دورة ماي..صراخ واتهامات داخل الجماعات،هل بدأت معركة انتخابات شتنبر مبكرا؟
صراخ من هنا، واتهامات مباشرة وأخرى مبطنة من هناك، وأجواء مشحونة تكاد تتحول في بعض اللحظات إلى تصفية حسابات سياسية أكثر منها جلسات لتدبير الشأن المحلي. تلك هي الصورة التي طبعت عددا من دورات ماي داخل المجالس الجماعية والقروية بمختلف مناطق المغرب.
مشهد يثير الكثير من علامات الاستفهام، خاصة حين نرى بعض الوجوه التي كانت إلى وقت قريب جزءا من الأغلبية المسيرة، تدافع عن القرارات وتبرر الاختلالات، تتحول فجأة إلى معارضة شرسة ترفع سقف الانتقاد وتكشف ملفات كانت بالأمس القريب تمر في صمت. فهل الأمر يتعلق فعلا بصحوة ضمير ورغبة حقيقية في الإصلاح؟ أم أن رياح الانتخابات المقبلة بدأت تهب مبكرا، فغيرت المواقع والاصطفافات؟
إذا كان الهدف فعلا هو الدفاع عن مصالح الساكنة ومحاربة الاختلالات، فلماذا غاب هذا الحماس خلال السنوات الماضية؟ ولماذا لم نسمع نفس الأصوات وهي تنتقد التعثرات حين كانت المقاعد مضمونة والتحالفات مستقرة؟ المواطن البسيط يتابع اليوم هذا التحول السريع في الخطاب السياسي، ويتساءل بمرارة: هل تغيرت القناعات فعلا، أم أن لغة الانتخابات بدأت تطغى على كل شيء؟
لا أحد ينكر أن المعارضة القوية مطلوبة، وأن كشف الاختلالات ومحاسبة المسؤولين أمر صحي داخل أي مؤسسة منتخبة. لكن الإشكال الحقيقي يبدأ حين يتحول النقاش إلى مجرد صراع انتخابي مبكر، وتصبح الجلسات فضاء لتبادل الاتهامات واستعراض العضلات السياسية بدل تقديم حلول واقعية لمشاكل الماء والطرق والإنارة والنقل والتشغيل وغيرها من القضايا التي تؤرق المواطن يوميا.
الملاحظ أيضا أن بعض المنتخبين لا يتحركون إلا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، فتشتعل فجأة صفحات التواصل الاجتماعي بالبلاغات والتصريحات النارية والفيديوهات المباشرة، وكأن سنوات كاملة من الصمت كانت مجرد مرحلة انتظار إلى حين انطلاق “تسخينات” شتنبر المقبل. وهنا يحق للمواطن أن يتساءل: أين كانت هذه الغيرة على المال العام طيلة الولاية؟ وأين كانت هذه الجرأة في مواجهة الاختلالات عندما كانت المصالح والتحالفات تفرض الصمت؟
الأخطر من ذلك أن المواطن أصبح يشعر أحيانا بأنه مجرد ورقة يتم استحضارها موسميا في الخطابات السياسية. فكل طرف يقدم نفسه باعتباره المنقذ الوحيد، بينما الواقع على الأرض لا يتغير بالسرعة التي ينتظرها الناس. طرق مهترئة، مشاريع متعثرة، بطالة متزايدة، ومرافق تحتاج إلى إعادة نظر حقيقية، في وقت يغرق فيه بعض المنتخبين في معارك كلامية لا تنتهي.
قد تكون بعض هذه المواجهات نابعة فعلا من رغبة صادقة في الإصلاح، وهذا أمر لا يمكن إنكاره أو التعميم بشأنه. لكن المؤكد أيضا أن جزءا كبيرا مما يقع اليوم يحمل بصمات الحسابات الانتخابية المبكرة، ومحاولات إعادة التموضع السياسي استعدادا لمعركة المقاعد المقبلة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل ستتحول هذه الضجة السياسية إلى قرارات ومشاريع تخدم المواطن فعلا؟ أم أنها مجرد جولة أخرى من جولات “شد ليا نقطع ليك” التي تنتهي بانتهاء موسم الانتخابات، ليعود كل شيء إلى صمته المعتاد؟
المواطن اليوم لا يريد خطابات حماسية بقدر ما يريد نتائج ملموسة. يريد مسؤولا يشتغل طوال الولاية، لا فقط في موسم الانتخابات. ويريد مجالس جماعية تكون فضاء لخدمة التنمية، لا حلبة لتبادل الاتهامات وتصفية الحسابات السياسية.
اترك تعليقاً