كراقص على حبل
ما الذي أفعله هنا؟.. تساءلت وأنا أضع يدي على (الكونتوار) في انتظار أن يعطيني ذلك الفتى سُمِّي. طبعا ما أقصده بهنا؛ هو هذه البقعة الكريهة من العالم.
ولكي أتحاشى النظر إلى تلك الأعين الشبحية الباكية، رميت بنظرتي صوب الرصيف الذي يبعد عني بضع أمتار.. فأنا انسان موهوب؛ هبتي أنني أستطيع أن أرى الأرواح الباكية. بصراحة، أراها لعنةً، لكن هذا لا يمنع كونَها قد وهبت لي من طرف أنوارٍ أو ظلالٍ تقبع خلف السماء الزرقاء، أو ربما كانت في مكان سحيق تحت سطح الأرض.. لا أعلم.. لا أعلم.
يحدث كما هذا الصباح، أن أخرج في جولة قصيرة.. أقتني سجائري وأمشي الهوينى لبرهة تحت أشعة الشمس مثل رجل متقاعد ابيضّ شعره وهو الآن يدحرج أيامه الأخيرة كالجُعَلِ.
غير بعيد عن (الصاكة)، هناك حيث كان ذات يوم ملعب كرة القدم على حافة حفرة سحيقة شاسعة كأنها بصمة نيزك هو الآخر وهبتنا إياه تلك الأنوار أو الظلال القابعة خلف الزرقة أو في الأعماق. هناك عنَّ للمسؤولين عن تسيير مصائر هذه البقعة الكريهة من الأرض أن يُنشئوا حديقة.. أهي فعلا حديقة؟ لا أدري، لكن هكذا درج الجميع على تسميتها، فإذا ما سألت أحدهم “من أين تأتي ؟” أو “إلى أين تذهب؟”، ينظر إليك قائلا: “من (الجردة)” .
هذه (الجردة) الجرداء -إلا من بضع شجيرات استطاعت بقدرة قادر أن تعايش الحر والعطش مضحيّةً بالأمتار التي كانت سترتفع بها عن الأرض لكي تنظم طاقتها وتستغلها من أجل البقاء- محاطة برصيف يفصلها عن باقي الأرض، ولا أعرف لماذا يستهوي بعض البشر غريبي الأطوار أن يدلقوا هنا وهناك على جنبات الرصيف حاويات نفاياتهم. ربما مساهمة منهم في خلق تنوع ما، أو شيء من التوازن بين الفضاء الأخضر والفضاء المتعدد الألوان بفعل أكياس البلاستيك وعلب الحليب الفارغة والحفاظات النتنة. وتوازن أيضا بين الأوكسيجين الذي تتعب وريقات الشجيرات في نثره في الفضاء وتلك الغازات التي لا أعرف لها اسما، مع أنني أعرف جيدا نفاذ نتانتها.
مدني الفتى خلف (الكونتوار) بعلبة سمِّي التي أتيت من أجلها، فخطوت الهوينى كمتقاعد يرمي أمامه أيامه بقذفات متواترة ليتبعها. وما إن وصلت الرصيف حتى نفخت عليه بقوة إعدادا له لاستقبال مؤخرتي.
بعد برهة من جلوسي في ظل إحدى الشجيرات، تناسلت أمامي أعقاب السجائر لحظة بعد أخرى كبكتيريا تتكاثر، وكنت أوازن جسدي كراقص على حبل، فأنا في الحدود بين (الجردة) والجرداء الملونة بالنفايات.
منخري غير مبال سوى بدخان سجائري الرخيصة، أما عيناي فقد كانتا تتابعان الأجساد، الكثير منها يمضي بسرعة من هنا ويرجع بسرعة إلى هناك، وبين الهنا والهناك كنت أمارس دون إرادة مني ما وهبتني إياه أو لعنتني به تلك الأنوار أو الظلال التي تختبئ خلف السماء أو تحت الأرض؛ كنت أراقب الأرواح في رواحها وغدوها بتواز مع الأجساد في رواحها وغدوها.
أرواح الأطفال الصغار دخانيّة بيضاء، تشبه سحابة سقطت لتوها من السماء إلى الأرض، لها أعين كبيرة ودمعها كالوحل يلطّخ بياضها لحظة بعد أخرى. أرواح الشباب بلون جدران الطين، عيونها متورّمة تنز منها دموع أكثر غزارة وأشدّ سوادا، وهي تحاول بأيد هلامية أن تخنق الأجساد التي تعايشها.. تمسك الروح عنق الجسد وتضغط.. تضغط بقوة، لكن الأجساد مثل شجيرات هذه (الجردة) تأبى أن تموت، رغم العطش، النتانة، الحر، البؤس، القهر وقهقهات المسؤولين عن مصائر هذه البقعة الكريهة من الأرض، رغم كل هذا تستمر الأجساد في المضيّ من هنا والرجوع إلى هناك، وأستمر أنا في مراقبة ما يوازيها من أرواح: أرواح العجائز، والمتعبين الذين أرهقتهم الحياة، على خلاف الأرواح الأخرى، لا تتخذ هيئة أجساد أصحابها ولا أبعادها؛ إنها سوداء كالقطران ومنكمشة على نفسها، لا تشكل غير هيئات وجوه مكفهّرة، لا دمع يخرج من أحداقها، لكنها تبكي بطريقتها الخاصة بكاء صامتا، ولا أيادي لها لكي تحاول خنق الأجساد.
بعد مرور وقت لا أعرف مقداره، سمعت نفخا بجانبي.. استوفزت وكدت أقفز من مكاني، غير أني هدّأت من روعي في آخر لحظة والتفت لأجد شابا متعب الملامح مثلي، يخيل إليه هو الآخر أنه عجوز متقاعد، يتهيأ ليضع مؤخرته على الرصيف، ومثلي أيضا يولي دبره إلى (الجردة) ويلقي بنظراته صوب الأزبال، ولربما كان يوازن مثلي جلسته على هذا الحبل الإسمنتيّ الضخم والبارد، ويوازن بين الأوكسجين والروائح الكريهة.
ألقى التحية بعد أن استوى جالسا، ومع أنني لم أجبه بشيء سوى نظرة طويلة باردة إلى الوجه القطرانيّ الذي يحلّق بجانبه، فقد استمر في الكلام؛ تحدث عن الوباء، الأوضاع الصعبة والتكرّر الممل للأيام، عن أمه التي ماتت وعن بائع (ماحيا) الذي تأخر، ثم بصق بقوة ومسح الرذاذ الذي ارتد إلى وجهه بكفّ غضّنت ملامحه.
كنت أدخن كأنه لم يكن بجانبي، وألقي بين الفينة والأخرى نظرة إلى جسده المغطى بالأسمال؛ سروال رماديّ فيه ثقوب خمّنت أنها بفعل السجائر، وقميص رياضي متسخ.
ولأنني أعرف أني كثير النسيان، قلت: لنفسي ربما أعرفه. فطريقته العفوية في الاسترسال في الكلام توحي بأنه يعرفني… من يدري، ذاكرتي كانت متوقفة عن العمل كساعة خرّبها توالي الثواني إلي أن كفّت عجلاتها عن الحركة. طوّحت بعقب سيجارة كان بين أصابعي، وتذكرت فجأة أني لم أتمكن يوما من رؤية روحي. ألتفتّ إلى كل الجهات كمن أضاع شيئا ثمينا؛ فوق، تحت، على يميني، على شمالي، خلفي وأمامي.. لا شيء، لا روح لي استنتجت، وشعرت مع استنتاجي هذا بهدوء عميق، فأغمضت عينيّ، أغمضتهما بقوة كأني لا أريد لهما أن تنفتحا ثانية.. عندها هبّت بضع نسائم، حرّكت أوراق الشجيرة التي كانت تظللني. كان صوتها عذبا كمويجة صغيرة تركض بآلاف الأقدام الرطبة على شاطئ بعيد. تساءلت مرة أخرى: ما الذي أفعله هنا؟ وتمنيت لو أنني عضاءة تائهة في أرخبيل غالاباغوس.
تعليقات الزوار
❤