آخر أخبار الرياضة، العمق الرياضي

بين تعصب الجماهير وغياب “الخطط الصارمة”.. لماذا يتكرر شغب الملاعب بالمغرب؟

شهدت المباراة التي جمعت بين الجيش الملكي والرجاء الرياضي، لحساب الجولة 17 من البطولة الاحترافية، أحداث شغب خطيرة خلفت خسائر مادية بمرافق الملعب، إلى جانب حالة من الفوضى والتراشق بين جماهير الفريقين، في مشهد أعاد إلى الواجهة من جديد إشكالية العنف داخل الملاعب المغربية، وما يرافقها من تداعيات أمنية وتنظيمية.

وتأتي هذه الأحداث في ظرفية حساسة تستعد فيها المملكة لاحتضان تظاهرات كروية كبرى، ما يفرض تعزيز آليات التنظيم والرقابة، وتكثيف الجهود لتفادي تكرار مثل هذه السلوكيات التي تسيء لصورة الكرة الوطنية.

أسباب متعددة

وفي هذا الصدد أوضح منير أوخليفة، الأستاذ الجامعي في القانون الخاص، أن الظاهرة التي شهدتها مباراة الجيش الملكي والرجاء الرياضي تندرج ضمن شغب الملاعب، وهي سلوكيات يجرّمها القانون الجنائي المغربي من خلال القانون 09-09 الذي جاء لتعديل وتتميم مجموعة القانون الجنائي، حيث نص على مجموعة من المقتضيات الزجرية لمواجهة العنف داخل المنشآت الرياضية.

وأضاف في تصريحـ”العمق” أن هذه الظاهرة لا يمكن فصلها عن مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها العوامل الاجتماعية والاقتصادية، مثل البطالة والتهميش وضعف التنشئة الاجتماعية، إضافة إلى غياب ثقافة رياضية حقيقية داخل بعض الأوساط، وهو ما يساهم في إنتاج سلوكيات عنيفة داخل المدرجات.

كما أشار إلى العامل النفسي والهوياتي، موضحاً أن التعصب الأعمى للأندية، والرغبة في التعبير العدواني عن الانتماء، إلى جانب بعض المؤثرات مثل الكحول أو المخدرات، كلها عوامل تزيد من حدة التوتر داخل الملاعب، ما يستوجب، حسب قوله، عملاً تأطيرياً من مختلف الفاعلين الرياضيين.

وتوقف أيضاً عند الجانب الإعلامي والرقمي، مبرزاً أن بعض التغطيات أو المحتويات على المنصات الرقمية قد تساهم في التحريض أو تأجيج الأوضاع، مشيراً إلى أن هذا المجال لا يزال يحتاج إلى مزيد من التنظيم القانوني والرقابة، خاصة في ما يتعلق بخطابات التحريض المرتبطة بالمباريات.

وفي الشق القانوني، أوضح أن المشرع المغربي نص على عقوبات حبسية تتراوح بين سنة وخمس سنوات، إضافة إلى غرامات مالية، في حق كل من يشارك في أعمال العنف داخل التظاهرات الرياضية، مع تشديد العقوبات في حال ترتب عن هذه الأفعال أضرار جسدية خطيرة أو وفيات، كما تم تجريم التحريض على الكراهية أو التمييز العنصري داخل الملاعب.

كما أشار إلى مقتضيات أخرى في القانون تتعلق بتنظيم بيع التذاكر، حيث تم تجريم إعادة بيعها بأسعار غير قانونية، بالنظر إلى مساهمتها غير المباشرة في خلق بيئة فوضوية داخل الملاعب.

وختم بالتأكيد على أن القانون رغم أهميته، يبقى بحاجة إلى تطوير وتحيين ليواكب المستجدات، خصوصاً ما يتعلق بالعالم الرقمي، مع ضرورة اعتماد مقاربة شاملة تجمع بين الزجر القانوني، والتأطير الأمني، والتوعية الجماهيرية، إضافة إلى تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين لضمان سلامة التظاهرات الرياضية.

العقوبات غير كافية

من جهته، اعتبر المحلل الرياضي عبد الرحيم أوشريف، أن ما وقع خلال مباراة الجيش الملكي والرجاء الرياضي يُعد حدثاً مؤسفاً بكل المقاييس، خاصة في ظل السياق الذي يعيشه المغرب واستعداده لاحتضان تظاهرات كبرى، ما يفرض ضرورة تقديم صورة إيجابية تعكس مستوى التنظيم داخل الملاعب، سواء على مستوى الجماهير أو الأندية أو جودة البطولة الوطنية.

وأوضح أن ما تم تسجيله من أحداث شغب لا يمكن التعامل معه فقط عبر العقوبات، معتبراً أن إجراءات مثل “الويكلو” أو الغرامات، مهما كانت طبيعتها، تبقى محدودة الأثر إذا لم يرافقها وعي جماعي حقيقي بالمسؤولية لدى مختلف المتدخلين.

وشدد على أن معالجة الظاهرة تستوجب عملاً مشتركاً بين الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والسلطات الأمنية والمسؤولين داخل الأندية، مؤكداً أن المسؤولية جماعية، وأن أي مقاربة ناجعة يجب أن تكون استباقية وليست فقط ردّ فعل بعد وقوع الأحداث.

وأشار إلى أن من بين الأسباب التي ساهمت في تفاقم هذه الظواهر غياب خطط تنظيمية دقيقة في بعض المباريات ذات الحساسية الجماهيرية، إضافة إلى عدم تفعيل بعض الإجراءات التنظيمية، مثل المقتضيات المرتبطة بدخول القاصرين إلى الملاعب، وهو ما اعتبره أحد الاختلالات التي تستوجب المعالجة الجدية.

كما توقف عند مسألة الثقة بين مختلف الأطراف، مبرزاً أن مثل هذه الأحداث تؤثر سلباً على صورة الكرة الوطنية، وتضعف الثقة بين المؤسسات والجماهير، في وقت يستعد فيه المغرب لرهانات كبرى تتطلب مستوى عالياً من الانضباط والتنظيم.

وأكد أن ما وقع لا يخدم تطور البطولة الوطنية، بل يعيدها إلى الوراء، داعياً إلى تحمل كل طرف لمسؤوليته الكاملة، سواء في الجانب التنظيمي أو الأمني أو التربوي، من أجل تفادي تكرار مثل هذه المشاهد.

وختم بالتشديد على ضرورة تطبيق القانون بشكل صارم، مع التمييز بين الحالات التي تستوجب المتابعة والحالات التي قد تكون فيها مسؤولية محدودة، مؤكداً أن حماية صورة الرياضة المغربية تتطلب الحزم في تطبيق القانون دون تساهل أو انتقائية.

عقوبات ثقيلة

وأعلنت العصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية عن حزمة من الإجراءات الاحترازية عقب الأحداث التي شهدتها بعض الملاعب الوطنية، خاصة خلال المباراة التي جمعت بين الجيش الملكي والرجاء الرياضي بمركب الأمير مولاي عبد الله، والتي عرفت وقوع أحداث وصفت بالمؤسفة.

وأوضحت المعطيات الصادرة عقب اجتماع انعقد يوم الجمعة 1 ماي 2026 بمشاركة مختلف المتدخلين في منظومة كرة القدم الوطنية، أن هذه التدابير تأتي في إطار الحرص على ضمان السير العادي للمنافسات وتعزيز شروط السلامة والأمن داخل الملاعب.

وشملت الإجراءات المعلنة عدم تخصيص مدرجات أو فضاءات لجماهير الفريق الضيف، إلى جانب الامتناع عن طرح تذاكر موجهة لأنصار الفريق الزائر، فضلاً عن منع تنقل الجماهير الزائرة خلال المرحلة المقبلة.

كما شملت الإجراءات متابعة الأفراد المتورطين وفق القوانين الجاري بها العمل، في خطوة تهدف إلى ردع مثل هذه السلوكيات التي تتكرر في عدد من المباريات، وتُهدد سلامة مختلف المتدخلين داخل الفضاء الرياضي.

من جهة أخرى، تطرح هذه الأحداث مسؤولية الأندية في تأطير جماهيرها، إذ يُنتظر منها لعب دور أكبر في التوعية وتهدئة الأوضاع، عبر تبني مقاربات استباقية وتنسيق مستمر مع السلطات، لتفادي تكرار مثل هذه الانفلاتات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *