وجهة نظر

جدلية التكامل الوظيفي بين المحاماة والبحث الأكاديمي

قراءة في مسارات الانغلاق التشريعي وتحديات الانفتاح المهني

تكتسي قضية الجمع بين مهنة المحاماة والتدريس الجامعي في الحقل القانوني المغربي أهمية استراتيجية تتجاوز مجرد الترتيب الإداري للوظائف، لتلامس جوهر صناعة النخب الفكرية والقانونية في البلاد؛ فالمتأمل في المسار الكرونولوجي لهذه القضية يدرك أن لحظة القطيعة التي أحدثها ظهير 10 سبتمبر 1993، وما تلاه من تكريس في القانون رقم 28.08، لم تكن مجرد إجراء لتنظيم “التنافي”، بل كانت توجهاً نحو الفصل القسري بين النظرية والممارسة، وهو فصل أثبتت التجربة التاريخية والمقارنة عدم نجاعته في تطوير الفكر القانوني.

إن جوهر النقاش اليوم ينبغي أن ينطلق من حقيقة موضوعية مفادها أن مطلب رفع التنافي لم يكن ترفاً أكاديمياً نادى به أساتذة القانون وحدهم، بل كان وعياً مهنيناً نابعاً من صلب مؤسسات المحاماة نفسها، كما تجسد في مقترح الفريق الحركي بمجلس النواب سنة 2013، الذي اعتبر بوضوح أن حرمان المحاماة من الرافد الجامعي يعد تراجعاً عن مكتسبات مهنية متعارف عليها دولياً، حيث يمثل “المحامي الجامعي” صلة الوصل الضرورية لتحويل النصوص الجامدة إلى فقه قضائي حي، مما يمنح المحاماة طفرة نوعية تجعلها قادرة على مواكبة أعقد القضايا القانونية المعاصرة.

وتتجلى المفارقة الصارخة في هذا الملف عند فحص الأدبيات المهنية التي أنتجتها هيئات المحامين نفسها، وتحديداً مسودة مشروع القانون لسنة 2014، التي حملت في طياتها تناقضاً بنيوياً يكشف عن ازدواجية المعايير في مقاربة مفهوم “التنافي”؛ فبينما نصت المادة التاسعة منها على إمكانية مزاولة المحامي لمهنة التدريس في الكليات والمعاهد كوجه من وجوه التكامل العلمي، نجد المادة الثامنة عشرة من المسودة ذاتها تضع جداراً عازلاً أمام أستاذ التعليم العالي الراغب في ولوج المحاماة، باشتراط استقالته النهائية من الجامعة. هذا التمييز لا يمكن تأطيره ضمن منطق “تضارب المصالح” أو “تنظيم المهنة” بمفهومه الموضوعي، لأن التنافي إذا كان علة في طبيعة المهنة، فإنه يسري على الطرفين معاً، أما أن يُسمح للمحامي بالعبور نحو مدرجات الجامعة ويُمنع الأستاذ من ولوج ردهات المحاكم إلا بترك محرابه العلمي، فهذا يكرس انغلاقاً فئوياً يختبئ خلف عباءة القانون، ويحول دون استثمار الكفاءات العلمية في تطوير الممارسة الدفاعية، مما يجعل “التنافي” هنا مفهوماً ذاتياً مرتبطاً بصفة الشخص وليس طبيعة النشاط المهني.

إن المسار التشريعي اللاحق، بدءاً من مسودات 2019 و2022 وصولاً إلى مشروع دجنبر 2026، يكشف عن ارتداد واضح نحو تكريس العزلة المهنية، حيث تم تقزيم الانفتاح على الجامعة ليصبح مجرد “تدريس عرضي” لا يغني ولا يسمن من جوع أكاديمي، وهو ما يفرغ التفاعل بين المؤسستين من محتواه العلمي العميق؛ فالتدريس العرضي يحرم المهني من الاندماج في مختبرات البحث وبنيات الدكتوراه، ويجعل العلاقة مع الجامعة علاقة سطحية وتكميلية.

هذا التوجه يسير عكس التيار الذي رسمته التوجيهات الملكية السامية، خاصة في خطاب العرش لسنة 2019، الذي انتقد بحدة انغلاق بعض المهن الحرة على نفسها بدعوى حماية المصالح الضيقة، فالرهان اليوم هو بناء محاماة “معرفية وتنافسية” قادرة على تأمين المقاولة الوطنية وجذب الاستثمار الأجنبي، وهي مهام تتطلب زاداً فقهياً ومعرفياً لا يتأتى إلا بالاحتكاك المستمر مع الجامعة، حيث لا تعد المنافسة العلمية تهديداً للمواقع، بل هي الضمانة الوحيدة للارتقاء بجودة الخدمات القانونية وتجويد الأحكام القضائية من خلال دفاع رصين يجمع بين حنكة الممارسة وعمق النظرية.

وختاما، فإن تجاوز حالة “الفوبيا الأكاديمية” داخل بعض الأوساط المهنية أصبح ضرورة تمليها تحديات العصر، لاسيما مع صعود الذكاء الاصطناعي وتدويل القوانين، مما يفرض إعادة الاعتبار لنموذج “الأستاذ المحامي” كقيمة مضافة للمنظومة القانونية المغربية.

إن التكامل بين الجامعة والمحكمة ليس مجرد ترف مهني، بل هو ضرورة بنيوية لإصلاح منظومة العدالة برمتها، فإغلاق الأبواب في وجه الكفاءات الجامعية لا يحمي المهنة بل يضعفها ويحرمها من التجديد التلقائي لدمائها العلمية، والحل الأمثل يكمن في وضع ضوابط قانونية صارمة تضمن الاستقلالية وتمنع تضارب المصالح، مع إتاحة الفرصة للعقول القانونية لتتحرك بحرية بين التنظير والتطبيق، بما يخدم مصلحة المتقاضي ويعزز من هيبة المهنة في المحافل الوطنية والدولية، بعيداً عن منطق “حراسة الحدود” الذي لم يعد له مكان في عالم الاقتصاد القائم على المعرفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *