وجهة نظر

مضيق هرمز ورقة المفاوضات الأليمة

مضيق هرمز ورقة المفاوضات الأليمة

مقدمة:

هل لدينا متسع من الوقت، وكذا متسع من الجدية لمقاربة منهاجية شمولية ترنو نحو الحديث عن الصراع الدائر اليوم بالخليج العربي وحلحلته بناء على سياق الدورة الزمنية للتاريخ والصراع الجيوسياسي؟ فنسمي الأمور بمسمياتها، ونسلك سبيلا يبعدنا عن نظرية المؤامرة في زمن المؤامرات بإمتياز، ويقربنا أكثر من الموضوعية والحياد في مقاربة تجمع بين البراغماتية السياسية وفن إدارة الازمات للخروج بأقل تكلفة إن لم نستطع تحقيق النصر.

في هذا المقال سنهدف إلى استكشاف حقيقة المنظومة الفكرية للخطاب السياسي العربي الذي أنتج لنا مشروعا سنيا فاشلا بموجب الواقع الذي لا يرتفع، واستنبت لنا بشبه الجزيرة العربية، على الأقل مند سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924 حتى يومنا هذا، إمارات ودويلات وظيفية تؤثث المشهد السياسي بالخليج، لشرعنة عمليات الهيمنة على مصادر الطاقة التي تقوم بها قوى الغرب الأمريكي الأوربي ومن خلفها الكيان الغاصب طبعا، وأمام هذا الوضع يبرز المكون الشيعي الإيراني ليس فقط لأجل تحريك الماء الراكد عبر ديناميته العسكرية بل أيضا لأجل إعادة ترسيم الحدود الجيوسياسية في تحدي كبير للهيمنة الصهيوأمركية على منطقة الخليج برمتها.

الأسئلة الجوهرية

السؤال الجوهري والمحرج حقيقة هو هل لدى المكون السني العربي القدرة الفاعلة على نقد ذاتي لإعادة تشكيل رؤية جديدة تأخذ بعين الاعتبار الفوضى الخلاقة التي نزلت بنزول جحافل أمريكا بشواطئ الخليج العربي وأنشأت أكبر قواعدها العسكرية في المنطقة العربية مدعية أنها ستحمي هذه الدويلات الخليجية لكنها نكست على عقبيها في أول امتحان؟ هل سيبقى العرب سطحيين وهزليين غارقين في اللامبالات التي فرضت عليهم من منطق نحلة الغالب؟ وتضيق صدورهم حتى داخل أجواء النقاش الهادئ فيتمكنوا من معرفة حقيقة ما هم فيه من ضبابية المشهد وغبش في الرؤية وانحراف في الفكر؟ لأنه يبدو أن كل الخطابات النقدية والتحليلية في الاعلام العربي بغض النظر عن بعدها الأيديولوجي والسياسي فهي تقصف أسماع العالم على مدار الساعة واصفة ما يقع خطوة خطوة، لكنها غافلة أو متغافلة عن حقيقة الصراع في حد ذاته؟ فترى المحللين السياسيين من كل المشارب يناقشون واقع ومآلات الاحداث من وجهات نظر متعددة دون استحضار جوانب جوهرية في الصراع وعلى رأسها مسألة الصراع الحضاري الهوياتي.

نلاحظ أن واقع دول الخليج اليوم لا يبشر بخير لأنها تبدو كمن نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، عاجزة عن بلورة رؤية سياسية خاصة تحلحل بها الواقع وتدير به الازمة بل وتشارك في مآلاتها من خلال الحضور القوي في المفاوضات التي استضافتها العاصمة الباكستانية اسلام أباد بوصفها جزء من الحل وطرف في النزاع فتتحدث عن نفسها بحكم منطق السيادة، إن بقي لها منها شيء.

لكن ما الذي أقنع دول الخليج بعدم المشاركة في مفاوضات باكستان بشكل مباشر؟ أليست لها حاجة عند إيران؟ أم أن أمريكا سوف تفاوض بدلا عنها؟ أليست طرفا في هذا النزاع والقواعد الأمريكية فوق أراضيها تجلب عليها وليلات الحرب التي دخلت عقر دارها طوعا وكرها؟ هل فقدت هذه الدول سيادتها وقدرتها على الفعل السياسي الاقليمي وباتت مسلوبة الإرادة أمام سطوة أمريكا على كل دول الخليج حتى إذا طلع النهار أيقنت أنها بكل بساطة كانت محتلة؟ إلى ماذا يعزى هذا الكسل العقلي والشلل الإدراكي الذي أصبحت تعانيه دول المنطقة وبالتالي فهي لا تجد في نفسها الجرأة أو القدرة على تدبير هذه الورطة الترامبية إلا من خلال رؤية أمريكية صرفة وإملاءات براغماتية لا يمكن أن يقال عنها إلا أنها بعيدة كل البعد عن مكوناتها الهوياتية؟.

اليوم، الكل يساهم لنزع فتيل الصراع في منطقة هرمز لكن دول الخليج تنتظر أن يُفعل بها، ولا تفعل سوى ترديد السردية القديمة المعادية لإيران والتي غمرت مند عقود المخيال الجمعي لكل الدول العربية لاسيما السنية منها. وحتى لا يتهمنا غيرنا بالسلبية والسوداوية، هل تبَقّى لهذه الدول ما يمكّنها من قيامة أخرى لتعود إلى سابق عهدها بعد توقف الحركة الملاحية بمضيق هرمز لأكثر من شهرين وتوقف 20% تقريبا من حاجيات العالم من المحروقات بسبب الحصارين الخانقين: حصار وإغلاق المضيق من طرف إيران لظروف الحرب وإغلاق أمريكا بدورها هذا المضيق لعجزها عن المضي في المواجهة العسكرية وتحقيق أهداف الحرب؟ هل دول الخليج التي تتربع اليوم على عرش أكبر منتجي المحروقات في العالم، بإنتاج يومي يبلغ حوالي16.1 مليون برميل في عام 2024، أي ما يوازي مدخول يصل إلى أكثر من 500مليار دولار سنويا، تتوارى لترقب عاجزة ومنكسرة عمليات التدمير لبنيتها التحتية بشكل منظم وعلى أعين العالم؟ كيف يمكنها تدبير هذه الأزمة عن بعد في غياب الجرأة السياسية على أخذ المبادرة والجلوس على مائدة المفاوضات مع إيران؟ كيف لها أن تُسهم في بناء ورسم الخريطة السياسية الجديدة بالمنطقة وهي تقبع في موقع المتفرج، دون أن تكون لها الكلمة وسط هذا الصراع التاريخي؟ هل هذه الدول تجد في نفسها الأهلية لفتح مفاوضات مباشرة مع الطرف الإيراني بعيدا عن الأجندات الأمريكية التي تبين أنها فارغة من أي مصلحة أو حماية لها؟ قد يقول قائل بأن هذا الأمر سوف يجعل إيران هي المنتصرة ويتوجها كقوة إقليمية عسكريا وبالتالي تتموقع بشكل جيد جيوسياسيا، وتعتلي كرسي الزعامة في المنطقة، ما سوف يضر بالمصلحة الإستراتيجية لدول الخليج وهذا كلام مقنع نظريا. لكن الحقيقة الواقعية أن إيران متموقعة فعلا بشكل جيد جيوساسيا مند بداية ثمانينات القرن الماضي في حرب الخليج الأولى ضد العراق وحتى يومنا هذا، بحكم امتلاكها القدرة الهائلة على التفاوض وتدبير أكثر من 40 سنة من الحصار ما مكنها من بناء صناعة حربية محلية وإعداد برنامج نووي جعلها تفاوض من خلاله أمريكا زمن أوباما والاتحاد الأروبي. وهذا ما جاء في إعلان الرئيس الأمريكي بواشنطن في 02/04/2015 الذي أكد أنه توصل إلى تفاهم تاريخي مع إيران بشأن برنامجها النووي. لكن عند مجيء ترامب سنة 2018 ستنسحب أمريكا من هذا الاتفاق.

والمتتبع لكرونولوجيا هذه الحرب يستشف قدرة إيران الهائلة على صناعة الحدث وفرضه في المعادلة التفاوضية. فقد كانت مرحلة بداية الحرب تحكمها براديغما سياسية براغماتي أساسها فقط إسقاط النظام الملالي من خلال استراتيجية التصفية المباشرة للصف الأول وعلى رأسهم المرشد الإيراني الأعلى، مما سوف ينتج شرخا بين القرار والواقع السياسيين ويسهل عمليات الاستلاء على مراكز السلطة بالبلاد لفائدة جيش من الخونة الذين دستهم أمريكا والإسرائيليين في إيران كلها. لكن سرعان ما تطور الوضع إلى إنتاج بارديغما جديدة متعددة الرؤوس أساسها الصمود العسكري ولامركزية القرار. ثم تلا كل هذا سيناريو أمريكي متخبط بين منع إيران من امتلاك سلاح نووي، واستخراج 400كلغ من اليورانيوم عالي التخصيب، والزحف العسكري من خلال إنزالات للبحرية الامريكية على جزر إيرانية، ثم ينتهي هذا التخبط بظهور باراديغما السلاح الجغرافي الجاهز والذي يعد بالكثير من براديغما جديدة على الساحة السياسية.

الاستقلال الفعلي

أمام كل هذا نلاحظ أن إيران استطاعت فعلا أن تستقل بقرارها السياسي بعد سقوط الشاه سنة 1979 وتغيير نظامها السياسي بالرغم من دخولها في صراعات متجددة لكن متحكم في إدارتها مع الأمريكيين. لكن دعونا نفهم الموقع الجيوسياسي لإيران والذي كان تاريخيا عاملا أساسيا في صناعة حضارة قوية كالحضارة الساسانية، والصفوية والخوارزمية والإسلامية بعد الفتح الإسلامي العظيم والتي تمتد لقرون خلت قبل الميلاد. فإيران اليوم التي يهددها الرئيس الأمريكي ترامب بالتدمير الكامل لحضارتها، تعتبر موقعا أثريا كبيرا لتوفرها على ما يقرب من 250.000 موقع أثري، ناهيك عن أن الحفريات تستمر في إبراز مفاجآت جديدة في كل مرة، وتقدم أدلة قوية على أن إيران بلد له تاريخ وحضارة قديمة، تعج بتقاليد وديانات متعددة عميقة الجذور، مع جغرافيا مدهشة وتراث فني وثقافي لا يقدر بثمن. فموقع إيران الوسطي المطل على مضيق هرمز من الجنوب وبحر قزوين من الشمال وامتداده على مساحة1.648مليون كلم مربع، بكثافة سكانية تبلغ أكثر من 90مليون نسمة هيأ هذه الدولة الإسلامية للعب دور استراتيجي أساسي كقوة إقليمية لها القدرة على المناورة، التحمل والمواجهة.
لكن وأمام هذه القدرة التي تجمع بين السياسي والجغرافي والديمغرافي ألا يمكن لدول الخليج التي لا يتجاوز تعداد سكانها 60مليون نسمة مجتمعة، أن تقبل إيران بمُرها وحلوها فهي الجار الذي لن يرحل أبدا، بل يمكن التطبيع معها كشريك اقتصادي مهم من خلال صفقات اقتصادية تذهب بالجفاء التاريخي الموروث للخروج من هذه المعادلة بمنطق رابح رابح؟ ولما لا وكل دول مجلس التعاون الخليجي تطبع بالليل والنهار مع الكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين وهو كيان يمتلك ترسانة نووية مرعبة قد تدمر دول الخليج دفعة واحدة وفي ثوان معدودة لكن لا أحد يتحدث عنها. هذا الكيان الذي ارتكب ولايزال جرائم حرب ضد الإنسانية، وإبادة جماعية في فلسطين السنية مند 07 أكتوبر 2023 وقادته مدانون قضائيا في محكمة الجنايات الدولية؟ كيف يمكن لهذا الواقع أن يلتبس ويخدع عقول الفاعل السياسي في الخليج فيرتبك عنده الإدراك وتنزل الغشاوة على الأبصار ويعطل الفهم المنهاجي السليم لمنطق الصراع؟ أكيد أننا لا نستسقي نظرتنا وفهمنا لمحيطنا العربي والإسلامي من المنبع الصافي، كما ان قراءتنا للثابت والمتحول في الصراع الحضاري الذي تعيشه المنطقة غير صحيحة بل منعدمة. لأنه بمجرد حصر الصراع بين إيران الشيعية التي يُعتقد أن لها مطامع توسعية بالمنطقة بحكم مذهبها الشيعي الذي كان مذهب إيران زمن الشاه، وبين الدول العربية الخليجية المتمترسة خلف راعي البقر الأمريكي تكون هذه الدول قد وقعت على نهاية أنظمتها السياسية بعدما رهنتها بالكامل لتقلبات الصراع. ذلك أن هذه الحرب التي يبدو أنها ستمتد لمزيد من الوقت لن تكون مطلقا لفائدة الخليجيين من عدة مستويات ولعدة اعتبارات منها بشكل مختصر اقتصادها المؤسس على الصناعة البتروكيماوية المرهونة بمضيق هرمز الذي أصبح اليوم بين يدي إيران، وبالتالي فهي مطالبة اليوم بالتدخل السريع والمباشر في مفاوضات جانبية خاصة إن استمر الوضع الميداني بالعنهجية الذي طبعت اليوم الأول من الحرب. لأن الخاسر الأكبر في كل ذلك الدول البترولية المغلوبة على أمرها.

جمود في الإدراك وشلل في الحركة

إن أسلوب الأمريكيين في تغييب العقول وتعطيل الإدراك عند الساسة الخليجيين من خلال استهلاكهم لسرديات الرعب المتعددة يقود لا محالة نحو تعطيل حركة هذه الدويلات في إنتاج سردية محلية تراعي واقعها الصعب ضمن المعادلات الجديدة لنظام عالمي جديد تقوده أمريكا وإيران عبر حرب استراتيجية سينتصر فيها من يصمد أكثر. وبالتالي فمستقبل الخليجيين في المنطقة كأولوية اليوم لن يتحقق إلا عبر الخروج من الجبة الامريكية.

ولهذا نلاحظ أن الخطاب السياسي العربي غرق في الرهبة التي تسللت إلى النفوس حتى بدت جلية في ارتباك سلوك الفاعل السياسي الرسمي، وبدت سيماتها في وجوه الساسة الخليجيين وفي تبنيهم لخيارات بعيدة كل البعد عن الرؤية الاستراتيجية الجامعة كما هو الحال في بيان المؤتمر الأخير لدول التعاون الخليجي بجدة والذي لم يأتي بجديد وبقينا في المربع الأول من الازمة.

لذلك فإدانة القمة الاعتداءات على دول الخليج من قصف لبنياتها التحتية وهذا طبعا من حقها، لم يرقى إلى جرأة سياسية قادرة على صياغة موقف سيادي اتجاه بقاء أو طرد القواعد العسكرية من المنطقة والتي ثبت لديها اليوم أنها غير قادرة على حمايتها من أي اعتداء. تقول غياتري سبيفاك في مقالها المنشور عام 1985 «هل يستطيع التابع أن يتكلم؟» أن الدول التابعة لن تستطيع امتلاك السيادة على بناء سرديتها الخاصة عن نفسها دفاعا عن نفسها واقتراحا لنفسها، بل السيادة تكون دائما لفائدة المتبوع المتمكن من كل شيء. وبالتالي فأمريكا هي من يدير المعركة وبالتالي لن تعطي الحق لهذه الدويلات كي تمثل نفسها وتفاوض من خلال سرديتها نظرا لتبعيتها الكاملة لها إلا فيما تسمح به طبعا؟ وحتى إذا رجعنا إلى هذه الدول الخليجية فإن ردها على ذلك هو أن إيران غير جدية بما يكفي وعليها أن تغير من سلوكها اتجاه الخليجيين من خلال ما من شأنه أن يعزز الثقة المفقودة بين الطرفين. لكن مع ذلك يتساءل البعض عن فحوى اتجاه إيران نحو طريق التفاوض فيعتبره سلوكا سياسيا مبشرا لأنه يمضي في اتجاه فتح قنوات جديدة للحوار.

نعتقد صراحة من خلال تتبّعنا للخطاب السياسي لإيران الموسوم بالضبط ليس فقط على مستوى الصياغة بل أيضا في لزومه الأهداف المسطرة مند البادية. فهي اليوم من يبحث عن محاور جيد قادر على فرض سيادته، ولعلها وجدت ضالتها في دولة عُمان للجلوس على مائدة الحوار ومناقشة كل مشاكل المنطقة في البيت الداخلي للخليج؟

ومهما يكن من نتائج الحرب فإن كل المؤشرات توحي بأن الخاسر الأكبر لن يكون سوى الدول العربية نفسها لعدة أسباب: أولا أن هذه الحرب تقام على أراضيها وبالتالي سيناريوهات الخراب قائمة، متعددة وقريبة إن لم نقل أكيدة، ثانيا أن أمريكا هي فقط زائرة للمنطقة تبحث لها عن نصر يقود هوس قادتها إلى سدة الحكم عن طريق الانتخابات المقبلة لا غير، وبالتالي فهي تعتقد بفكرة نهاية التاريخ لفوكوياما وأن أمريكا هي المنتصرة دائما، وهذا وهم تكشّف في هذه الحرب. ثالثا أن إيران قد تعاني من ضربات قوية ومدمرة لكنها لن تخضع بسهولة نظرا للدعم الصيني والروسي المفترض وهذا ما جعل المنطقة اليوم في مرحلة اللاحرب واللاسلم كما لو أننا أمام توازن رعب جديد بين الشرق والغرب. رابعا أن لهذه الحرب تكاليفها تقدر حسب تصريح للبنتاغون في أبريل 2026 أن تكلفة الحرب ضد إيران بلغت نحو 25 مليار دولار أمريكيا. وقد يتجاوز ذلك بكثير لذلك من سوف يسدد فاتورة هذه الحرب الامريكية إن لم تكن هذه الدول؟ مع العلم أنها ليست من بدأ الحرب زد على ذلك تراجع كبير في صادراتها النفطية. وبالتالي فأمريكا اليوم تروج لسرديتها أنها تأخذ على عاتقها الدود عن شركائها الخليجيين كوكيلة غير معلنة ليفهم الخليجيون أنهم يؤدون.

خاتمـــــة:

العالم يعيش اللحظة كما يقال، وهي لحظة فارقة في التاريخ الإنساني على هذه البسيطة، نسجل اليوم إطنابا في الحديث عن ويلات الحروب وما تخلفه من دمار على جميع المستويات، لكن تتزاحم في الأذهان كل الأسئلة الممكنة لعلها تؤنس وحشة الشعوب وسط الأصوات الكثيرة المتعالية من الشرق والغرب متوعدة بخراب العمران وذهاب الحضارات، بل وتغيير الخرائط على أرض الواقع. وأمام كل هذه القيامة لا يجرأ أحد حتى من علمائنا الأجلاء لبسط مقاربة تستحضر المنهاج النبوي في إدارة الازمات وتغول العدو في بلاد المسلمين، فلا حديث عن عقيدة الولاء والبراء في المنطق السياسي العربي والإسلامي. وبالتالي يتحول النموذج الغربي الأمريكي في المفاوضات إلى قاعدة ونموذج يجب اتباعه والرضوخ له مع علمنا أنه مبني على منظومة استسلام لا حوار. وهذا ما جعل إيران تفطن لهذا الأمر مبكرا فتقدم مقترحاتها لحل الأزمة من منظورها الاجتماعي الديني السياسي دون عجلة من أمرها.

لهذا لا نرى أن أمريكا قادرة على أن تحقق أهدافها المتنوعة والمتناقضة والمبهمة في كثير من الأحيان بعدما فاجأها الرد الإيراني الشديدة المراس فلجم شكيمتها فهي اليوم تتحرك من خلال ردود أفعال سياسية لا غير، لتعبر عن مستوى سياسي ضعيف حينما بدا لها ما لم يكن في الحسبان فتبعثرت كل أوراقها وأصبح الجميع أمام حقيقة جديدة لخطاب سياسي جديد في المنطقة ككل يؤمن بمنطق دورة الزمان الجديدة التي تدور في صالح الثابت وليس المتحول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *