منتدى العمق

تراجع دور العائلة ..حين تفقد المدرسة حليفها الأول

لم يعد الحديث عن ازمة الانضباط داخل المؤسسات التعليمية ترفا فكريا او نقاشا عابرا بل اصبح واقعا يوميا يفرض نفسه داخل الفصول الدراسية وساحات المدارس. واذا كان البعض يسارع الى تحميل المدرسة وحدها مسؤولية هذا الوضع فان نظرة اكثر عمقا تكشف ان جذور الاشكال تمتد الى ما هو ابعد من اسوار المؤسسة لتبدا اساسا من داخل البيت.

لقد شكلت الاسرة عبر التاريخ الحاضن الاول للقيم ومصدر التوجيه الاساسي للطفل. فيها يتعلم معنى الاحترام وحدود السلوك واسس التمييز بين الصواب والخطا. غير ان هذا الدور التاسيسي عرف في السنوات الاخيرة نوعا من التراجع بفعل تحولات اجتماعية متسارعة فرضت ايقاعا جديدا للحياة حيث اصبح الانشغال بتامين المتطلبات المادية يطغى على الاهتمام بالتنشئة القيمية والنفسية. والنتيجة طفل مرفه ماديا لكنه يفتقر الى مرجعية اخلاقية واضحة.

في هذا الفراغ التربوي برزت وسائط بديلة تؤثر في تشكيل وعي الناشئة من قبيل وسائل التواصل الاجتماعي والمحتوى الرقمي التي لا تخضع في كثير من الاحيان لاي توجيه او رقابة اسرية. وهنا يجد الطفل نفسه امام منظومات قيم متضاربة بعضها بعيد عن خصوصيته الثقافية ما يخلق لديه نوعا من الارتباك السلوكي وفقدان البوصلة.

الاخطر من ذلك هو ما تشهده العلاقة بين بعض الاسر والمؤسسة التعليمية من توتر متزايد. فبدل ان تقوم على الشراكة والتكامل اصبحت في بعض الحالات علاقة صراع او عدم ثقة حيث يتم التشكيك في دور المدرس او التقليل من مكانته بل وتبرير سلوكات التلميذ الخاطئة. هذا التحول لا يمر دون اثر اذ يترسخ لدى المتعلم تصور مفاده ان سلطة المربي قابلة للتجاوز وان الخطا يمكن الدفاع عنه بدل تصحيحه.

وعندما يصل التلميذ الى المدرسة محملا بهذه التراكمات يجد المدرس نفسه امام مهمة مزدوجة التعليم من جهة ومحاولة تقويم سلوكيات غير منضبطة من جهة اخرى. وهو ما يؤدي الى استنزاف الجهد والوقت على حساب الفعل التعلمي ويضعف جودة العملية التربوية برمتها.

غير ان تحميل الاسرة وحدها المسؤولية يبقى طرحا قاصرا فالمدرسة بدورها تواجه تحديات بنيوية لا تقل تعقيدا من اكتظاظ الاقسام الى ضغط البرامج وصولا الى تراجع المكانة الاعتبارية للمربي وهي عوامل تحد من قدرتها على تعويض النقص الحاصل في التنشئة الاولى.

ان الخروج من هذه الدائرة يقتضي وعيا جماعيا بان التربية مسؤولية مشتركة لا يمكن ان تنجح الا بتكامل الادوار. فالعائلة مطالبة باستعادة موقعها كمرجع قيمي وتربوي عبر تعزيز الحوار مع الابناء ومواكبة تحولاتهم ومراقبة ما يتعرضون له من مضامين. وفي المقابل يتعين على المدرسة ان تنفتح اكثر على محيطها وتبني جسور ثقة مع الاسر قائمة على التواصل والتعاون.

كما ان المجتمع ككل مدعو الى اعادة الاعتبار للمربي ليس فقط عبر الخطاب بل من خلال سياسات واقعية تحسن من وضعه وتعزز مكانته لان اي اصلاح تربوي لا يمكن ان ينجح في ظل تآكل صورة من يفترض ان يقوده.

في النهاية يبقى الانضباط الحقيقي ثمرة تربية متكاملة تغرس جذورها في البيت وتسقى داخل المدرسة. وعندما يشعر الطفل بانسجام الرسائل التربوية بين هذين الفضاءين يتحول الانضباط من عبء مفروض الى سلوك تلقائي يعكس وعيا وانتماء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *