منتدى العمق

البالونات السياسية

تنتج بعض التنظيمات السياسية في المغرب نمطًا من الحضور يمكن توصيفه بما يشبه “البالونات السياسية”: بنى تتضخم في الفضاء العام عبر الامتلاء الخطابي، وتكتسب حجمًا من خلال كثافة الشعارات، دون أن يقابل ذلك ثقل فعلي في مستوى الفعل أو القدرة على التأثير. يعكس هذا التضخم – في كثير من الأحيان – خللًا في العلاقة بين الخطاب وشروط الإنجاز.

يقوم هذا النمط على منطق اشتغال محدد، بعيدًا عن الصدفة. فالتنظيم الذي يعاني محدودية في أدوات الفعل، سواء على مستوى التنظيم الداخلي أو الحضور داخل مؤسسات القرار، يجد نفسه أمام خيارين: بناء هذه الأدوات عبر مسار طويل ومكلف، أو تعويض غيابها عبر تكثيف الخطاب. في الحالة الثانية تتحول اللغة إلى بديل عن القوة، ويرتفع الصوت ليصنع حضورًا يعوض ضعف الفعالية.

على هذا الأساس، تحتل الشعارات المثالية موقعًا مركزيًا. ترفع التنظيمات مفاهيم العدالة، الكرامة، التحرر، والإنصاف إلى أقصى مدى ممكن، وتقدمها كجوهر للفعل السياسي. ترتبط هذه المثالية في صورتها الفعلية بإمكان التحقيق، ويتصل إمكان التحقيق بامتلاك أدوات القوة. من يمتلك هذه الأدوات ينقل القيم من مستوى الإعلان إلى مستوى السياسة، ثم من السياسة إلى الواقع. أما من يفتقر إليها فيقدم القيم كخطاب معلق، يكتسب تأثيره من ارتفاعه أكثر من قابليته للتحقق.

تأخذ المثالية داخل هذا النموذج شكل مادة للامتلاء بدل أفق عملي. كلما ارتفع سقف القيم ازداد حجم البالون، وكلما ازداد الحجم تعزز الانطباع بالحضور. يكشف هذا الارتفاع مفارقة بنيوية: صعود البالون يرتبط بخفته أكثر من ارتباطه بقوته.

تتداخل مع هذه الآلية ظاهرة أخرى: الاستثمار في القضايا الخارجية ذات الحمولة الرمزية العالية. تتحول القضية الفلسطينية، وما يرتبط بها من أحداث في غزة، إضافة إلى التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران، إلى مصادر جاهزة لإنتاج الشرعية الأخلاقية. توفر هذه القضايا مادة كثيفة من المعاني: ظلم، مقاومة، سيادة، كرامة. تمنح هذه المعاني حضورًا سياسيًا قائمًا على الالتزام الرمزي، دون اشتراط أدوات فعل داخل المجال الوطني.

بهذا المعنى تستدعي التنظيمات هذه القضايا كروافع خطابية أكثر من كونها ملفات سياسية تتطلب تدخلًا مباشرًا. مع هذا الاستدعاء يرتفع البالون ويتسع حضوره داخل المجال الرمزي. في المقابل يتراجع الانخراط في القضايا الداخلية التي تفرض أسئلة مختلفة: إدارة الاقتصاد، توزيع الموارد، بناء السياسات العمومية. تتطلب هذه الأسئلة معرفة دقيقة، مؤسسات فاعلة، وقدرة تنفيذية تتجاوز حدود الخطاب.

في هذا الانزياح تتغير وظيفة العمل السياسي. يتحول الهدف إلى إنتاج مواقف بدل إنتاج حلول. ويصبح معيار القوة مرتبطًا بالقدرة على التعبير أكثر من ارتباطه بالقدرة على التأثير. تتحول السياسة إلى فضاء لإدارة الانطباع، وتتنافس التنظيمات في رفع الصوت بدل التنافس في بناء الفعل.

يحمل هذا النمط كلفة متراكمة. مع الزمن تتسع الفجوة بين الخطاب وتجربة المجتمع اليومية. ترفع الشعارات سقف التوقعات، بينما يتحرك الواقع بوتيرة مختلفة. يتشكل مع التكرار تآكل تدريجي للثقة، ويظهر مصدره في انفصال الخطاب عن شروط تحققه.

يظهر هذا التآكل بشكل تراكمي صامت. يحتفظ البالون بشكله ما دام الهواء يستمر في ضخه داخله. عند أول اختبار جدي، سواء عبر أزمة اقتصادية أو مطلب اجتماعي ضاغط أو امتحان مؤسسي، يتضح الفرق بين الحجم الظاهر والقدرة الفعلية. تكشف هذه اللحظة هشاشة البنية، لأن المشكلة ترتبط بغياب الكتلة أكثر من ارتباطها بطبيعة القشرة.

يقر هذا الطرح بقيمة الاشتغال على القيم والتفاعل مع القضايا الخارجية. تصبح القيمة فعالة حين ترتبط بإمكان تحقيقها، وتكتسب القضية الخارجية وزنها حين تنعكس في موقع سياسي مدعوم بأدوات فعل. عند الانفصال عن هذه الشروط تتحول القيم إلى مادة تداول خطابي، وتفقد تدريجيًا قدرتها على إحداث التأثير .

ضمن هذا المنظور يظهر “البالون السياسي” نتيجة مباشرة لاختلال ترتيب الأولويات. يستبدل بناء القوة بإنتاج الخطاب، وتقدم المثالية كبديل عن القدرة. عندها يتشكل التضخم كمسار طبيعي، ويزداد الاعتماد على الامتلاء الخطابي مقابل تراجع الاستثمار في أدوات الفعل.

في المحصلة يتحدد الحضور السياسي بقدرته على إحداث حضور ملموس ، ويظهر الفارق بين البنية المتماسكة والبنية الهشة عبر اختبار الواقع. وتبقى الشعارات خاضعة لامتحان التحول إلى فعل ملموس، حيث يتحدد الفرق بين بناء سياسي متماسك وبالون ينهار عند أول احتكاك فعلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *