الاختراق والحل الديغولي: كيف واجه أحمد التوفيق إرثاً لم يصنعه؟
وهل يمكن عبور عصر الذكاء الاصطناعي بهذه النخبة؟
لم يبدأ الاختراق من داخل وزارة الأوقاف، ولم يكن وليد قرار سياسي أو لحظة صدام، بل كان نتيجة مسار طويل تشكّل خارج الدولة، في الجامعة وفي المجتمع، قبل أن يصل إلى المؤسسات. فمنذ نهاية السبعينيات، حين بدأت شعبة الدراسات الإسلامية تستقبل أعداداً متزايدة من الطلبة، لم تكن هذه الشعبة فضاءً معرفياً حقيقياً، بل ملجأً لمن ضاقت أمامهم المسارات العلمية، أو لمن يبحث عن هوية جاهزة، أو لمن ينتمي إلى الإسلام الحركي الذي وجد في هذا الفضاء فرصة ذهبية لبناء قاعدة بشرية واسعة.
ومع مرور العقود، تحولت الشعبة إلى بنية مغلقة تعيد إنتاج نفسها: نفس المناهج، نفس طرق التدريس، نفس الخلفيات الفكرية، ونفس الفئات الاجتماعية. وهكذا، حين وصلت الألفية الثالثة، كان المشهد قد اكتمل تقريباً: أغلب من يتخرج من هذه الشعبة ينتمي، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى الإسلام الحركي أو الإسلام السياسي، أو إلى فئات لم تجد في التعليم العلمي أو التقني موطئ قدم.
في تلك اللحظة، حين تولّى أحمد التوفيق وزارة الأوقاف، لم يكن أمامه حقل ديني محايد يمكن إعادة بنائه بهدوء، بل كان أمامه إرثاً بشرياً جاهزاً. آلاف الخريجين الذين يشكلون الكتلة الوحيدة المتاحة لتغطية حاجيات المساجد والإدارات الدينية. لم يكن بالإمكان إقصاؤهم، ولا كان بالإمكان ترك الحقل الديني فارغاً. وهنا ظهر ما يشبه الحل الديغولي.
ما هو الحل الديغولي؟
بعد تحرير فرنسا سنة 1945، وجد شارل دوغول نفسه أمام مفارقة قاسية:
أغلب الأطر القادرة على تشغيل الدولة هم نفس الأشخاص الذين اشتغلوا تحت حكومة فيشي المتعاونة مع الاحتلال النازي.
كان أمامه خياران كلاهما كارثي:
• إقصاؤهم جميعاً → شلّ الدولة وتأخير إعادة بنائها لعقود.
• استيعابهم رغم ماضيهم → لأنهم الكتلة البشرية الوحيدة القادرة على تشغيل الإدارة.
فاضطر دوغول إلى اختيار ما أصبح يُعرف بـ الحل الديغولي:
قبول الإرث البشري كما هو، مع وضع ضوابط صارمة، ومحاسبة الرموز فقط، وترك البقية يعملون تحت رقابة الدولة الجديدة.
هذا الحل لم يكن خياراً فكرياً، بل ضرورة وجودية لإنقاذ الدولة.
الحل الديغولي في الحقل الديني المغربي
هذا بالضبط ما واجهته وزارة الأوقاف في بداية الألفية الثالثة:
إرث بشري تشكّل خارجها، ثم فُرض عليها.
لم يكن أمامها سوى استيعاب الخريجين كما هم، مع وضع خطوط حمراء واضحة، واعتماد سياسة العزل حين يتجاوز الخطيب أو القيم الديني حدود الخطاب المقبول داخل منطق الدولة.
وقد أدت هذه السياسة إلى عزل عدد من الخطباء والقيمين الدينيين، ما أثار ضجة واسعة، لأنها مستّ شبكة بشرية واسعة تشكّلت خارج منطق الدولة، ثم وجدت نفسها داخل مؤسساتها.
ومع مرور الوقت، أصبح واضحاً أن المشكلة ليست في الأشخاص الذين يتم عزلهم أو توظيفهم، بل في المنظومة التي أنتجتهم:
مناهج جامعية غير محدثة، تكوين تقليدي، غياب علوم حديثة، غياب انتقاء أكاديمي، وفضاء ثقافي يغلب عليه الانتماء الحركي أكثر من الانتماء المعرفي.
وهكذا تحوّل الاختراق من ظاهرة إلى بنية، ومن استثناء إلى قاعدة.
لكن السؤال اليوم لم يعد هو: كيف ندير هذا الإرث؟
السؤال الحقيقي هو:
هل يمكن عبور عصر الذكاء الاصطناعي بهذه النخبة؟
عصر الذكاء الاصطناعي ليس مجرد مرحلة تقنية، بل مرحلة معرفية تطرح أسئلة لم يعرفها الفقه التقليدي من قبل:
• كراء الأرحام
• اختلاط الأنساب
• التعديل الجيني
• الذكاء الاصطناعي الذي يكتب ويحلّل ويُنتج الفتاوى
• الروبوتات التي قد تصبح جزءاً من الحياة اليومية
• الحدود الأخلاقية للذكاء الاصطناعي
• الملكية الفكرية في عالم تنتج فيه الآلات المحتوى
• سؤال “الإنسان”: ما الذي يميّزه؟ وما الذي يبقى منه؟
هذه الأسئلة تحتاج إلى تكوين متعدد التخصصات:
قانون، فلسفة، علم اجتماع، بيولوجيا، ذكاء اصطناعي، أخلاقيات حديثة، تاريخ العلوم، تحليل الخطاب، لغات، ومناهج بحث علمي حقيقية.
فهل يمكن لنخبة تتخرج من شعبة يلجأ إليها طلبة مؤخرة الترتيب أو أبناء الإسلام الحركي أن تواجه هذه الأسئلة؟
هل يمكنها أن تجيب عن إشكاليات الذكاء الاصطناعي وهي لم تتلقَّ تكويناً في أبسط أدوات العصر؟
هل يمكنها أن تتعامل مع قضايا كاختلاط الأنساب وكراء الأرحام وهي لم تدرس البيولوجيا ولا الأخلاقيات الحيوية؟
هل يمكنها أن تناقش أثر الذكاء الاصطناعي على الفتوى وهي لم تدرس فلسفة العقل ولا نظرية المعرفة؟
الجواب لا يتعلق بالأشخاص، بل بالمنظومة.
المنظومة الحالية غير مهيأة لإنتاج نخبة قادرة على مواجهة أسئلة القرن 21.
الخلاصة
المشكل لم يبدأ داخل الوزارة، بل انتهى إليها.
والحل الديغولي كان ضرورة، لا خياراً.
لكن عصر الذكاء الاصطناعي يفرض سؤالاً جديداً:
هل يمكن بناء مستقبل الحقل الديني بنفس الأدوات التي صنعت أزمته؟
الإرث لم يكن من صنع الوزارة،
لكن المستقبل لن يُصنع إلا إذا تغيّر مسار التكوين من جذوره.
تعليقات الزوار
الكاتب ينطلق من افتراض غير صحيح لذلك جاء تحليله بعيدا عن الواقع لأنه يعتمد حالة نفسية عند الكاتب. وفي نظري هذا ليس وجهة نظر وإنما هو تحريض ضد الدراسات الإسلامية.
مقال أقل ما يقال فيه أن صاحبه يجهل حقائق الدين الإسلامي الذي ليس كدين فرنسا العلمانية... وفيه حقد على علماء هذا البلد بتشبيههم بعملاء النازية..