وجهة نظر

الجنوب الجزائري على حافة الانفجار: بين مشروع “أزواد الكبرى” وتصاعد التهديدات العابرة للحدود

أفادت مصادر إعلامية من مالي أن اشتباكات اندلعت بين الجيش ومسلحي مجلس الحركات الأزوادية شمال البلاد، مشيرة إلى أن الاشتباكات، بين الجيش والحركات الأزوادية، وقعت على خلفية نزاع على تسلم قاعدة عسكرية للأمم المتحدة.

لم يعد ما يجري في عمق دولة مالي وعلى تخوم الجنوب الجزائري مجرد تطورات أمنية عابرة، بل تحوّل إلى مسار متسارع يحمل في طياته ملامح تهديد استراتيجي مباشر لوحدة الدولة الجزائرية وأمنها القومي. فالتقاطع الخطير بين صعود جبهة تحرير أزواد، وتحولها إلى قوة مسلحة متقدمة تكنولوجيا، وظهور امتدادات انفصالية داخل التراب الوطني الجزائري، يفرض قراءة جديدة للمشهد تتجاوز التطمين التقليدي إلى دق ناقوس الخطر بوضوح.

وفي هذا السياق، يوضح الخبير الاستراتيجي والمحلل المختص في شؤون شمال إفريقيا، الدكتور بشير عز العرب، أن “تسارع هذه التطورات يفرض التعامل معها كمسار مترابط، لا كأحداث منفصلة، خاصة في ظل تقاطع البعد الأمني مع المعطيات الميدانية داخل مالي وانعكاساتها المباشرة على الحدود الجزائرية”.

من تمرد محلي إلى قوة ضاربة: تحول نوعي في قدرات أزواد

خلال فترة قصيرة، أعادت جبهة تحرير أزواد تشكيل نفسها بشكل لافت، منتقلة من حركة تمرد تقليدية إلى فاعل عسكري يمتلك أدوات حرب حديثة. ولم يعد الحديث هنا عن أسلحة خفيفة أو تكتيكات كرّ وفرّ، بل عن امتلاك طائرات مسيّرة انتحارية عابرة للحدود، قادرة على ضرب أهداف بعيدة بدقة عالية.

الهجوم الذي نُفذ في 11 مارس، باستخدام أكثر من عشرين طائرة مسيّرة ضد مواقع الجيش المالي في غاو، لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل رسالة استراتيجية مفادها أن هذه الجبهة باتت تمتلك القدرة على فرض معادلات جديدة في المنطقة. وقبل ذلك، كشف الهجوم المنسق على حامية سانداري في ديسمبر الفارط، بمشاركة تحالف يضم GSIM وFLA وKAEM، عن مستوى غير مسبوق من التنسيق العملياتي بين الحركات الانفصالية والتنظيمات الإرهابية.

ويشير الدكتور عز العرب إلى أن “استخدام الطائرات المسيّرة بهذا الشكل يعكس انتقالا نوعيا في الوسائل، حيث لم تعد هذه الجماعات تعتمد فقط على أساليب تقليدية، بل باتت توظف أدوات تمنحها قدرة أكبر على التأثير الميداني وفرض إيقاع جديد للعمليات”.

هذا التزاوج بين النزعة الانفصالية والعقيدة الجهادية يمثل أخطر تحول في الأزمة، لأنه ينقلها من صراع سياسي محلي إلى تهديد أمني إقليمي مفتوح، قابل للتمدد نحو الجزائر.

وفي سياق متصل، يرى مراقبون أن تداخل الفاعلين بهذا الشكل يزيد من تعقيد المشهد، لأنه يخلق تقاطعات عملياتية بين أطراف تختلف في الأهداف، لكنها تلتقي مرحليا في الميدان.

“أزواد الكبرى”: مشروع سياسي بغطاء عسكري

الأخطر من السلاح هو الفكرة التي يحملها. ففي الذكرى الرابعة عشرة لما يسمى “استقلال أزواد”، الموافق للسادس من أفريل من كل عام، لم يكتفِ قادة الحركة بإحياء رمزية الماضي، بل أعادوا طرح مشروع “دولة أزواد الكبرى” كهدف واقعي، داعين الطوارق إلى التكتل والتوحد لإقامة كيان يمتد عبر حدود عدة دول، من مالي إلى النيجر وليبيا، وصولا إلى جنوب الجزائر.

هذا الطرح لم يعد مجرد خطاب تعبوي، بل بدأ يتحول إلى برنامج عمل تُنسج خيوطه ميدانيا، عبر توسيع دائرة التحالفات وربط الامتدادات داخل الدول المجاورة.

ويؤكد عدد من الخبراء الاستراتيجيين أن خطورة هذا الطرح تكمن في طابعه العابر للحدود، خاصة عندما يرتبط بمحاولات إيجاد امتدادات له في المناطق القريبة جغرافيا، ما يمنحه بعدا يتجاوز الإطار المحلي.

عين قزام: الاختراق الأخطر داخل العمق الجزائري

في هذا السياق، يكتسب ظهور حركة “الطوارق الأحرار” في ولاية عين قزام دلالة خطيرة تتجاوز بعدها المحلي. فالحركة، التي تأسست في ظروف غامضة، تبنت منذ بيانها الأول خطابا انفصاليا صريحا، وصل إلى حد مطالبة الجيش الجزائري بالانسحاب من الجنوب، واعتبار المنطقة جزءا من مشروع “أزواد الكبرى”.

والأخطر من ذلك ما كشفته مصادر متطابقة عن لقاء جمع قيادات هذه الحركة بقيادة جبهة تحرير أزواد خلال احتفالات ذكرى الاستقلال، حيث جرى التباحث حول تنسيق الجهود وتوحيد المسار نحو الهدف المشترك. وهذا اللقاء ليس تفصيلا عابرا، بل مؤشر على وجود مشروع متكامل يقوم على ربط الداخل بالخارج، وتحويل الجنوب الجزائري إلى امتداد طبيعي للحراك الانفصالي في مالي.

وتتحدث تقارير ميدانية عن قنوات اتصال نشطة بين الطرفين، تشمل دعما لوجستيا وتوجيها عملياتيا، ما يعني أن الحركة الجديدة قد تتحول في أي لحظة من كيان رمزي إلى فاعل ميداني مدعوم بالخبرة والسلاح.

ويرى كثير من المختصين بالشأن المغاربي أن “مثل هذه المؤشرات، خاصة إذا تعلقت بوجود تواصل أو تنسيق، تستدعي المتابعة الدقيقة، لأنها قد تعكس محاولة ربط الامتداد الداخلي بالتطورات الجارية خارج الحدود”.

معطيات مقلقة في الخلفية

في خلفية هذا المشهد، تبرز معطيات مقلقة حول وجود عناصر أجنبية، خاصة فرنسية، في مناطق حساسة بالتزامن مع تشكل الحركة الانفصالية. وقد رُصدت تحركات لأفراد تحت غطاء سياحي، لكن في سياق أمني شديد الحساسية، ما دفع خبراء إلى طرح فرضيات تتعلق بدور استخباراتي أو لوجستي غير مباشر.

وهذه المؤشرات، وإن ظلت بحاجة إلى إثبات قاطع، فإنها تنسجم مع تاريخ التدخلات الفرنسية في الجزائر والساحل، حيث استُخدمت الحركات المعارضة والمسلحة المحلية أدواتٍ لزعزعة استقرار البلدان المستهدفة.

الجزائر أمام اختبار حاسم

أمام هذا الواقع، لم يعد أمام الجزائر ترف الانتظار أو الاكتفاء بردود الفعل. فالمشهد الحالي ينذر بإمكانية انتقال التهديد من حدودها الجنوبية إلى عمقها الداخلي، خاصة مع امتلاك الجماعات المعادية لقدرات تكنولوجية عابرة للحدود.

وتبدو الخيارات المتاحة واضحة، لكنها صعبة: إما التحرك دبلوماسيا لإحياء مسار وساطة شبيه باتفاق 2015، بهدف تفكيك التحالفات واحتواء النزاع قبل انفلاته، أو الاستعداد لخيار أمني أكثر حزما يهدف إلى قطع الطريق أمام أي امتداد للتهديد داخل التراب الوطني.

الخلاصة

يقف الجنوب الجزائري اليوم عند نقطة مفصلية. فما يتشكل في محيطه ليس مجرد اضطراب، بل مشروع يعيد رسم الخرائط ويختبر صلابة الدول. وإذا لم تتم قراءة هذه المؤشرات بجدية واتخاذ خطوات استباقية، فإن كلفة التأخر قد تكون باهظة.

ولم تعد المعادلة تتعلق فقط بحماية الحدود، بل بالحفاظ على وحدة الدولة في مواجهة مشروع يتغذى على الفوضى، ويتسلح بالتكنولوجيا، ويتحرك عبر شبكة معقدة من التحالفات.

ويشير الدكتور عز العرب إلى أن “طبيعة المرحلة الحالية تفرض قراءة دقيقة ومتواصلة لهذه المؤشرات، لأن أي تحول في هذا المسار قد تكون له انعكاسات مباشرة على مستوى الاستقرار”.

ويضيف أن ما يحدث على الحدود الجزائرية يمثل لحظة تتطلب وضوحا في الرؤية، وسرعة في القرار، وحزما في التنفيذ، لأن البديل، بكل بساطة، هو فتح الباب أمام سيناريوهات لا يمكن التحكم في مآلاتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *