منتدى العمق

أي تقييم تربوي نريد؟

طرفـة عين

حين يختلط الطموح بالتسويق تصير الأرقام أبلغ من الكلمات ، والدرجات أسبق من الدلالات ،بات التعلم يُخْتزَلُ في حاصل جمع، ويقاس بما يُكْتَبُ في خانة، لا بما يُبْنى في عقل المتعلّم(ة) ووجدانه ، نُحْسِن العدّ، ونُسيء الفهم ، نُوَحّدُ القياس ؛ نُراكم النقط ؛ونُبَعْثِرُ المعنى ، نرفع راية الجودة بينما نُفْرِغُ الفعل التربوي من عُمقه البيداغوجي والإنساني. وهكذا ، يتحوّل التقييم من أداة لفهم التعلم والتعليم والارتقاء بالنموذج التربوي تحصيلا وممارسة ؛ إلى سلطة تُدَبِّره ، ومن وسيلة للمواكبة إلى منطق للفرز، في مفارقة صارخة بين ما نعلنه من غايات بيداغوجية وما نمارسه من اختزال عددي ! أمام هذا الواقع ،يحق التساؤل : أي مدرسة نريد؟ مدرسة تتقن إنتاج البيانات أم تُجيد بناء التعلّمات ؟ وهل يكفي أن نُحسن القياس إذا كنا نسيء الفهم ؟ ثم أي موقع نمنحُه للبعد الإنساني في فعل التعليم، حين يصبح الأستاذ(ة) مُــمَــرِّرًا، والمتعلم(ة) رقما ، والمعارف مؤشّــرًا ، والمؤسّسة ترتيبــا؟

وتزداد حدّة هذه المفارقة حين نضعها في سياق مدارس الريادة ، التي قُدّمتْ بوصفها وعدا بتجديد المدرسة العمومية ، وبناء الكفايات والتحكم في التعلّمات ، وتحرير التعلم من منطق التلقين والتنقيط .فكيف نوفق بين طموح الريادة ومنطق التوحيد الصارم ؟وكيف نبني مدرسة تراهن على الابتكار بينما نخضعها لأدوات تخشى الاختلاف ؟ فهل ما نمارسه اليوم ينسجم مع ما يُعْلَنُ من اختيارات ؟ هل يكفي أن نتقن توحيد القياس لنتقن القيادة ؟ وهل ما نربحه من توحيد الدرجات يعادل ما نخسره من زمن التعلم؟ أم أننا باسم التجديد نعيد إنتاج منطق قديم بأدوات جديدة ؟ثم أي معنى لريادة تُقاس بنقطة موحدة ، وتُخْتزل ُ في ترتيب ويُطــالَبٌ فاعلوها بتحقيق مُــؤشرات قبل بناء المعنى؟

أسئلة موجهة إلى صانع القرار التربوي ، وإلى النخبــــة المكلفة بالمواكبة والتأطير، وعقلاء تدبيـــر الشــأن البيداغوجي ، في ضوء المرجعيات الوطنية التي جعلت من الارتقاء بالتعلم ، وتنمية الكفايات ، واحترام الإيقاعات والفروق الفردية ، وتكافؤ الفرص والإنصاف، مُرتَكزات مركزية للإصلاح ، فهل يمكن التفكير في تقييم موحد في مرجعيته ،مـــرن في تنزيله ، عــادل في أٍُثـــره؟ وهل نَـضْمنُ الإنصاف في مدرسة يتبــايــن فيها المتعلمون(ات) في الإيقاع والدافعية والسيــاق ؟ وهل نملك الشجاعة التربوية المؤسسية لمراجعـــة الأدوات كلما أظهـــــرت الممارســة محدوديتها ؟ أم أن الخوف من التعديل أقوى من الرهان على مدرسة تَتَّسِـــــعُ لجميع متعلّميها؟

والأستاذ(ة) باعتباره فاعلا ميدانيا وشريكا في التغيير ، ليس ضد الإصلاح ولا مع النشاز والأخطاء في الشكل والمضمون ، إنه مع إصلاح قابل للتقويم ، ومع أدوات تُراجَع حين تخطئ، ومع سياسات تُصغي حين يُنبه الميدان ، نقده ليس عرقلة، بل مساهمة، وليس تشويشا بل حرصا على أن ينجح الإصلاح ويصنع المعرفة ويحيي الأمل في الإنسان..

التقييم الموحد كخيار مؤسساتي

لم يعد التقييم في المدرسة الحديثة إجراء بيداغوجيا محضا ،بل تحوّل إلى خيار مؤسساتي له امتداداته التربوية والسياسية والرمزية ،فاعتماد التقييم الموحد يُقدّم باعتبارها آلية لضمان الإنصاف ، وتوحيد المرجعيات (موجهات بناء الإطار المرجعي ،ويتضمن المجالات المعنية والمستويات المهارية ؛ ودرجة أهمية المجالات المعنية بالتقييم ؛ووصف المجالات بدلالة أهداف التقييم، وجداول التخصيص )،ورفع مصداقية النتائج ، وتوفير معطيات تساعد على التشخيص والتطوير والدعم واتخاذ القرار. وهي أهداف مشروعة بل وضرورية في سياق إصلاح منظومة تعليمية تسعى إلى تحسين النجاعة والحد من التفاوتات المجالية والاجتماعية والتربوية.

غير أن الإشكال لا يكمن في مبدأ التقييم ، ولا في الحاجة إلى المعايير المشتركة ، بل في الحمولة الوظيفية الي يُثقل بها التقييم الموحّد. فعندما يتحول من وسيلة إلى غاية أي من أداة تشخيص ودعم إلى مرجعية شبه وحيدة للحكم على التعلّمات ، يفقد طابعه البيداغوجي (تتبع مسار التعلم ، التغذية الراجعة، رصد التعثرات ومعالجتها ، الحد من نزيف الهدر المدرسي…) ويقترب من منطق المحاسبة الإدارية، وحين تُمنح نتائجه وزنا يتجاوز قدرتها التفسيرية، تُصبح الأرقام بديلا عن التحليل ، والمـــؤشــرات عوض الفهـــم.

إن التعلم بطبيعته ، ظاهرة معقدة ومتعدّدة الأبعاد، لا تُختزل في صيغة اختبار ولافي صيغة موحدة، وحين يُفْصل التقييم عن سياقاته النفسية والاجتماعية والتربوية ، وعن شروط اشتغاله داخل القسم ، فإنه يتحول إلى رقم صامت ، قابل للتأويل السريع وربّما للتوظيف غير البيداغوجي.

من التعليم من أجل التعلم إلى التعليم من أجل النقطة

تقوم فلسفة المدرسة الرائدة في خطابها المؤطر على تنمية الكفايات والابتكار البيداغوجي ، وجعل المتعلم (ة) في قلب العملية التعليمية من خلال تخفيف الحمولة المعرفية واستباق الوقوع في التعثر …غير أن تنزيل وأجـــرأة هذا الخطاب يبرز بشكل واضح التوتر بين خطاب التجديد وممارسة التوحيد الصارم الذي يفرض إيقاعا واحدا ومعيارا واحدا للنجاح ، وهذه نتيجة الممارسات التعليمية النمطية التي تقدمها شرائح الدروس الرقمية.

التعلـــم مســـار غيــر خـطــي ،يتقدم بالتعثر /الخطأ كما يتقدم بالإنجاز ، ويحتاج إلى زمن تربوي مرن و تبيئة دروس حية مفعمة بالمعنى ، كما يعترف بتباين أساليب التدريس واختلاف طرق التدخل البيداغوجي من ممارس إلى آخر ، وإلى جانب ذلك، يعترف بتباين المتعلمين واختلاف ميولاتهم ودافعيتهم نحو التعلم وقدراتهم على الفهم والاستيعاب…وعندما يُختزل هذا المسار في اختبار موحد يُنْجَـــزُ في لحظة زمنية موحدة ودقيقة ، فإننا لا نقيس التعلم بقدر ما نقيس ما يمكن قياسه فقط ؛ ومع مرور الوقت يدفع هذا المنطق – بشكل غير مباشر- إلى أن يصبح الهاجس لدى الفاعلين هو الاستعداد للاختبار(تمارين وحلول) كأولوية تتقدم على بناء تعلمات عميقة ومستدامة.

هذا التحول له أثر واضح على الفعل التربوي داخل القسم ،فعندما يصبح الاختبار مرجعية مركزية ، تتراجع المساحات المخصصة للتعلم من الخطأ ،وللأنشطة التي لا تترجم مباشرة إلى درجات ونقط .وهنا تظهر أحد أخطر الآثار الجانبية للتقييم الموحّد: الانتقال من التعليم من أجل التعلـــم إلى التعليم من أجل النتيجــة !

حـــدود القيـــاس وآفـــاق التعــديـــل

تتجاوز آثار التقييم الموحد القسم الدراسي لتطال البنية المؤسساتية ككل . فنتائجه تتحوّل إلى أدوات مقارَنة وتصنيف ، وقد تُستَعمل في تقييم الأداء ، دون استحضار كاف للفوارق السياقية والظروف الاجتماعية والإكراهات الواقعية التي يفرضها الميدان . وهكذا تَكْتَسِبُ الأرقـــام سلطة رمزية كبيرة، قد تتجاوز ما تحتمله من دلالة علمية ، وتُلْقي بظلالها على صورة المؤسسة ، وعلى عمل المدرس المُمَــرِّر لشرائح الدروس والحصص، وعلى علاقة المتعلم بذاته وبالمدرسة وبأسرتــه.

في هذا السياق ، يجد الأستاذ(ة) نفسه في موقع بالغ الحساسية .فمن جهة ، يُطلَبُ منه أن يكون مُيَسِّرا ،ومبتكِرا، ومبدعا، ومواكبا لتباين المتعلمين ؛ ومن جهة أخــرى ، يُقَيَّــمُ – بشكل مباشر أو غير مباشر- بناء على نتائج موحّدة لا تَعْكِسُ بالضرورة كل أبعاد عمله التربوي والبيداغوجي :بناء العلاقة ، احتواء التعثر ، إشعال الفضول ، وتنمية الثقة في الذات. هـــذا التنــاقض ينتج حـــذرا مهنيا مفهوما حيث يفضَّلُ الالتزام بما هو مضمون وقابل للقياس ، على خوض تجارب بيداغوجية واعية قد لا تترجم إلى نتائج فورية .غير أن هذا لنقد لا يُطْرَحُ من موقع الرفض، ولا من منطق التشويش، بل من داخل ورش الإصلاح ذاته .

لا يعني هذا الطرح الدعوة إلى إلغاء التقييـــم الموحد ، ولا التقليل من أهميته في بناء رؤية وطنية للتعلمات ، لكنه يفرض ضرورة إعادة التفكير في موقعه داخل المنظومة . فالتقييم حين يتحـــول إلى غايــة في حد ذاته ، يفقــد وظيفتــه البيداغوجية . وحين يُفْصَلُ عن القراءة الكيفية ، وعن ملاحظات الميــدان ، وعن صوت الفاعلين التربويين ، يصبح رقما صامتا قابلا لسوء الفهم وسوء الاستعمال .

الرهان الحقيقي اليوم ،ليس في تكثيف التقييم ، بل في بناء تقييم ذكي متوازن ومتعدد الأدوات، تقييم يُدْمِجُ المعطى الكمي بالتحليل النوعي ،ويفرق بين التشخيص والدعم والمعالجة من جهة ، واختزال التعلم في نقط باردة لمؤشرات كثيفة ومتعددة وإهمال مهارات فنية وقيمية لا تظهر في أوراق الاختبار من جهة أخرى . تقييـــم يعترف بأن تحسين التعلمات مسار طويل لا يختزل في “التشبع التقييمي” الذي لا يُرْجى منه سوى قلق الإنجاز والتذكير المرحلي بالفشل، وفقدان متعة التعلـــــم .

مدارس الريادة بما تحمله من طموح إصلاحي ، مدعوة إلى فتح نقاش مؤسساتي هادئ ومسؤول حول التقييــــم الموحد : إطاره المرجعي الكامل، وحدوده ،وآثاره، وشروط إنجازه واستعماله. فالإصلاح التربوي لا يُقاس فقط بما نعلنه من أهداف ، بل أيضا بالأدوات التي نختارها لقياس هذه الأهداف ، والرسائل التي تبعثها هذه الأدوات إلى المتعلمين (ات) والمدرسين(ات) والمؤسسات .

وفي هذا الإطار ، لا تكمن خطورة التقييم الموحد في وجوده ، بل في تحوله إلى مرجعية مركزية وحيدة للحكم على التعلّم .فحين نمنح الأرقام سلطة مطلقة ، نخاطر بأن نُفرغ المدرسة من بعدها الإنساني، وأن نختزل المشروع في إدارة نتائج وبيانات. أما التحدي الحقيقي فهو أن نُبقي التقييــم في مكانه الطبيعــي : أداة في خدمة التعلــم، لا التعلـــم في خدمتها. هكذا فقط يمكن لمشروع الريادة أن ينجح : لا كإدارة جديدة للأرقام، بل كبناء متدرّج لمعنى التعلـم وجودته.

على سبيـــل الختــــم

التعلم حين يُقاس بالأرقام يَعْـــدِمُ الحياة بصمت ، إذ تُخْتَــزَل التربية في نِسَــب، ويُخْتَصَـــر التعلــم في رُتَــب ، وتُدار المدرسة بمنطق الجداول لا بمنطق المقاصد ، وحين يتقدّم التكميم على التكوين ، ويستبدل التشخيص بالتصنيف يقصى السؤال ، ويُجَرّمُ الخطـــــأ ،ويٌكـــافَــأُ الامتثال والاجْتِــــــرار . ومن الميدان والممارسة الصفية تـتواتـرالشهادة: الأرقامُ لا تُنير عقلا ، ولا تُنْضِج وعيا ، ولا تُحفّــز دافعية .إن هيمنة المنظور العددي تفرغ التقييم من وظيفته ، وتعطل التعلم، وتحول المؤسسة التعليمية من فضاء للتنشئة إلى آلية للفرز. وعليه فإن الإصلاح التربوي رهين بالانتقال من ثقافة الأرقــــام المحدودة الأفق والمقيدة الأثر إلـى ثقافة التعلم العميق ، ومن هاجس القياس إلــى أفق المعنى وبناء الإنسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *