منتدى العمق

الالتقائية الترابية في خدمة مؤسسات الشباب: رؤية استراتيجية حول إدماج الكفاءات السوسيولوجية وتثمين الخبرة الميدانية

تعد الالتقائية الترابية” (Territorial Convergence) الذي نهجته وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الشباب مدخلا استراتيجيا لتجاوز تشتت الجهود العمومية. وفي سياق إصلاح مؤسسات قطاع الشباب بالمغرب، يبرز سؤال الكفاءة كعامل حاسم؛ فالمؤسسة السوسيوتربوية (دار الشباب، مركب سوسيو رياضي ،مركز حماية الطفولة …) لم تعد مجرد فضاءات للتنشيط العادي، بل تحولت إلى مختبرات للهندسة الاجتماعية التي تطلب profil “بروفايلاتمتخصصة.

ومن هذا المنطلق، يتبادر إلى الذهن سؤال جوهري يستفز راهنية النقاش : إلى أي حد يمكن لسياسات الالتقائية الترابية بقطاع الشباب أن تحقق أهدافها الإدماجية في ظل استمرار الفجوة بين التخطيط المركزي العموديوالواقع الاجتماعي الميداني؟ وكيف يمثل الاستثمار في الرأسمال البشري المتخصص (خريجي علم الاجتماع) وتثمين الخبرة الميدانية (الأطر حاملي الشواهد) الرافعة المنهجية لإعادة بناء جسور الثقة بين المؤسسة والشباب؟

أولا : تأصيل نظري : الالتقائية كبناء سوسيولوجي مندمج

إن مفهوم الالتقائية الترابية ليس مجرد إجراء إداري، بل يمكن قراءته من خلال نظرية الفعل العمومي المندمج، حيث تفسر السوسيولوجيا المعاصرة هذا التوجه بكونه محاولة لخلق نظام بيئيمتكامل يكسر العزلة القطاعية.

تشير نظرية الحكامة الشبكية” (Network Governance) على أن حل مشكلات الشباب المعقدة لا يمكن أن يتم عبر وزارة واحدة، بل عبر شبكة من الفاعلين الترابيين الذين يتبادلون الموارد والخبرات. هنا يصبح السوسيولوجيهو مهندس الشبكةالذي يربط بين احتياجات الشباب المحلية وبين الموارد المتاحة لدى القطاعات الأخرى.

ويمكن تفسير نظرية الرأسمال الاجتماعي” (Social Capital) لبيير بورديو على أن دور أعوان القطاع ذوي الخبرة؛ فهم لا يمتلكون فقط رأس مال معرفي” (شواهد عليا)، بل يمتلكون رأس مال علاقاتيميداني يسهل عملية الالتقائية مع الفاعلين المحليين والجمعويين. إدماجهم هو في العمق استثمار في هذا الرأسمال لتقوية ثقة الشباب في المؤسسة.

أما نظرية الفعل الجماعي” (Collective Action) الالتقائية كعملية تهدف إلى تقليص تكلفة التنسيق“. فعندما ينفتح قطاع الشباب على متخصصي علم الاجتماع، فإنه يوفر لغة مشتركةللفهم والتشخيص، مما يسهل على باقي الشركاء الترابيين الانخراط في مشاريع مندمجة بعيدة عن التشتت.

ويمكن القول أنه لا يمكن الحديث عن جيل جديد من أطر قطاع الشباب دون استحضار البعد العلمي في التنشيط السوسيوثقافي، و إدماج خريجي علم الاجتماع يمثل انتقالة نوعية من التدبير الإداري الكلاسيكي للمؤسسة إلى الهندسة الاجتماعية“. فالخبير السوسيولوجي لا يكتفي بمراقبة المرفق، بل يمتلك الكفايات المنهجية لتفكيك الظواهر الناشئة في الوسط الشبابي، مثل تأثير العوالم الرقمية على السلوك، وتحولات منظومة القيم. ومن خلال أدوات التشخيص العلمي، يصبح بإمكان المؤسسة بناء برامج على المقاس تستجيب للانتظارات الحقيقية لكل منطقة ترابية على حدة، مما يجعل مؤسسة الشباب فضاء جاذبا ومؤثرا في محيطها الاجتماعي.

ثانيا :تثمين الخبرة الميدانية: من الوظيفةإلى الرسالة التربوية

يمثل أطر وأعوان قطاع الشباب حاملو الشواهد العليا الرأسمال اللاماديالحقيقي للوزارة (غير مرسمين)؛ فهم يجمعون بين المعرفة الأكاديمية العالية والخبرة الميدانية الصرفة التي صُقلت عبر سنوات من الاحتكاك اليومي مع الطفولة والشباب.

إن إدماج هذه الفئة وتغيير إطارها الإداري ليس مجرد مطلب فئوي، بل هو استثمار استراتيجي في الذاكرة المؤسساتية“. فهؤلاء الموظفون هم الأقدر على قيادة التغيير لأنهم يدركون بدقة التحديات التدبيرية والإكراهات الميدانية، وتسوية وضعيتهم ستحرر طاقات إبداعية هائلة وتخلق نوعاً من الإنصاف الوظيفي الذي ينعكس مباشرة على مردودية المرفق العام وجودة الخدمات المقدمة للمرتفقين.

ثالثا : الالتقائية الترابية: تكامل الأدوار لخدمة التنمية المحلية

تعتبر الالتقائية الترابية الضامن الأساسي لعدم تشتت الجهود بين مختلف المتدخلين (قطاع الشباب، الجماعات الترابية، المجتمع المدني). وهنا تبرز الحاجة الماسة لبروفايلاتتجمع بين العلم والميدانلتلعب دور الوساطة المؤسساتية.

يشكل وجود متخصصين في علم الاجتماع إلى جانب أطر متمرسة ميدانياً يسمح بصياغة مخططات ترابية مندمجةتخرج بمؤسسات قطاع الشباب من عزلتها لتصبح قاطرة للتنمية المحلية. هذا التناغم بين الرؤية العلمية والخبرة الميدانية هو الكفيل بتحويل التوصيات النظرية للمناظرات إلى واقع ملموس يحس به الشاب في قريته وحيّه، عبر تحويل المؤسسة إلى منصة للتمكين الاقتصادي والاجتماعي.

رابعا : نحو نموذج متكامل للالتقائية (توصيات للمناظرة)

لتحقيق إلتقائية ترابية حقيقية تخدم مؤسسات الشباب، نقترح التوصيات التالية:

  • مراجعة التوصيف الوظيفي (Job Description): إحداث وحدات لليقظة داخل دور الشباب والمراكز الجهوية، يشرف عليها متخصصون في علم الاجتماع.

  • تفعيل الممرات المهنية“: تنظيم مباريات مهنية خاصة لفائدة الأطر والأعوان والمتطوعين بمؤسسات قطاع الشباب حاملي الشواهد لضمان الاستثمار الأمثل في خبراتهم الميدانية المتراكمة لضمان الاستقرار المهني والتطور الوظيفي.

  • المزاوجة في التكوين المستمر: خلق برامج تكوين مشتركة بين السوسيولوجيين الأكاديميين والممارسين الميدانيين لإنتاج دليل مساطر سوسيوتربويموحد يراعي الخصوصيات المحلية لكل إقليم.

ختاماً، إن الالتقائية الترابية ليست مجرد إجراء تنظيمي، بل هي سيرورة تبدأ من الفهم العميق للنسيج الاجتماعي المحلي؛ ومن هذا المنظور، تبرز مؤسسات قطاع الشباب باعتبارها المختبر الحقيقيلصناعة المواطنة. إن تدعيم هذه المؤسسات بأطر متخصصة في علم الاجتماع، مع تثمين الكفاءات الميدانية للأعوان والأطر ذوي الخبرة، يعد الضمانة الأكيدة لتحقيق التقائية ناجعة تضع الشباب في قلب التنمية الشاملة. فبدون فاعل تربوي يزاوج بين التمكن العلمي والحنك الميداني، سيظل مفهوم الالتقائية حبيس الشعارات الإدارية. إن قوة قطاع الشباب اليوم تكمن في قدرته على صهر هذه الطاقات وتثمينها لخدمة ورش التنمية البشرية ببلادنا، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده.

* إدريس ايت الكبير، باحث في علم الاجتماع متخصص في الطفولة والشباب، إطار سابق مكلف بتسيير دار الشباب ايت سدرات السهل الغربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • Assia_✨️🕊
    منذ 4 أشهر

    نعم، وهذا شيء أساسي قبل كل ما ندرسه؛ فنحن لا نريد إنسانًا ناجحًا واحدًا من بين 30 تلميذًا، بل نريد أن يجد كل واحدٍ منا حلوله وطريقه، لأن العلم يتقدم حين ينجح الجميع لا فردٌ واحد فقط. فالإنسان في سنٍّ صغير لا يتعلم الدروس فقط، بل يتدرّب أيضًا على طريقة التفكير، والثقة بالنفس، والتعامل مع الحياة مستقبلًا. وكل تشجيع أو دعم في هذه المرحلة قد يصنع فرقًا كبيرًا في شخصية الإنسان عند الكبر. تشجيعاتي لهذا التوجّه دائمًا.