وجهة نظر

تغول الإدارة المغربية: عندما تتحول الخدمة العمومية إلى أداة للحصار المادي والحقوقي

تطرح ممارسة بعض المؤسسات العمومية والمرافق المفوضة في المغرب، والمتمثلة في رهن تقديم الخدمات الإدارية الأساسية بأداء ديون أو غرامات منفصلة، إشكالية حقوقية تتجاوز مجرد التدبير الإداري لتلامس جوهر العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن. إن مشهد المرتفق الذي يُجابه برفض طلب “رفع اليد” عن مركبته أو يُحرم من وثيقة ثبوتية بدعوى وجود مخالفات سير أو ضرائب غير مؤداة، ليس إلا تجسيدا لممارسة إدارية تفتقر للسند القانوني، وتنزاح نحو “مقايضة الحقوق” بوسائل إكراه تفتقر لمشروعية الحكم القضائي، أو على الأقل شرعية مساطر التحصيل القانوني السليم.

مبدأ المشروعية وعيب الاختصاص
من المنظور القانوني الصرف، يمثل هذا السلوك “شططا في استعمال السلطة” واعتداء صارخا على مبدأ استقلالية المساطر؛ فالقانون المغربي لم يمنح الإدارة في أي من نصوصه حق “المقايضة” بين خدمة مستوفاة الشروط وبين ديون أخرى في ذمة المرتفق. إن المشرع، عبر مدونة تحصيل الديون العمومية، رسم مسارا إجرائيا دقيقا للاستخلاص يبدأ بالإشعار وينتهي بالحجز أو الإكراه البدني تحت رقابة القضاء، وليس من بينها “المنع من الخدمة”. إن لجوء الموظف مباشرة أو عبر نظام معلوماتي إلى تعطيل المرفق هو بمثابة “عقوبة إدارية موازية” لا أصل لها في التشريع، مما يضرب مبدأ “شرعية العقوبات” ويجعل من الإدارة سلطة تشرع وتنفذ وتدين خارج أسوار المحاكم.

علاوة على ذلك، يمثل هذا المنع “اعتداء ماديا” واضحا على حق الملكية المضمون دستوريا بموجب الفصل 35؛ فتعطيل وثيقة “رفع اليد” مثلا، هو في جوهره حجز غير قانوني يغل يد المالك عن التصرف في ملكه بيعا أو رهنا. إن القضاء الإداري المغربي استقر في اجتهادات محكمة النقض على أن الإدارة ملزمة بالحياد، وأن قرارات الرفض المبنية على ذمم مالية غير مرتبطة بالخدمة المطلوب تنفيذها هي قرارات معيبة بعيب عدم المشروعية وموجبة للإلغاء. هذا التجاوز لا يمس الفرد فحسب، بل ينسف هرمية القواعد القانونية بجعل “الكلام الشفعي للموظف” أو “المنشور الإداري” أو “البرمجية الرقمية” تسمو على النص القانوني والدستوري.

إن إمعان الإدارة في الرفض الشفوي دون تقديم تعليل مكتوب يفرغ رقم 03-01 المتعلق بإلزامية تعليل القرارات الإدارية من محتواه، ويضع المرتفق في حالة “عجز قانوني” يمنعه من ممارسة حقه في التقاضي بفعالية. هذا الوضع يكرس حالة من “اللاقانون” داخل المرفق العام، حيث يصبح الموظف مجرد أداة لإكراهات تقنية، تغيب عنها روح القانون وسلطة التقدير، مما يحول المرفق من فضاء لخدمة المواطن إلى حصن للمطالبة بالديون خارج إطار الضمانات الإجرائية التي كفلها المشرع للمدين.

إرث الطوارئ وتعطيل الحقوق
لعل أبهى تجليات هذا التعسف قد تبلورت بشكل فج خلال فترة الطوارئ الصحية المرتبطة بلقاح كوفيد-19، حيث شهدت تلك المرحلة تحولا خطيرا في فلسفة المرفق العام، الذي استغل الظرفية الاستثنائية لفرض “مقايضة” غير مسبوقة بين الحق في التلقيح وبين الولوج إلى الحقوق الأساسية. خلال تلك الفترة وجد آلاف المواطنين أنفسهم محرومين من وثائقهم الثبوتية، ورخص عملهم، وحتى حقهم في الولوج إلى المرافق العمومية، لا لعلة قانونية ثابتة، بل لرفضهم الخضوع لعملية طبية شابها الكثير من اللبس العلمي. هذا الاستغلال لفترة الطوارئ لم يكن مجرد تدبير صحي، بل صار أداة لتعطيل مصالح المواطنين وإرغامهم على القبول بلقاح بدأت تتكشف لاحقا آثاره الجانبية المقلقة والكارثية على الصحة العامة، مما عمق الشعور بالانخداع والغبن والظلم، لدى فئات واسعة أُجبرت على الاختيار بين سلامتها الجسدية وبين استمرار حياتها الإدارية والمهنية.

إن الربط الذي حدث آنذاك بين “جواز التلقيح” وبين استيفاء الوثائق الإدارية كان يمثل ذروة الاعتداء على الضمانات الدستورية المتعلقة بسلامة الجسد وحرية الاختيار، حيث تحول الموظف الإداري إلى “شرطي صحي” يملك سلطة منع المواطن من حقه في الوثائق التي تثبت وجوده القانوني أو تحمي ملكيته. هذا التوظيف القسري للإدارة في معارك طبية غير محسومة النتائج أدى إلى تآكل الثقة في “عقلانية” القرار الإداري، وجعل الإدارة تبدو في مظهر “المعتدي” الذي يستغل الأزمات لفرض سلطة مطلقة خارج الرقابة القضائية.

هندسة الإحباط وتآكل الثقة
على المستوى النفسي والاجتماعي، يولد هذا الحصار الإداري شعورا حادا بـ”الغبن المؤسساتي” لدى المواطن، الذي يجد نفسه مضطرا للانصياع لإملاءات غير قانونية لقضاء مصالح مستعجلة. هذا الشعور ينمي نزعات “الاغتراب عن الدولة”، حيث ينظر الفرد إلى الإدارة كعقبة تسلطية تترصد عثراته، وليست مرفقا ييسر شؤونه. إن الإحباط الناتج عن عدم القدرة على تحرير الملكية يولد ضغطا نفسيا قد ينفجر في شكل مشاحنات داخل الإدارات، مما يهدد السلم المهني والاجتماعي ويحول الشباك الإداري إلى حلبة للصراع حول “الذمة المالية” بدل كونه فضاء للخدمة.

اجتماعيا، تساهم هذه الممارسات في تآكل الرأس المال اللامادي المتمثل في “الثقة في المؤسسات”. إن تحويل الموظف في نظر المجتمع من “خادم عمومي” إلى “جابي ضرائب” يفسد فلسفة المرفق القائمة على القرب والارتفاق، ويغذي خطابات التشكيك في نزاهة الإصلاح الإداري. هذا الاحتقان الصامت يتراكم ليشكل مادة دسمة لليأس من دولة القانون، ويدفع المواطنين أحيانا للبحث عن “وسائط غير مشروعة” لتجاوز العوائق التقنية، مما يعيد إنتاج الفساد الإداري في حلة جديدة تفرضها صرامة الأنظمة الرقمية الموجهة للعقاب لا للخدمة.

كما أن تكرار هذه الحالات يؤدي إلى إرهاق المواطن واستنزاف طاقته في مساطر تظلم ماراثونية، مما يربك استقراره المالي والأسري نتيجة تعثر المعاملات المرتبطة بالمركبات أو العقارات. إن الأسرة المغربية التي تسعى لتسوية وضعية قانونية تجد نفسها رهينة لماضٍ مالي قد يكون موضوع تقادم أو نزاع، مما يكرس انعدام الأمن القانوني للأفراد. إن “صناعة التوتر” هذه تخدم الأجندات التي تروج لعدم جدوى الانخراط في المساطر القانونية، وتدفع بالمرتفق نحو البحث عن حلول خارج إطار المؤسسات.

تعطيل الأصول وتنفير الرساميل
ماليا واستثماريا، تشكل هذه الممارسة الإدارية “فرملة” قسرية للدورة الاقتصادية؛ فتعطيل وثائق “رفع اليد” أو شواهد الملكية يعني تجميدا للأصول المالية ومنعا لدورانها في السوق. عندما يعجز مستثمر أو مقاول عن تحرير أصوله (سيارات، عقارات) بسبب “بلوكاج” إداري غير قانوني، فإن ذلك يجهض فرصا استثمارية ويضعف القدرة الاستهلاكية. إن “المال المحبوس” إداريا هو مال معطل عن المساهمة في النمو، وهو نتيجة لبيروقراطية تضع “الجباية اللحظية” فوق مصلحة “الاقتصاد الكلي”.

من منظور الاستثمار، يمثل غموض المساطر وربطها بإكراهات خارجية عامل تنفير حاسم للرساميل؛ فالمستثمر يبحث عن “الأمن القضائي والإداري”، وعندما يكتشف أن حقوقه التعاقدية قد ترتهن بمزاجية الأنظمة المعلوماتية لديون غير مرتبطة بموضوع استثماره، فإنه يفقد اليقين في المناخ العام. إن “صورة الإدارة المعتدية” هي العدو الأول لجاذبية الاستثمار، لأنها توحي بغياب الحماية القانونية للملكية الخاصة أمام تغول السلطة التنفيذية التي تستخدم التكنولوجيا كأداة جافة، وفي بعض الأحيان غبية، للمصادرة لا للتمكين.

علاوة على ذلك، فإن “كلفة التقاضي” الناتجة عن هذه التجاوزات تمثل هدرا صارخا للمال العام؛ فالدولة تضطر لتسخير مواردها للدفاع عن قرارات إدارية يقر القضاء ببطلانها في أغلب الأحيان، مما يترتب عنه تعويضات ومصاريف قضائية يتحملها دافع الضرائب. هذا الهدر المالي كان من الممكن تلافيه بتبني مساطر تحصيل تحترم التدرج القانوني، وتفصل بين “الحق في الخدمة العمومية” كالتزام دستوري، وبين “استخلاص الدين” كمسطرة مستقلة لها آلياتها الزجرية والضمانات المرتبطة بها.

فلسفة الخدمة مقابل ثقافة التحكم
إن الدرس الذي يجب أن تستوعبه الإدارة المغربية في مسار تحديثها هو أن فلسفة وجودها تقوم على “الخدمة” لا على “الوصاية” فالإدارة في جوهرها هي الوسيلة الكفيلة بتمكين المواطن من حقوقه، وأي تحول لهذه الوسيلة إلى عائق هو انتكاسة لمفهوم المرفق العام. يجب الانتقال من ثقافة “الإدارة الضابطة” التي تترصد المرتفق، إلى “الإدارة المواكبة” التي تحترم كرامته وتلتزم بحدود القانون في استخلاص حقوق الدولة، دون المساس بجوهر الحريات والحقوق الدستورية.

في هذا الصدد، تبرز فلسفة مؤسسة وسيط المملكة كمرجع قيمي وقانوني؛ فهي المؤسسة التي تؤكد في تقاريرها أن “نجاعة التحصيل لا تبرر خرق القانون”. إن دور الوسيط يتجاوز حل النزاعات إلى تذكير الإدارة بأن المصلحة العامة لا تتحقق بمصادرة الحقوق الفردية، بل بالتوازن الخلاق بين حقوق الدولة وحقوق المواطن كما يظل القضاء الإداري، بصموده في وجه الاعتداءات المادية للإدارة، الحصن الأخير الذي يكرس مبدأ سمو القانون، مؤكدا أن الإدارة لا تملك صلاحية “ابتداع عوائق” لم ينص عليها المشرع.

إن الرهان الحقيقي للمغرب اليوم هو بناء “إدارة مواطنة”؛ إدارة تفصل تقنيا ومعلوماتيا بين “بيانات الخدمة” و”بيانات التحصيل”، وتجعل من “ثقة المرتفق” معيارا لجودة أدائها إن استعادة هيبة الإدارة لا تمر عبر التغول أو التضييق، بل عبر الامتثال الطوعي للشرعية القانونية، وضمان انسيابية المساطر بما يخدم التنمية والأمن الاجتماعي، ويقطع مع ممارسات تسيء لصورة المملكة وتعرقل طموحاتها في بناء دولة الحق والقانون والمؤسسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *