المدرسة العمومية والتعليم الخصوصي في المغرب.. لماذا تغير كل شيء؟
في وقت غير بعيد، كانت المدرسة العمومية في المغرب عنوانا للنجاح الاجتماعي، ومشتلا للنخب والكفاءات، ومجالا يلتقي فيه أبناء الفقراء والأغنياء على حد سواء. وكانت الأسر المغربية تنظر إلى المدرسة العمومية باعتبارها الطريق الطبيعي نحو الترقي الاجتماعي، بينما كان التعليم الخصوصي ينظر إليه كخيار استثنائي لا يلجأ إليه إلا من يملك المال أو من يعاني أبناؤه من ضعف دراسي يحتاج إلى متابعة خاصة. لكن هذه الصورة انقلبت بشكل لافت خلال العقود الأخيرة؛ فأصبح التعليم الخصوصي حلما تسعى إليه حتى الأسر محدودة الدخل، وأصبحت المدرسة العمومية في نظر الكثيرين خيارا اضطراريا لا اختيارا حرا. فما الذي تغير بين الأمس واليوم؟ وكيف تحول ميزان الثقة من المدرسة العمومية إلى التعليم الخصوصي؟
هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتيجة تراكمات طويلة من الاختلالات البنيوية، والسياسات التعليمية المتعثرة، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفها المغرب. فالمدرسة ليست مجرد بناية أو مقررات دراسية، بل هي مرآة للمجتمع كله؛ فإذا أصاب المجتمع اختلال في القيم أو في توزيع الثروة أو في الثقة بالمؤسسات، انعكس ذلك مباشرة على التعليم.
المدرسة العمومية المغربية، خاصة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كانت تؤدي أدوارا تربوية ووطنية واجتماعية كبرى. تخرج منها أجيال من الأطباء والمهندسين والأساتذة والإداريين الذين تلقوا تعليمهم في مدارس عمومية بسيطة الإمكانيات لكنها قوية في رسالتها وهيبتها. وكان الأستاذ يحظى بالاحترام، وكانت الأسرة تثق في المدرسة، وكان التلميذ يشعر بأن الاجتهاد الدراسي يمكن أن يغير مصيره الاجتماعي. أما اليوم، فقد تراجعت هذه الصورة بشكل مؤلم، حتى أصبح كثير من المغاربة يربطون المدرسة العمومية بالاكتظاظ وضعف المستوى وكثرة الإضرابات وتراجع الانضباط.
ومن أبرز أسباب هذا التحول تراجع جودة التعليم العمومي نفسه. فقد عرفت المنظومة التعليمية المغربية سلسلة طويلة من الإصلاحات المتعاقبة، لكن معظمها لم يحقق النتائج المرجوة. فمنذ الميثاق الوطني للتربية والتكوين، مرورا بالمخطط الاستعجالي، وصولا إلى الرؤية الاستراتيجية وقانون الإطار، ظل الحديث عن الإصلاح يتكرر دون أن يلمس المواطن تحسنا حقيقيا في المدرسة العمومية. بل إن بعض التقارير الرسمية أصبحت تدق ناقوس الخطر بشأن تراجع المكتسبات التعليمية وضعف التعلمات الأساسية لدى التلاميذ.
وأصبحت الأسرة المغربية تشعر بأن المدرسة العمومية لم تعد قادرة على ضمان الحد الأدنى من الجودة التعليمية. فالاكتظاظ داخل الأقسام بلغ مستويات مرتفعة في عدد من المؤسسات، حيث قد يتجاوز عدد التلاميذ أربعين أو خمسين تلميذا في القسم الواحد، وهو ما يجعل عملية التتبع الفردي شبه مستحيلة. كما أن الخصاص في الأطر التربوية، وتكرار الإضرابات، وتفاوت المستوى بين المدارس، كلها عوامل ساهمت في اهتزاز صورة التعليم العمومي.
ويشير عدد من التقارير إلى أن “هجرة الثقة” من المدرسة العمومية نحو التعليم الخصوصي أصبحت ظاهرة اجتماعية متنامية، خصوصا لدى الطبقة المتوسطة التي صارت تعتبر المدرسة الخاصة استثمارا ضروريا لمستقبل أبنائها.
وفي المقابل، استطاع التعليم الخصوصي أن يقدم نفسه باعتباره بديلا أكثر استقرارا وتنظيما. فالمدارس الخاصة غالبا ما توفر أقساما أقل اكتظاظا، ومواكبة مستمرة للتلاميذ، واهتماما أكبر باللغات الأجنبية، إضافة إلى أنشطة موازية وتواصل دائم مع الأسر. كما أن بعضها استثمر في التسويق لصورة “المدرسة العصرية” المرتبطة بالتكنولوجيا والانفتاح والنجاح. وهكذا أصبح التعليم الخصوصي لا يبيع المعرفة فقط، بل يبيع أيضا صورة اجتماعية ومكانة رمزية.
وصار الآباء يعتقدون أن المدرسة الخاصة تمنح أبناءهم فرصا أفضل في المستقبل، سواء في سوق الشغل أو في متابعة الدراسة العليا. وهذا الاعتقاد، سواء كان صحيحا بالكامل أو جزئيا، لعب دورا كبيرا في اتساع الإقبال على التعليم الخصوصي. فالأسر لا تبحث فقط عن النجاح الدراسي، بل تبحث أيضا عن الاطمئنان النفسي والشعور بأن أبناءها يتلقون تعليما “محترما”.
لكن المفارقة المؤلمة أن كثيرا من الأسر التي تلجأ إلى التعليم الخصوصي ليست ميسورة الحال. فهناك أسر تضحي بجزء كبير من دخلها الشهري من أجل أداء واجبات الدراسة، وقد تضطر إلى الاستدانة أو التخلي عن حاجات أساسية فقط لضمان تسجيل أبنائها في مدرسة خاصة. وهذا يعكس حجم فقدان الثقة في المدرسة العمومية أكثر مما يعكس قوة التعليم الخصوصي نفسه.
أصبح التعليم بالنسبة إلى عدد كبير من الأسر مصدر قلق يومي وضغط اقتصادي ونفسي. فالآباء اليوم لا يسألون فقط: “هل سيدرس ابني؟”، بل يسألون أيضا: “في أي مدرسة سيدرس؟ وما لغة التدريس؟ وهل سيحصل على فرصة أفضل من غيره؟”. وهكذا تحولت المدرسة إلى مجال للتنافس الاجتماعي وإعادة إنتاج الفوارق الطبقية.
وأخطر ما في هذا التحول هو أنه يهدد مبدأ تكافؤ الفرص. فالمدرسة العمومية كانت تاريخيا فضاء للاندماج الاجتماعي، حيث يلتقي أبناء مختلف الطبقات في مؤسسة واحدة. أما اليوم، فقد بدأت المدرسة المغربية تنقسم إلى مدارس للفقراء وأخرى للأغنياء، وهو ما يكرس التفاوتات الاجتماعية بدل الحد منها. وسبق للمجلس الأعلى للتربية والتكوين أن حذر من أن توسع التعليم الخصوصي دون ضبط فعال سيساهم في خلق فجوات بين النظامين العمومي والخاص، ويؤثر سلبا على العدالة التعليمية.
ولا يمكن الحديث عن أزمة المدرسة العمومية دون التطرق إلى وضعية الأستاذ. فالمعلم أو الأستاذ الذي كان في الماضي يتمتع بمكانة اجتماعية مرموقة، وكان يمثل سلطة معرفية وأخلاقية داخل المجتمع، تراجعت اليوم صورته بسبب عوامل متعددة، منها ضعف التحفيز المادي، وضغط العمل، وتراجع الهيبة الاجتماعية، والتوترات المتكررة داخل القطاع. ومن الطبيعي أن تؤثر وضعية الأستاذ النفسية والاجتماعية على جودة العملية التعليمية.
كما أن التحولات الثقافية التي عرفها المجتمع المغربي لعبت دورا مهما في تغيير نظرة الأسر إلى المدرسة. فالمجتمع أصبح أكثر استهلاكا، وأكثر ارتباطا بمنطق السوق والمنافسة. فصار التعليم ينظر إليه كخدمة تشترى وليس كحق عمومي مضمون من الدولة. وهكذا تحولت بعض المدارس الخاصة إلى مشاريع استثمارية ضخمة تستفيد من خوف الأسر على مستقبل أبنائها.
ومن المثير للاهتمام أن التعليم الخصوصي نفسه ليس دائما بالجودة التي يتصورها الناس. فهناك تفاوت كبير بين المؤسسات الخاصة؛ بعضها يقدم تعليما جيدا فعلا، بينما يكتفي بعضها الآخر بالاستفادة من ضعف المدرسة العمومية دون أن يقدم قيمة تربوية حقيقية. لكن الأسرة المغربية، في كثير من الأحيان، تختار “أقل الضررين”، فتفضل مدرسة خاصة متوسطة الجودة على مدرسة عمومية فقدت ثقتها فيها.
ومن العوامل التي عمقت الأزمة أيضا مسألة اللغات. فالمغرب عرف نقاشا حادا حول لغة التدريس، بين العربية والفرنسية والإنجليزية، مما خلق نوعا من الارتباك داخل المنظومة التعليمية. واستغلت بعض المدارس الخاصة هذا الوضع لتقديم نفسها باعتبارها أكثر انفتاحا على اللغات الأجنبية، وهو ما جذب الأسر التي تربط النجاح المهني بإتقان الفرنسية أو الإنجليزية.
كما لا يمكن إغفال أثر الإضرابات المتكررة والاضطرابات الدراسية في السنوات الأخيرة، والتي دفعت عددا متزايدا من الأسر إلى نقل أبنائها نحو التعليم الخصوصي. فالاستمرارية الدراسية أصبحت عاملا حاسما في اختيارات الأسر، خاصة بالنسبة للأقسام الإشهادية.
وتشير بعض التقارير الصحفية إلى أن آلاف التلاميذ يغادرون المدرسة العمومية نحو التعليم الخصوصي سنويا، في ظل استمرار تراجع الثقة.
غير أن الصورة ليست سوداء بالكامل. فهناك اليوم وعي متزايد بخطورة استمرار هذا الوضع، وهناك محاولات لإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية من خلال مشاريع إصلاحية جديدة، مثل مشروع “المدارس الرائدة” الذي تسعى الدولة من خلاله إلى تحسين التعلمات وظروف التمدرس والحكامة التربوية. وقد خضع هذا المشروع لتقييمات رسمية تروم قياس مدى فعاليته وإمكانات تعميمه.
لكن نجاح أي إصلاح يظل رهينا بإرادة سياسية حقيقية تجعل المدرسة العمومية أولوية وطنية فعلية، لا مجرد شعار موسمي. فالمدرسة العمومية ليست قطاعا عاديا، بل هي أساس بناء الدولة الحديثة. وكل الدول التي نجحت في تحقيق التنمية الحقيقية جعلت من التعليم العمومي الجيد رافعة أساسية للتقدم.
وإصلاح المدرسة العمومية لا يتحقق فقط ببناء الأقسام أو تغيير المقررات، بل يحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين المدرسة والأسرة والمجتمع. ويحتاج أيضا إلى تحسين وضعية المدرس، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحديث طرق التدريس، وتوفير بيئة مدرسية جاذبة ومحفزة.
كما أن الدولة مطالبة بضبط قطاع التعليم الخصوصي حتى لا يتحول إلى تجارة في مصير الأسر. فالتعليم ليس سلعة عادية، بل حق أساسي يجب أن يخضع لمعايير الجودة والعدالة والشفافية.
ومن المهم أيضا أن تتغير نظرة المجتمع للنجاح الدراسي. فالقيمة الحقيقية للمدرسة لا تقاس فقط باللغات الأجنبية أو المظاهر الحديثة، بل بقدرتها على تكوين شخصية متوازنة، وتنمية التفكير النقدي، وغرس القيم الإنسانية والوطنية.
والسؤال الحقيقي اليوم لا يتعلق بأسباب هروب الناس من المدرسة العمومية فقط، بل بالأسباب والوسائل المحفزة لجعلهم يعودون إليها بثقة واطمئنان. فحين تستعيد المدرسة العمومية قوتها، يستعيد المجتمع توازنه، وتستعيد الدولة جزءا من عدالتها الاجتماعية.
وقد أثبتت التجارب العالمية أن التعليم العمومي القوي هو الضامن الحقيقي للمساواة والاستقرار والتنمية. أما حين يصبح التعليم الجيد حكرا على من يملك المال، فإن المجتمع سيدخل تدريجيا في دائرة خطيرة من التفاوت والاحتقان وفقدان الأمل.
ويمكن القول إن التحول من المدرسة العمومية إلى التعليم الخصوصي ليس مجرد انتقال تربوي، بل هو تحول اجتماعي وثقافي عميق يعكس أزمة ثقة في مؤسسات الدولة وفي القدرة على تحقيق تكافؤ الفرص. لذلك فإن إنقاذ المدرسة العمومية ليس مسؤولية وزارة التعليم وحدها، بل مسؤولية مجتمع كامل يؤمن بأن مستقبل الأوطان يبدأ من القسم الدراسي.
المدرسة العمومية المغربية تحتاج اليوم لمشروع وطني حقيقي يعيد إليها روحها وهيبتها ورسالتها. وتحتاج لإصلاح لا يقوم على الشعارات، بل على الجرأة والوضوح والإنصاف. لأن التعليم، في النهاية، ليس فقط إعدادا لسوق الشغل، بل هو إعداد للمواطن، وبناء للإنسان، وصناعة للمستقبل.
اترك تعليقاً