منتدى العمق

قسوتك بنت كياني

ماتت والدتها وتركتها لقدرها المحتوم. زوجة أب مبتسمة ومتفتحة أمام الجميع، إلا أمامها. تكلفها بمهام لا يقوم بها إلا الكبار، توقظها مع الساعة السادسة صباحا، فتضطر الفتاة (منال) لأن تعجن العجين، وتغسل الأواني، وتجهز طعام الإفطار. وبعد وجبة الصباح، تعود للمطبخ لإعداد وجبة الغداء، وترتيب محتويات البيت. وفي المساء عليها أن تغسل الأواني، وتخرج مع زوجة أبيها لشراء الحاجيات. وتتكفل الفتاة الصغيرة حجما بحمل الأثقال من المشتريات. رحم الله والدتها التي كانت تنعم في ظلها بالنوم الهادئ المريح. كانت أمها لا تكلفها لا بطبيخ ولا غسيل ولا شراء أي شيء من الخارج، بل كانت تدللها تدليلا.. وتحولت نعومة اليدين إلى خشونة، وأصبح النوم والراحة مطلبا عزيز المنال، وشعورا لذيذا في الخيال، وأصبح نوم القيلولة من المحال.

كرهت الفتاة زوجة أبيها كره العمى، وتمنت لو أنها كانت بمثل حظ أختها الكبرى التي تزوجت بعيدا، وارتاحت من تلقي الأوامر والتوجيهات ونزعة التسلط. لكن مطلبها كان قريبا مستجابا، فقد وجدت نفسها أخيرا تُزف إلى رجل بسيط طيب، واستقلت بحياتها بعد طول عناء. وبدأت تستعرض فنون الطبخ التي تعلمتها من زوجة أبيها، وكلما سألها الزوج عن مصدر هذه الوجبة أو تلك كانت تقول له باستمرار: “زوجة أبي”. أنواع وأصناف كثيرة من الحلويات والسلطات وطرق إعداد وعرض ما لذ وطاب من الوجبات..

ويجتمع شمل الأختين في زيارات متبادلة، ويكتشف الجميع الضعف الصارخ في مهارة الأخت الكبرى في شؤون البيت المختلفة. عندها فقط اعترفت (منال) بفضل زوجة أبيها عليها، وأعلنتها صريحة:

ـ قسوتك زوجة أبي كانت رحمة بي، ومهما كانت نواياك اتجاهي، فأنا أسامحك لأنك أحسنت صنعا معي.

كانت زوجة الأب في حقيقة الأمر تبدو قاسية، لكنها لم تشأ أن ترى فتاة مدللة أمام ناظريها وتتركها عرضة للضياع. لقد أوعز الأب الحكيم للزوجة الصالحة بأن تغير من مسار حياة ابنته المدللة، وكان يتتبع أمر فلذة كبده عن قريب، ولم يشأ لها أن تعيش خيبة ابنته البكر التي بدأت تتعلم عن كبر شؤون المطبخ بعد أن أفسدت أمها تربيتها بالتدليل الزائد.

علمت (منال) بالحقيقة المخفية عنها، علمت بأن زوجة أبيها لم تكن شريرة بالمطلق، وبأن أحكامها المسبقة كانت مجرد خيال ووهم. فكم هي كثيرة أحكامنا المجانبة للصواب، والتي تمليها علينا الغفلة وسوء الظن بالأحباب والأصحاب، ولا نكتشفها إلا بمرور الأزمنة والأحقاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *