المغرب العميق

بينما يموت النخل واقفا .. الحرائق تعود إلى واحات زاكورة وسط تساؤلات حول مصير ميزانيات تأهيلها

عادت ألسنة النيران لتلتهم مجدداً مساحات واسعة من واحات درعة بإقليم زاكورة، حيث سجلت منطقة “أسرير” بواحة ترناتة ودوار “باردة” ببلدية زاكورة، حريقين مهولين أتيا في حصيلة أولية على أزيد من 600 نخلة.

ولم تفتح هذه الكوارث المتكررة جرح ضياع الموروث البيئي فحسب، بل أعادت إلى الواجهة تساؤلات الهيئات المدنية والمهنية حول جدوى برامج حماية هذه النظم ومصير الميزانيات المرصودة لها.

المناخ بريء من التهمة

وفي هذا الصدد، اعتبر جمال أقشباب، رئيس جمعية أصدقاء البيئة بزاكورة، أن تعليق هذه الكوارث على مشجب الحرارة هو طرح مجانب للصواب، مؤكدا أن الواحات شهدت حرائق مماثلة في عز الشتاء وفي ظل طقس معتدل، مما يثبت أن السبب الحقيقي يكمن في الواقع المتردي للواحات نتيجة الإهمال.

أطلال ومقابر

ورسم الفاعل الجمعوي صورة قاتمة لما آلت إليه الأوضاع، مضيفا أن واحات درعة تحولت إلى ما يشبه المقابر بسبب انتشار الأشجار الميتة، حيث تراجع رصيد المنطقة من 5 ملايين نخلة في الثلاثينيات إلى أقل من مليون نخلة حاليا، واصفا المشهد بـ“الأطلال التي تعكس غياب استراتيجية حقيقية للتأهيل”.

أين اختفت الميزانيات؟

وبلهجة لا تخلو من نقد لاذع، وضع أقشباب “المشاريع الورقية” تحت المجهر، متسائلا عن مصير الميزانيات الضخمة البالغة أزيد من 54 مليار سنتيم والتي رُصدت لتهيئة الواحات، مسجلا غياب الأثر الملموس للركائز الأساسية لهذه المشاريع على أرض الواقع.

البحث عن الحلول

ولفت أقشباب إلى أن هذه الركائز تتعلق بغياب المسالك والولوجيات التي تعيق وصول شاحنات الإطفاء، والعطش الميداني المتعلق بانعدام نقاط الماء المخصصة لإخماد الحرائق داخل واحة درعة، إضافة إلى غياب الاستباقية، نتيجة تعثر إحداث أبراج المراقبة والاستشعار المبكر، وغياب عمليات تنقية وتدوير المخلفات النباتية.

مفارقة التعويض والعدالة

ولم يفت رئيس جمعية أصدقاء البيئة الإشارة إلى الحيف الذي يطال فلاحي الإقليم، مستنكرا حرمانهم من جبر الضرر والتعويض، في الوقت الذي يستفيد فيه الفلاحون بمناطق أخرى من الدعم عند وقوع كوارث مماثلة، رغم أن النخيل يمثل المورد الرزقي الأساسي والوحيد لساكنة زاكورة.

فتح تحقيق استعجالي

وأمام هذا الوضع، دعا أقشباب إلى ضرورة فتح تحقيق استعجالي للكشف عن الأسباب الحقيقية والخفية لاستمرار النزيف، وكذا افتحاص المشاريع المبرمة التي لم تحقق أهدافها المسطرة، مطالبا بوقف المشاريع التي تفتقر للنجاعة والتي تساهم في تفشي الفقر والبطالة ورفع وتيرة الهجرة بالإقليم.

تقصير بشري وغياب للحلول الاستباقية

من جانبه، كشف يوسف افعداس، فاعل جمعوي ومسؤول نقابي بالمنظمة الديمقراطية للفلاحين الصغار بزاكورة، أن آفة الجفاف، وإن كانت عاملا مساهما، إلا أن التقصير البشري يبقى السبب الأول والأخير في وصول الواحات إلى هذه الحالة المزرية.

فشل في المشاريع .. والوزارة في قفص الاتهام

وأوضح أفعداس في تصريح لـ“العمق”، أن برامج المخطط الأخضر لم تنجح في التعامل مع الظرفية المناخية الحالية بحلول استباقية وناجعة، مع وجود هوة واسعة بين الشعارات المرفوعة والواقع الذي يعيشه الفلاح البسيط، محملا المسؤولية المباشرة لمصالح وزارة الفلاحة، فيما وصلت إليه الواحة في الوقت الراهن.

تساؤلات حول الحكامة ووقع الميزانيات

ولم يقف المتحدث عند تشخيص الأزمة، بل شكك في نجاعة الحكامة المرتبطة بتدبير المشاريع داخل الواحات، متسائلا عن مصير الميزانيات الضخمة التي استُنزفت طوال سنوات دون أثر ملموس على الأرض، لافتا إلى أن “السؤال المتعلق بمراقبة كيفية صرف أموال إنقاذ الواحة تجيب عنه الحصيلة الميدانية الحالية، حيث يؤكد الواقع غياب النجاعة”.

ورغم هذا القلق، سجل الفاعل النقابي استبشار الساكنة خيرا بالتعليمات الملكية السامية الداعية للنهوض بالواحات والمناطق الجبلية، معتبرا إياها طوق النجاة الأخير لإعادة الاعتبار لهذه المجالات الهشة.

من السدود إلى الطريق السيار المائي

وللخروج من نفق الكوارث المتكررة، طرح أفعداس حزمة من الحلول الاستعجالية والهيكلية، عبر تعبئة المياه، والإسراع بإخراج مشاريع السدود التلية والتحويلية التي أُعلن عنها سابقا، لتجميع ملايين الأمتار المكعبة من مياه الأمطار الرعدية وتغذية الفرشة المائية.

وإقترح المتحدث ذاته الرفع من جودة حكامة الصفقات العمومية المتعلقة بتنقية الأعشاش، وبقايا النخيل الجافة، وفتح مسالك لولوج آليات الوقاية المدنية، مع إنشاء صهاريج مائية استراتيجية للإطفاء، إضافة إلى إنشاء طريق سيار مائي أو قنوات لنقل مياه البحر المحلاة إلى الواحات، تفعيلا لمبدأ التضامن المائي بين الجهات.

الإنتظار .. سيد الموقف

وطالب أفعداس في ختام تصريحه بضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة فيما يخص صفقات تنقية الواحات، وتجهيز الخطارات والسواقي العصرية، لافتا إلى أن استمرار الوضع على ماهو عليه يهدد بمسح واحات درعة من الخريطة البيئية للمملكة، وتحويلها إلى مجرد أطلال شاهدة على سوء التدبير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *