المحاماة والجامعة.. وحدة المصير لا صراع “الامتيازات”
لقد قرأت بتمعنٍ الأطروحة التي تُصوّر العلاقة بين المحاماة والجامعة كأنها صراع على “لقمة عيش”، ولامست فيها غيرةً محمودة على مهنة المحاماة، لكنني وجدت فيها أيضاً “توجساً” لا مبرر له من رفيق الدرب، ومحاولة لتأطير العلاقة بينهما كأنها تنافس صفري، بينما هي في الأصل علاقة تكامل وجودي وتاريخي.
من الإجحاف أن تُوصف قامة علمية تقضي عمرها بين المراجع والمحاضرات بأنها “عابر سبيل” في المحاماة.. الأستاذ الجامعي هو الذي صاغ العقل القانوني للمحامي نفسه، وهو الذي “عجن” المفاهيم التي يترافع بها الزملاء أمام المحاكم.. فكيف يكون صاحب الدار غريباً عنها؟ إن ولوج الأستاذ للمحاماة هو انتقال من “النظرية” إلى “التطبيق”، وهو إغناء للممارسة المهنية بزاد معرفي يحمي المهنة من “النمطية” ويحولها إلى مختبر حقيقي للاجتهاد القضائي.
وتتحدث الأطروحة عن “المساواة” و”التنافي”، لكن دعونا نسأل: هل الرزق محصور في وعاء ضيق حتى يُنتزع من الشاب؟ إن الرزق بابٌ واسع، والمنافسة الشريفة هي وقود الجودة.. إن الموكل يبحث عن “الكفاءة” لا عن “البذلة”، ووجود الأستاذ الجامعي في المحكمة يرفع من سقف التنافسية ويجبر الجميع على التطور.. أما ربط بطالة الشباب بوجود بضعة أساتذة يمارسون المحاماة، فهو تشخيص خاطئ للأزمة؛ فالبطالة نتاج سياسات عامة، وليست نتاج حضور “العلماء” في ميدان العمل.
وحين تقول الأطروحة إن “القلب لا يسع حبيبين”، نقول إن العقل القانوني يزداد اتقاداً بالجمع بين البحث والممارسة.. الأستاذ الذي يمارس المحاماة ينقل “نبض المحاكم” إلى قاعات المحاضرات، فيخرج لنا أجيالاً تفهم الواقع لا نصوصاً صماء.. المحاماة ليست “هواية” للأستاذ، بل هي “واجب مهني” لضمان عدم تحجر النص القانوني.. فهل يُحرم هذا المجال من عقلٍ استنبط الأحكام وحلل القوانين بدعوى “التفرغ”؟
إن الأستاذ الجامعي لا يزاحم أحداً بـ”سلطته الوظيفية”، بل بـ”حجته القانونية”.. وتكافؤ الفرص يعني أن يكون الميدان مفتوحاً لمن يملك الأهلية.. فإذا كان المحامي الممارس يطالب بكرسي قار في الجامعة، وهو حق مشروع بناءً على الكفاءة، فإن الأستاذ أيضاً يطالب بحقه في ممارسة مهنة هي في الأصل “بنت الجامعة”.. إن منطق “الإقصاء” هو الذي يضرب تكافؤ الفرص، وليس منطق “الاستحقاق”.
إن المحاماة هي “محراب العلم”، ولا يمكن أن نمنع سدنة العلم من دخوله.. الأستاذ الجامعي ليس “مستثمراً” يبحث عن أرباح إضافية، بل هو “قيمة مضافة” تمنح المهنة هيبتها العلمية وتصونها من الابتذال.. دعونا لا نحول النقاش القانوني الرفيع إلى صراع “فئات”، فالمحاماة ستبقى قوية بأساتذتها وشبابها معاً، والرزق بيد الله، يأتيه من يملك “الحجة” لا من يملك “الوظيفة”.
تعليقات الزوار
مقالكم د. صلاح الدين لحسيني يشخص الداء.. فالمادتين 13 و14 من قانون المحاماة تبرز حالة التنافي.. التي يسعى أساتذة القانون لكسرها وبالتالي إعادة الاعتبار لدورهم في التطبيق العملي للقانون. والجدير بالذكر أن أغلبية القوانين المقارنة لا تأخذ بالتنافي اعتبارا منها بان اصلاح العدالة لا يمكن ان يتم الا بتكوين جيد على مستوى الجامعات.
أحسنتم استاذي الكريم في إعادة توجيه النقاش حول علاقة الأستاذ الجامعي بمهنة المحاماة نحو عمقه الحقيقي، بعيدا عن منطق الاصطفاف الفئوي الذي بدأ يطغى على هذا الموضوع. فقد أبرزتم بوضوح أن المحاماة، وإن كانت مهنة منظمة بمقتضى قانون المحاماة المغربي، فإنها تظل في جوهرها فضاء علميا لا يستقيم إلا بحضور أهل الاختصاص والتأصيل. كما أن تأكيدكم على أن الأستاذ الجامعي ليس “مستثمرا” بل “قيمة مضافة” يعكس وعيا عميقا بوظيفة المعرفة داخل الممارسة القانونية، حيث لا تقاس قوة المحاماة بعدد المنتمين إليها، بل بقدرتهم على بناء الحجة القانونية الرصينة. ودعوتكم إلى تجاوز منطق الصراع بين الفئات، والرهان على التكامل بين الأساتذة والشباب، تمثل طرحا متزنا يعزز مكانة المهنة ويصون رسالتها، على اعتبار أن معيار التفوق داخلها يظل هو الحجة والكفاءة لا الوظيفة