاوز المؤسساتي وإرساء دعائم التكنوقراطية
شكل المجلس الوزاري المنعقد يوم الخميس 9 أبريل 2026 محطة فارقة في تاريخ التدبير التنموي بالمغرب. وقد تميز هذا المجلس بشمولية القضايا التي تم تداولها، غير أن النقطة المركزية التي استقطبت الاهتمام السياسي والأكاديمي تمثلت في الكشف عن الخطوط العريضة لحكامة الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، وحسم الجدل القديم الجديد، التنمية أم الديمقراطية، أيهما أولى في ظروف اليوم وغدا، جدل مطروح حتى في أعرق الديمقراطيات التي تمر أو تطمح للمرور إلى عصر الإمبراطوريات مثل أمريكا وروسيا والصين وتركيا وإيران والمغرب والهند والسعودية.
الغلاف المالي والأفق الزمني: إعادة ترتيب المستقبل الحكومي
كشف العرض المقدم أمام الملك أن إعداد هذه البرامج ارتكز على مشاورات واسعة وعمليات إنصات على مستوى كافة عمالات وأقاليم بلادنا، حيث تم صياغة تشخيص ترابي دقيق بناء على تحليل المؤشرات السوسيو-اقتصادية وتحديد نقاط القوة والضعف في ولوج الساكنة إلى خدمات الشغل، التعليم، الصحة، والماء. وقد حددت التقديرات الأولية الغلاف المالي الإجمالي لتنفيذ هذه البرامج بما يناهز 210 ملايير درهم، يتم إنفاقها على مدى ثماني سنوات.
إن دلالة الرقم الزمني (8 سنوات) تعتبر الأخطر من الناحية السياسية الدستورية. فالحكومة الحالية تنتهي ولايتها في أواخر عام 2026، والحكومة التي ستفرزها صناديق الاقتراع في شتنبر 2026، إن أجريت في هذا الموعد، خاصة مع استحقاقات مقترح الحكم الذاتي الذي سينظر فيه، وربما للمرة الأخيرة في مجلس الأمن، أكتوبر المقبل، ستمتد ولايتها الدستورية نظرياً إلى عام 2031. فبتحديد أفق زمني يمتد إلى عام 2034، تكون المؤسسة الملكية قد وضعت سقفاً ملزماً للحكومة القادمة، بل وللحكومة التي تليها (2031-2036)، وأصبحنا أمام زمن ملكي عابر للزمن الحكومي والانتخابي والحزبي، هذا يعني أن البرامج التنموية الكبرى قد تم إخراجها بالكامل من دائرة التنافس الانتخابي والتداول الحزبي، لتصبح التزامات دولة تديرها مؤسسة “ملكية تنفيذية مباشرة” عبر المجلس الوزاري بشكل عابر للحكومات أو فوق الحكومات، إدارة تحول الملك من حَكَم بالمفهومالدستوري إلى حاكم بالمفهوم الواقعي، مفهوم واقعي يحتاج، وجوبا وضرورة، إلى التنصيص عليه في وثيقة دستورية تطرح للاستفتاء الشعبي لتحقيق الالتفاف حوله.
إن هذا التخطيط طويل الأمد يضمن استمرارية المشاريع بعيداً عن المزايدات السياسية والمناكفات الحزبية، لكن هل هذاسيفرغ البرامج الانتخابية للأحزاب من محتواها، ويجعل من رئيس الحكومة المقبل مجرد منفذ لسياسات تم رسمها وتمويلها وتحديد آليات تنفيذها سلفاً داخل القصر الملكي؟ ليطرح سؤال آخر، ما هو الغرض من الانتخابات ومن العملية الديمقراطية ومن التعددية الحزبية والتنافس الحزبي أمام هذا التحول خارج النسق الدستوري والتعاقد السياسي؟ وهل هذه الهندسة الجديدة تفرض وجود دستور جديد يعكس هذا الواقع السياسي الجديد بين المؤسسة الملكية والأحزاب؟ وما هو دور النخبة الوطنية الجديدة “التكنوسياسية” في هذه الهندسة الجديدة والاستحقاقات الكبرى والبرامج الملكية ما فوق الحكومية؟
مأسسة الوصاية الترابية: دور الولاة والعمال في قيادة التنمية
تنفيذا للتوجيهات الملكية الرامية إلى اعتماد مقاربة متجددة للحكامة، وضع البلاغ الملكي مخططا شاملايحدد آليات التنفيذ والتقييم. فعلى مستوى الحكامة والقيادة، تم تبني مقاربة تنطلق من المستوى المحلي الذي يتكلف بالإعداد والتتبع، غير أن هذا “المستوى المحلي” لم يسند إلى رؤساء الجهات أو رؤساء المجالس الإقليمية والجماعية (المنتخبين)، بل تم إحداث لجان ترابية يترأسها “عامل العمالة أو الإقليم”. وتضم هذه اللجان المنتخبين وممثلي المصالح اللاممركزة للدولة كأعضاء استشاريين وتنسيقيين، لتتولى صياغة البرنامج وتتبع تنفيذ المشاريع، والتشاور مع الساكنة استجابة لمتطلباتها.
هذا التغيير الهيكلي قد يمثل ضربة قاصمة لتجربة “الجهوية المتقدمة” في شقها الديمقراطي التمثيلي أو يعززها حسب الهندسة الجديدة، ويعيد مركز الثقل إلى الإدارة الترابية (وزارة الداخلية) بصيغة ومهام جديدة. إن ترؤس العامل (وهو ممثل الملك وممثل السلطة المركزية المعين بظهير) للجان التنمية، يعني أن القرار المالي والتنفيذي بات في يد السلطة غير المنتخبة في ظل تحولات محلية وأهداف مستقبلية اضطرارية. ويعزى هذا التوجه، حسب قراءات سياسية، إلى الفساد المتفشي في قطاعات واسعة من الإدارة المنتخبة، والتغول على الشعب، وضعف كفاءة الأحزاب السياسية في إدارة الصفقات العمومية، مما دفع الدولة إلى “زرع قانون القوة” التنظيمي، أو بعبارة أدق، فرض الانضباط التكنوقراطي لإنقاذ مصداقية مؤسسات الدولة والمجتمع، ويفرض هذا الوضع تعاقدا وطنيا جديدا بين الملكية ونخبة وطنية جديدة “تكنوسياسية” مستقلة وليس تكنوقراطية باردة، لتنفيذ وتنزيل ركائز وبرامج الدولة الاجتماعية والاستحقاقات القومية الكبرى الأخرى خلال الفترة الزمنية التي وردت في البلاغ الملكي، (8 سنوات)، وما بعدها، وهي فترة حكم الملك الحسن الثالث.
الإطار الدستوري والمؤسساتي: ترسيخ عقيدة “الملكية التنفيذية المباشرة”
لفهم الأبعاد العميقة للقرارات الصادرة عن المجلس الوزاري، لا بد من تفكيك البنية الدستورية التي تحكم العلاقة بين المؤسسة الملكية والسلطة التنفيذية الحكومية. فرغم أن دستور 2011 جاء في سياق تداعيات “الربيع العربي” لامتصاص الاحتقان الشعبي عبر ما سمي بـ “توسيع صلاحيات رئيس الحكومة”، إلا أن التحليل المعمق للوثيقة الدستورية، والممارسة السياسية الفعلية خلال عقد ونصف من الزمن، يثبتان أن المغرب لا يزال يعتمد أو يتجه، اضطراريا، نحو نظام “الملكية التنفيذية المباشرة”، خاصة في سياقات دولية وإقليمية وقارية مضطربة، وأزمة أحزاب، جلها، فشلت في الالتزام بقضايا المجتمع والدولة كأولوية استراتيجية وحيوية، مما قد يعرقل مستقبلا السير العادي لمؤسسات الدولة ويهدد استقرارها والسلم الاجتماعي، الأمر الذي أصبح معه تحرك المؤسسة الملكية كحاكم مباشروضامن لهذا السير ولهذا الاستقرار في أفق إنجاز الاستحقاقات الكبرى، ضامن لابد أن يحكم من داخل المتن الدستوري وفق تعاقد سياسي ودستوري جديد يعترف بهذه الضرورة التاريخية والإنجازية.
ثنائية السلطة التنفيذية: رئيس الدولة مقابل رئيس الحكومة
تؤكد التقارير الأكاديمية والتحليلات الدستورية المستقلة أن النظام الدستوري المغربي أفرز سلطة تنفيذية برأسين (Bicephalous executive)، غير أن هذين الرأسين لا يقفان على قدم المساواة في المتن والممارسة، والواقع الجيوسياسي والمحلي يفرض التوجه نحو القيادة برأس واحد. فالملك يظل هو “القائد الأعلى” (Ultimate leader) والحاكم الفعلي للبلاد عبر المجلس الوزاري المنوط به وضع السياسات العامة بشأن التوجهات الاستراتيجية الكبرى للدولة، بينما يتلخص دور رئيس الحكومة، عبر مجلس الحكومة، في كونه “الرجل الثاني” (Second-in-command)، الذي يقتصر دوره على التنسيق الإداري والتنفيذ اليومي للسياسات العمومية التي لا ترقى لمستوى القضايا السيادية.
ويتجلى هذا التفاوت في آليات اشتغال المؤسسات؛ فالملك هو من يرأس المجلس الوزاري الذي تتخذ فيه القرارات المصيرية والاستراتيجية الكبرى، وتصاغ فيه التوجهات الأمنية والدبلوماسية والدينية، وتقر فيه التعيينات العليا. كما يمتلك الملك حق النقضالفعلي والمباشر على القرارات البرلمانية والحكومية، ويتمتع بحق حل البرلمان، وتعتبر خطبه بمثابة التوجيهات الملزمة للحكومة والبرلمان معاً.
الاستحقاقات التشريعية 2026: هندسة قانونية في ظل العزوف السياسي
تدخل بلادنا غمار الاستحقاقات التشريعية في 23 شتنبر 2026، وهي استحقاقات محكومة بسياقات قانونية وسياسية دقيقة، غير أنها تتسم ببرود ملحوظ من حيث الثقة الشعبية في مخرجاتها، وذلك للأسباب التالية:
· أزمة الأحزاب السياسية المغربية: التصدعات، الفساد، وغياب المشروع
لا يمكن استيعاب قرار إسناد الدولة الاجتماعية لوزارة الداخلية إلا عبر التشخيص الدقيق للحالة المزرية التي تتخبط فيها الأحزاب السياسية المغربية، والتي اتسمت بضعف الأداء، التصدعات الداخلية، واللهاث وراء المناصب والمكاسب، مما أفقدها شرعية الإنجاز في أعين المواطنين والدولة على حد سواء، أحزاب جربت، على الأقل على مستوى قيادة الحكومات المتتالية، يسارية وليبرالية وإسلامية وتكنوقراطية، قبيل اعتلاء الملك محمد السادس العرش عام 1999، ابتداء من حكومة عبد الرحمن اليوسفي اليسارية، 1998-2002، حتى حكومة التكنوقراط، رجل الأعمال عزيز أخنوش، 2021-2026، أحزاب جربت ومنحت كل الإمكانات المالية والدستورية والتشريعية والدعم الملكي لتغير حياة المغاربة نحو الأفضل وتقوي الدولة المغربية في محيطها القريب والبعيد، وتخلق الحياة السياسية، وتحمي المال العام، وتساعد الملكية في قيادتها للدولة وتعزيز مكانتها تجاه الشعب والخصوم والعالم.
· تفكك الأغلبية الحكومية: نهاية هيمنة التجمع الوطني للأحرار
شكل إعلان عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، في فبراير 2026 عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، زلزالاً سياسياً غير مسبوق في المشهد الانتخابي المغربي. أخنوش، على الأقل بالنسبة إليه،حين وجد نفسه مجبراً على الانسحاب إثر مؤتمر استثنائي مستعجل، ليتم انتخاب محمد شوكي زعيماً جديداً للتجمع ليمنح الحزب وهجا ونفسا جديدا يحافظ له على مكانته إلى حد، حتى لا يتعرض لنفس مصير حزب العدالة والتنمية في الثامن من شتنبر 2021، ويا لمكر التاريخ بتعبير الفيلسوف الألماني هيجل.
إن هذا الانسحاب لم يكن طوعياً بقدر ما كان رضوخاً لضغط الشارع، حيث أعقبت موجة احتجاجات شبابية في عدة مدن، أواخر شتنبر 2025، طالبت الملك مباشرة، كحاكم لا كحَكَم، برحيل الحكومة ورئيسها احتجاجاً على تفاقم تكلفة المعيشة، ارتفاع أسعار المحروقات، وضعف خدمات الصحة والتعليم، فضلاً عن الانتقادات المتصاعدة والمتكررة لأخنوش بشبهة “تضارب المصالح” والمزاوجة بين السلطة والثروة. وقد أدرك رئيس الحكومة أنه لم يعد قادراً على تحمل ردود الفعل الساخطة، ومنذ سنوات، على الأقل منذ عام 2018، عام المقاطعة، ولا على إقناع الملكية بدوره الشخصي والسياسي في المشهد السياسي القادم، مما دفع إلى استبعاده من رئاسة الحكومة في الولاية القادمة، ومن الحزب، وهو ما يعد سابقة سياسية قبل أشهر قليلة من الانتخابات، سابقة ربما قد تتبعها سوابق أخرى تسقط رؤوسا أخرى في قمة هرم بعض الأحزاب.
· حمى “حكومة المونديال” والصراع حول الغنائم
في ظل هذه الهشاشة، برز في الخطاب السياسي ببلادنا مصطلح “حكومة المونديال” كتوصيف للحكومة التي ستنبثق عن انتخابات 2026، مصطلح يؤرخ لتحول مخيف في الثقافة السياسية لدى النخب الحزبية وأولوياتها، التي تحولت من الرهان على المصالح الاجتماعية للشعب لتبرير شرعيتها، إلى الإثارة الكروية والغرائزية لدى الجماهير لكسب المقاعد البرلمانية، وتتصارع أحزاب الأغلبية الحالية بشراسة للاستمرار في قيادة المرحلة المقبلة، نظراً لما سيتيحه تنظيم كأس العالم 2030 من تدفقات مالية ضخمة، ومشاريع بنيوية مهولة، وصفقات كبرى في قطاعات البنية التحتية والسياحة.
غير أن هذا التهافت ينظر إليه بعين الريبة، فبينما يرى البعض أن “حكومة 2026-2031” يجب أن تكون حكومة كفاءات قادرة على كسب الرهان الاقتصادي والسياسي ومواجهة صدمات دولية محتملة (بما فيها اقتصاد الحرب)، يحذر آخرون من أن الهرولة المنفلتة نحو مراكمة الثروات واستغلال “كأس العالم” كغطاء للفساد وتبخيس مؤسسات الدولة سيدفع البلاد نحو المجهول. ونحذر هنا من أن معدلات التنمية الفعلية في الدول النامية التي استضافت المونديال كانت غالباً ضعيفة مقارنة بالضجيج الإعلامي والوعود البراقة. إن هذا الصراع الانتفاعي يعزز اقتناع المؤسسة الملكية بضرورة سحب المشاريع التنموية الحيوية (كالرعاية الاجتماعية والصحة والتعليم والشغل ومشاريع كبرى أخرى) من تحت أقدام هذه الأحزاب وإيداعها في عهدة وزارة الداخلية، كما تأكد خلال اجتماع المجلس الوزاري الأخير والتعيين في منصب صحية جهوية، وربما لنخبة “تكنوسياسية” داعمة لها من خارج أرحام الأحزاب لمرافقة تنزيل هذه المشاريع الكبرى.
أزمة الدولة الاجتماعية: الاحتقان والتحديات
بالعودة إلى قرار المجلس الوزاري، نجد أن التفسير الرئيسي لتوسيع صلاحيات وزارة الداخلية (الولاة والعمال) على حساب المؤسسات المنتخبة والحزبية هو الحاجة إلى فعالية ميدانية تفتقر إليها الأحزاب، فضلاً عن السعي لتطويق الاحتقان الاجتماعي الذي فشلت الحكومة في احتوائه، وهو نفس المنطق الذي كان، قبل عقود، وراء استبدال السياسيين بالتكنوقراطيين في الحكومات المتعاقبة، حتى وصل الوضع ببلادنا إلى حالة الاحتقان الاجتماعي والانسداد السياسي والحزبي والأزمات الاقتصادية، مما أصبح ضروريا دعوة “نخبة تكنوسياسية وطنية” للمساهمة في إنجاز هذه المشاريع الكبرى إلى جنب الملكية ووزارة السيادة، الداخلية، التي أنيطت لها هذه المهمة التاريخية.
آفاق النسق السياسي (2026-2034)
من خلال الاستقراء الشامل للقرارات الملكية الصادرة في المجلس الوزاري لأبريل 2026، وتفكيك السياقات السياسية، الدستورية، والاقتصادية المرافقة للانتخابات التشريعية المرتقبة، يمكن استخلاص جملة من الاستنتاجات المحورية التي سترسم ملامح النسق المغربي للسنوات الثماني القادمة:
- نهاية مرحلة “الملكية البرلمانية”، وبداية مرحلة “الملكية التنفيذية المباشرة” والنخبة “التكنوسياسية”:
شكل تكليف وزارة الداخلية بقيادة برامج التنمية الترابية والمشاريع الاجتماعية بغلاف 210 ملايير درهم إعلاناً عملياً بوفاة طموح الانتقال نحو “الملكية البرلمانية” الذي سوقت له أحزاب الكتلة إبان إقرار دستور 2011، حيث انتقل النظام السياسي بشكل صريح إلى مأسسة “التكنوقراطية السلطوية”؛ حيث تدار الدولة بمنطق الفعالية الإدارية والتوجيهات السيادية، وتترك المؤسسات المنتخبة للعب دور “الواجهة” لامتصاص النقمة الاجتماعية وتمرير التشريعات اللاشعبية (كقوانين التقاعد والإضراب وصندوق المقاصة)، دون امتلاكها لأي سلطة فعلية في صناعة القرار الاستراتيجي المرتبط بالثروة الوطنية والتنمية، بسبب فشلها وعجزها الذاتي وانحرافها عن مصالح الشعب، وتلك طبيعة في النخب التكنوقراطية ورجال الأعمال، وعدم تقيدها بالمشاريع الملكية المؤسسة الكبرى، فيما تتجلى مشكلة جل النخب الحزبية في جعل الانتخابات هي هدفها وليس وسيلة لتمثيل الناخبين وخدمة مصالح المجتمع والدولة، وهذا وضع أصبح معه تصدر “النخبة التكنوسياسية” للمشهد الحكومي والتنفيذي في المرحلة القادمة واقعا برجماتيا وحتميا كصمام أمان للهيكلة الجديدة في النسق والسياسي والدستوري لنظام الحكم والنظام السياسي وتوجهات الدولة اليوم، مع الملك محمد السادس، وغدا، مع الملك الحسن الثالث، وذلك عبر:
- التحول من اللامركزية إلى “القبضة الإدارية”:
إن تحويل مركز الثقل في التنمية المندمجة من المجالس الجهوية والإقليمية والجماعية (المنتخبة) إلى لجان يترأسها العمال والولاة (المعينون)، قد يبدو للبعض تراجعاً صريحاً عن مسار “الجهوية المتقدمة”، إلا أن هذا القرار يستند إلى مبررات واقعية تتمثل في تفشي الفساد وتضارب المصالح داخل الأحزاب والمجالس المحلية والتهديدات الجيوسياسية/
- الانتخابات التشريعية 2026.. محطة بلا رهانات حزبية كبرى:
في ظل هذا التجاوز المسبق والمبرمج لعمر الحكومة القادمة (من خلال تسطير برامج تمتد إلى 2034)، تتحول استحقاقات شتنبر 2026 إلى مجرد تمرين لوجيستي لتجديد الدماء في هياكل فاقدة للصلاحيات. وسواء تصدر التجمع الوطني للأحرار (بعد ترميم صفوفه بقيادة شوكي)، أو نجح حزب العدالة والتنمية في العودة الواجهة، أو تشكلت تحالفات هجينة طمعاً في غنائم “مونديال 2030″، فإن رئيس الحكومة المقبل سيجد أمامه سقفاً زجاجياً سميكاً، وبرامج حددها بلاغ المجلس الوزاري الأخير بتوازناتها المالية ومسارات تنفيذها الإدارية والاستراتيجية الصارمة، إلا أنهسيبقى رئيس الحكومة القادم بعيدا عن كل التوقعات، ولابد أن يكون متمتعا بثقة كبيرة جدا لدى الجهات العليا لقيادة المرحلة الدقيقة القادمة، ومرتبطا بمشروع وبرنامج الملكية والدولة المغربية، الدولة الاجتماعي واستحقاقات كبرى أخرى سبق التطرق إليها في هذا المقال، لا بالحسابات الحزبية السياسوية الضيقة والأنانية.
- المخاطر الاستراتيجية لإضعاف الوسائط السياسية:
إن تفريغ الأحزاب السياسية من محتواها، وتحويلها إلى مجرد وكالات للترحال السياسي وتدبير الموارد ومحطات للتزود بالتزكيات والحصول على صكوك الامتيازات، يضع الدولة أمام خطر الانكشاف الاستراتيجي. ففي حال وقوع أزمات اقتصادية عميقة، أو عجزت الإدارة الترابية عن الاستجابة لمتطلبات الجيل الجديد من الشباب المنفتح رقمياً والمطالب بالعدالة الاجتماعية، لن تجد المؤسسة الملكية “صمامات” أو وسائط حزبية ونقابية قوية قادرة على امتصاص الغضب وتأطير الشارع، مما قد يعرض السلم الاجتماعي واستقرار الدولة ككل لاختبارات قاسية وغير مسبوقة.
إنه ليس غريبا في حياة الدول والنظم السياسية ومساراتها وسياقاتها أن تتكيف مع المتغيرات الجيوسياسية والمحلية والانتظارات المجتمعية، وتعيد ترتيب نظام حكمها ونظامها السياسي وسلطاته ومهامه المستجدة وتحالفاته وخرائطه، بل قد يضطر إلى مراجعة الوثيقة الدستورية لتعكس توازنات وتوافقات وترتيبات مستجدة تفرضها المرحلة وتنزيل السياسات العمومية والعامة والمشاريع الكبرى، لكن شريطة أن يتم كل هذا قي إطار تعاقد سياسي ودستوري يحمي النظام السياسي، أو الفاعلين حوله، من أي منزلق نحو السلطوية والاستفراد بالسلطة في غياب تام لدور القوى السياسية الوطنية الفاعلة والتعاقد الدستوري المحكم.
إن الحالة التي بلغتها الأحزاب ببلادنا ليست فقط لأسباب ذاتية، وإنما بسبب الصراع المنهك الذي خاضه جلها، خاصة اليسار، والتوجس الذي شعر به نظام الحكم، وفشل بعضها في تبديده، خاصة الإسلاميين، يتحمل النظام السياسي جزءا كبيرا في هذه الحالة المتردية التي أوصلت الأحزاب إلى فقدان البوصلة، وتحول جلها إلى مجرد لوبيات تنشط موسميا عشية الاستحقاقات الانتخابية للظفر بالمناصب الحكومية والبرلمانية وغيرها.
وإذا كانت الظرفية اليوم تفرض وجود دولة قوية ونظام حُكم يباشر إدارة شؤون الدولة بنفسه ومن خلال أدوات تنفيذية وتشريعية، الحكومة والبرلمان، ووسائطية، الأحزاب، و”نخبة تكنوسياسية وطنية” مكونة من رجالات الأحزاب أو من خارجها، حسب الكفاءة والخبرة والالتزام ببرنامج المؤسسة الملكية، فإن جل الأحزاب، حتى لا نقول كل الأحزاب، لم تخف إشارتها وتأكيدها، خلال فترة حكم الملك محمد السادس، بل في أفق فترة حكم الملك الحسن الثالث، على استعدادها، كما فعلت من قبل، لتبني البرنامج الملكي، الدولة الاجتماعية، والذي ظهرت معالمه الكبرى في البلاغ الملكي الصادر عن المجلس الوزاري الأخير، بل والعمل على تسويقه وتنفيذه.
إن هذا ما سيحول الملكية من حَكَم إلى حاكم، ويؤكد بأن الانتخابات وسيلة لا هدفا في المنظومة الديمقراطية ليبقىى المغرب، ولو إجرائيا وتنظيميا، وفي رأي المنتظم الدولي، وحلفائه تحديدا، مستمرا في الانخراط في الخيار الديمقراطي، وإن كان العصر الإمبراطوري، من وجهة نظري وعلى أرض الواقع اليوم وعلى مدى العصور، لا يؤمن بالديمقراطية كآلية أو شرط لإثبات شرعية الدولة والحُكم، ولا بتداول الحُكم، وذلك من أجل الحفاظ على استمرارية الدولة ومؤسساتها، والملكية في جوهرها، ودورها الجيوسياسي ومصالحها القومية الاستراتيجية مع بداية العصر الإمبراطوري اليوم، كما هو الشأن مثلا بالنسبة لأمريكا وروسيا والصين والهند وتركيا وإسرائيل وإيران والمغرب والسعودية.
اترك تعليقاً