وساطة مشروعة وممارسات مقلقة.. كيف انحرفت خدمات الاتصالات بالمغرب عن مسارها القانوني؟
لا يمكن الحديث عن خدمات الاتصالات في المغرب اليوم دون الإقرار بأن شركات الاتصالات الثلاث، اتصالات المغرب، وأورنج، وإنوي، وفرت خلال السنوات الأخيرة بنية رقمية متطورة تتيح للزبناء الاستفادة من خدماتها بشكل قانوني وآمن. فهذه الشركات لا تكتفي بالوكالات الميدانية، بل تتيح أيضا مواقع إلكترونية رسمية وتطبيقات ذكية تمكن من طلب الاشتراكات، تتبع العروض، وإتمام عدد من الإجراءات عن بعد، مع اعتماد آليات للتحقق من الهوية تحترم القوانين الجاري بها العمل.
وإلى جانب هذه القنوات الرسمية، تعتمد الشركات على شبكة من الموزعين والوسطاء المعتمدين، الذين حصلوا على تراخيص واضحة تخول لهم تقديم الخدمات داخل وكالاتهم المرخصة، وفق شروط وضوابط دقيقة. والهدف من هذا النظام هو توسيع نطاق الوصول إلى الخدمات، وضمان حضور ميداني قريب من المواطنين، دون المساس بأمن المعاملات.
غير أن الإشكال لا يكمن في غياب البدائل القانونية أو ضعف العرض الرسمي، بل في سلوك بدأ ينتشر لدى عدد من هؤلاء الوسطاء، مدفوعا برغبة مفهومة، لكنها غير مبررة، في استقطاب أكبر عدد ممكن من الزبناء. حيث لجأ الكثير منهم إلى عرض خدماتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مرفقة بإعلانات جذابة وأرقام هواتف لتسهيل التواصل المباشر مع الزبناء.
والإعلان عن الخدمات عبر هذه الوسائل في حد ذاته لا يشكل خرقا، بل قد يعتبر وسيلة تسويقية عادية في عصر الرقمنة. لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول هذا التواصل من مجرد وسيلة تعريف بالخدمة إلى قناة لإتمامها خارج الإطار القانوني. وهنا تبدأ منطقة رمادية، سرعان ما تتحول إلى تجاوزات صريحة تمس جوهر حماية المعطيات والحقوق.
من الإعلان إلى المعاملة: أين يبدأ التجاوز؟
المرحلة الأولى من هذا المسار تبدو بريئة، إعلان على “فيسبوك” أو “إنستغرام”، ورقم هاتف مرفق، وربما عرض مغر أو خدمة سريعة دون تعقيدات. يتواصل الزبون مع الوسيط عبر “واتساب”، ويبدأ الحديث عن تفاصيل الاشتراك. إلى هنا، لا يبدو الأمر مقلقا.
لكن التجاوز يبدأ فعليا عندما يطلب من الزبون إرسال صورة لبطاقته الوطنية أو وثائقه الثبوتية عبر التطبيق، بدل الحضور إلى الوكالة. ثم تستكمل العملية بالكامل عن بعد، من إعداد الاشتراك، وتفعيل الرقم، وربما حتى تسليم الشريحة عبر وسيط أو خدمة توصيل، دون أن يلتقي الطرفان وجها لوجه، ودون توقيع أي وثيقة، وقد ينوب الوسيط عن الزبون في التوقيع.
هذا التحول من مجرد تواصل إلى إتمام المعاملة خارج الوكالة، هو النقطة التي تنكسر عندها القواعد. فالتراخيص الممنوحة لهؤلاء الوسطاء هي تقديم الخدمات داخل فضاء مهني مرخص، يتيح التحقق من الهوية، وتوثيق العمليات، وضمان الشفافية. أما نقل هذه العمليات إلى فضاء غير مؤطر كالدردشة عبر “واتساب” فهو خروج صريح عن الإطار الذي منحت على أساسه هذه التراخيص.
قد يبرر البعض هذا السلوك بضغط المنافسة أو برغبة الزبون في السرعة، لكن هذه المبررات لا تصمد أمام المخاطر التي تنتج عنها. فالمعاملة التي تتم خارج الإطار الرسمي تفتقد لأبسط ضمانات التحقق، وتصبح عرضة للخطأ أو التلاعب، دون وجود سجل واضح يمكن الرجوع إليه.
وهكذا، يتحول الإعلان من وسيلة تسويق إلى مدخل لممارسات تتجاوز ما هو مسموح، وتفتح الباب أمام إشكالات أكثر تعقيدا.
إمكانية استغلال الوثائق: من تساهل بسيط إلى مخاطر جسيمة
عندما تطلب الوثائق الثبوتية عبر تطبيقات التراسل، وتخزن في هواتف شخصية أو حواسيب غير مؤمنة، فإنها تصبح عرضة لمجموعة من السيناريوهات المقلقة. فهذه الوثائق لا تستخدم فقط لغرض واحد، بل يمكن، في غياب الرقابة، أن تتحول إلى مورد يستغل بطرق متعددة.
أحد أبرز هذه المخاطر هو إمكانية استغلال بعض الوسطاء لهذه الوثائق داخل نطاق عملهم، عبر فتح اشتراكات إضافية دون علم أصحابها، أو استخدامها لتحقيق أهداف تجارية تتجاوز ما طلبه الزبون. وفي ظل غياب توقيع فعلي أو حضور شخصي، يصبح من الصعب على الضحية إثبات أنه لم يوافق على تلك العمليات.
لكن الخطر يتجاوز هذا الحد لأن هذه الطريقة تفتح أيضا الباب أمام سلوكيات من طرف طالبي الخدمة أنفسهم. فقد يلجأ بعضهم إلى استخدام وثائق تعود لأشخاص آخرين، إما لأنه لا يحق له الاستفادة من الخدمة بسبب ديون سابقة، أو لأنه يسعى لتفادي التزاماته. وفي حالات أكثر خطورة، قد يكون الهدف هو استخدام الرقم في أنشطة غير قانونية، مع تحميل المسؤولية لشخص آخر.
الأكثر إثارة للقلق هو ما يتداول من ممارسات لبعض الوسطاء الذين لا يكتفون بقبول هذه الطلبات، بل يطلبون من الزبون صراحة البحث عن بطاقة وطنية لشخص آخر إذا تعذر فتح الاشتراك باسمه. هذا السلوك لا يمثل فقط خرقا للقانون، بل يعكس انحرافا أخلاقيا خطيرا، حيث يتحول الوسيط من مقدم خدمة إلى طرف يسهل التلاعب بالهويات.
وفي هذه الحالة، يتجاوز الأمر مجرد تساهل في الإجراءات، بل يصبح منظومة غير رسمية قائمة على تجاوز القواعد، وهو ما يهدد سلامة النظام ككل.
بين مسؤولية الوسيط ودور الشركات
أمام هذا الواقع، تبرز مسؤولية الوسطاء بشكل واضح، باعتبارهم الحلقة التي تربط بين الشركة والزبون. فكونهم حاصلين على تراخيص رسمية يفرض عليهم التزاما مضاعفا باحترام الشروط التي منحت على أساسها هذه التراخيص. وأي خروج عن هذا الإطار لا يمكن تبريره بالسعي إلى توسيع قاعدة الزبناء.
وفي المقابل، لا يمكن إعفاء شركات الاتصالات من دورها في ضبط هذه المنظومة. فهي الجهة التي تمنح التراخيص، وتحدد شروط العمل، وتمتلك الأدوات اللازمة للمراقبة والتتبع. وإذا كانت هذه الممارسات تنتشر، فذلك يطرح تساؤلات حول فعالية آليات الرقابة، ومدى صرامة العقوبات المفروضة على المخالفين.
كما أن وجود قنوات رقمية رسمية، رغم أهميته، لا يكفي إذا لم يواكب بتوعية فعالة للزبناء، تشجعهم على استخدامها بدل اللجوء إلى طرق غير مؤطرة. فالكثير من المواطنين قد لا يدركون أن بإمكانهم طلب الخدمة بشكل آمن عبر التطبيقات الرسمية، ويفضلون الطريق الأسهل الذي يعرضه الوسيط عبر “واتساب”.
هنا تبرز الحاجة إلى توازن دقيق بتشجيع الابتكار والتسويق الرقمي، دون السماح بتحول هذه الأدوات إلى وسائل للالتفاف على القوانين. وهذا يتطلب وضوحا في القواعد، وصرامة في تطبيقها.
تصحيح المسار: نحو وساطة مسؤولة وآمنة
ما نشهده اليوم لا يعني فشل نموذج الوساطة، بل يكشف عن حاجة ملحة لتصحيح بعض الانحرافات في ممارسته. فالموزعون والوسطاء يظلون عنصرا أساسيا في منظومة الاتصالات، لكن دورهم يجب أن يمارس داخل الحدود التي تضمن حماية الجميع.
وأول خطوة في هذا الاتجاه هي إعادة التأكيد على أن التراخيص الممنوحة لهؤلاء الوسطاء مرتبطة بممارسة النشاط داخل وكالاتهم المرخصة، وليس عبر محادثات غير رسمية على تطبيقات التراسل. كما ينبغي وضع ضوابط واضحة لأي تعامل عن بعد، إن وجد، بحيث يتم عبر قنوات مؤمنة وتحت إشراف الشركات، دون أن نبخسهم حقهم في البحث عن زبناء بالطريقة التي تناسبهم دون تجاوز.
ويجب تعزيز وعي المواطنين، ليس فقط بمخاطر مشاركة وثائقهم، بل أيضا بالبدائل المتاحة لهم. فالمواقع والتطبيقات الرسمية توفر نفس الخدمات، وربما أكثر، لكن في بيئة آمنة تحمي بياناتهم وتضمن حقوقهم.
كما يتعين على الشركات تكثيف المراقبة على شبكات التوزيع، وربط استمرار الترخيص بالاحترام الصارم للإجراءات. فالتساهل في هذا الجانب قد يؤدي إلى فقدان الثقة، وهي رأس مال لا يمكن تعويضه بسهولة.
ولابد للخروج من إشكالية الرغبة في الجمع بين منظومة خدمات سريعة ومنظومة موثوقة تحمي الجميع، من خلق توازن لا يفرط في أي منهما. فالتكنولوجيا يجب أن تكون وسيلة للتسهيل، لا مبررا للتجاوز، والوساطة يجب أن تبقى جسرا للثقة، لا منفذا للمخاطر.
اترك تعليقاً