عقوبة اللعب دون جمهور.. بين ردع الشغب وإعدام الشغف
في مشهد يلفه صمت مطبق يبعث على الحسرة، وبمدرجات باردة تفتقد لدفء الأهازيج وصخب الجماهير، لُعبت واحدة من أهم المباريات التي تسوّق لكرة القدم المغربية عالميا؛ الديربي البيضاوي بين الرجاء والوداد.
ولم يكن هذا المشهد الباهت سوى نتيجة حتمية لعودة شبح “الويكلو” ليُرخي بظلاله على المشهد الكروي الوطني، كابحا جماح الفرجة، ومغلقا أبواب الملاعب في وجه عشاق الساحرة المستديرة.
ولعل القرارات التأديبية الأخيرة التي أصدرتها اللجان المختصة، والتي ألزمت نادي الرجاء الرياضي بخوض ثلاث مباريات دون جماهيره، وفرضت على نادي الجيش الملكي اللعب لخمس مباريات كاملة خلف الأبواب المغلقة، تعيد طرح إشكالية عميقة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، لتلامس جوهر السياسات التأديبية في الرياضة المغربية: هل يمثل الويكلو حلا جذريا وناجعا لردع الانفلاتات وأحداث الشغب، أم أنه مجرد عقاب أعمى يفرغ كرة القدم من روحها ويقضي على مقوماتها الجمالية والتسويقية؟
من منطلق سوسيولوجي ورياضي بحت، لا يمكن اعتبار كرة القدم مجرد تنافس بدني وتكتيكي بين اثنين وعشرين لاعبا فوق العشب الأخضر، بل هي ظاهرة اجتماعية متكاملة الأركان، تمثل المدرجات فيها روح اللعبة ووقودها، ومحركها الأساسي الذي لا غنى عنه.
إن الإبداع الذي تخلقه الفصائل التشجيعية في الملاعب المغربية، من لوحات فنية وتفاعل حركي وصوتي، هو الرأسمال الحقيقي الذي يمنح البطولة الاحترافية هويتها الاستثنائية، وهو الأساس الذي يبنى عليه المنتج الكروي وقيمته في بورصة حقوق النقل التلفزيوني وعقود الاستشهار.
ولنا في ديربي العاصمة الاقتصادية خير تجسيد لهذا المعطى، فطالما حصد هذا الموعد الكروي إشادة واسعة ومنقطعة النظير من لدن كبريات الصحف والمنابر الإعلامية العالمية، بفضل الأجواء الحماسية المبهرة التي ترافق هذا العرس، إضافة إلى الإبداعات الخلابة واللوحات الفنية العبقرية التي تنسجها الجماهير بشغف في مدرجات ملعب محمد الخامس، جاعلة منه مسرحا لفرجة استثنائية تتجاوز رقعة الميدان.
غير أن غياب هذا العنصر الحيوي بفعل عقوبة اللعب بدون جماهير، يحول المباريات إلى ما يشبه الحصص التدريبية الباهتة، حيث يفقد اللاعبون الحافز النفسي المتقد، وتتراجع جودة الأداء التقني، لتصبح المواجهات الكبرى مجرد أرقام في جدول الترتيب، فاقدة لبريقها ولمتعتها التي لا تكتمل إلا بحضور اللاعب رقم 12.
وإذا ما تجاوزنا المقاربة الجمالية والتقنية نحو التحليل الاقتصادي، يتبين أن عقوبة اللعب بدون جمهور تمثل استنزافا حادا وضربة موجعة لخزائن الأندية المغربية المنهكة أصلا، في ظل واقع كروي يتسم بشح الموارد الذاتية وضعف العائدات الاستثمارية القارة، تظل مداخيل التذاكر بمثابة الرئة المالية وشريان الحياة الذي يضمن لهذه الفرق توازن موازناتها واستمراريتها في المنافسة.
وبلغة الأرقام التي لا تقبل الجدل، فإن استضافة أقطاب الكرة الوطنية من حجم الرجاء والوداد الرياضيين أو الجيش الملكي لمباريات جماهيرية كبرى، تضخ في خزائنها عائدات تذاكر تتراوح ما بين 1.5 و3 ملايين درهم للمواجهة الواحدة، وبعملية حسابية بسيطة، فإن صدور عقوبة اللعب من دون جماهير في حق نادٍ ما لثلاث أو خمس مباريات متتالية، يترجم فورا إلى نزيف مادي حاد وعجز محقق يتجاوز عتبة الـ 10 ملايين درهم في ظرف أسابيع معدودة.
وتمتد فاتورة اللعب خلف أبواب موصدة لتشمل خسائر موازية تعمق جراح الأندية، كالشلل التام في مبيعات المنتجات الرسمية للنادي يوم المباراة، وتضرر القيمة التسويقية للمنتج الكروي أمام المستشهرين والرعاة الذين يربطون علامتهم التجارية بكثافة الحضور الجماهيري.
هذا النزيف المالي الحاد يضعف من تنافسية الأندية محليا وقاريا، ويدخلها في دوامة من الديون وعجز ميزانيات التسيير والنزاعات المادية مع اللاعبين والأطقم التقنية، وهنا نطفو على سطح مفارقة صارخة في المقاربة التأديبية المعتمدة، فبدلا من تقويم السلوك الجماهيري المنفلت، يتم إعدام المؤسسة الرياضية ماليا، مما ينعكس سلبا على استقرارها وتطورها، وكأننا نعالج ظاهرة الشغب بتدمير المكتسبات الكروية ومصادرة مواردها الحيوية.
وعلى المستويين القانوني والأخلاقي، تضعنا عقوبة الويكلو أمام مفارقة شائكة تضرب في صميم فلسفة العدالة بتكريسها لنهج العقاب الجماعي، في الوقت الذي تعتبر فيه التشريعات الحديثة مبدأ شخصية العقوبة هو الأساس الذي لا يُحاسب فيه إلا المخطئ عن زلته، غير أن تطبيق اللعب بدون جمهور يضرب هذا المبدأ في مقتل، إذ يضع المشجع السلمي الذي يقتطع من قوت يومه ليقتني تذكرة ويساند فريقه بشغف وحضارة، في نفس سلة المشاغب المتهور الذي يستغل تجمعات الملاعب لتفريغ مكبوتاته أو ممارسة التخريب.
إن تحميل الآلاف من الجماهير الوفية وزر أخطاء أقلية غير مسؤولة يولد شعورا بالظلم والإحباط، هذا الشعور لا يعالج الاحتقان بل يغذيه، ويخلق فجوة من انعدام الثقة بين الجماهير والمؤسسات الوصية على اللعبة، مما يجعل من العقوبة أداة لتنفير المحبين الحقيقيين، وترك الساحة فارغة للمنفلتين الذين لا تهمهم كرة القدم بقدر ما تستهويهم صناعة الفوضى.
إن الارتهان المستمر للمقاربات العقابية الكلاسيكية، واتخاذ إغلاق الملاعب كمُسكن مؤقت عند كل أزمة، يعكس قصورا في مواكبة التحولات التي يشهدها تدبير الشأن الرياضي عالميا، حيث باتت الإدارة الحديثة تعتمد على الحلول الاستباقية والتدخلات الأمنية الدقيقة، عوض اللجوء إلى سياسة العقاب الشامل والسهل.
وقد أدركت الدوريات الأوروبية الكبرى، التي عانت لعقود من ويلات التعصب وشغب الملاعب، أن المقاربة الزجرية العمياء لا تجدي نفعا، فانتقلت من مرحلة إغلاق الملاعب إلى مرحلة تنقية الملاعب، من خلال استنساخ نماذج وتجارب رائدة نجحت ميدانيا في إعادة الأمان والروح لملاعبها.
وبالوقوف عند التجربة البريطانية، التي واجهت أشرس فصائل الهوليغانز، نجد أنها استبدلت العقاب الجماعي بنظام (Football Banning Orders)، هذه الآلية الصارمة تعتمد على المزاوجة بين التكنولوجيا الدقيقة ككاميرات التعرف على الوجوه المرتبطة بـبطاقة المشجع (Fan ID)، والعمل الميداني عبر عناصر أمنية سرية تندس وسط الجماهير لتحديد المحرضين الفعليين وتوقيفهم بهدوء أو استدعائهم لاحقا.
وبفضل هذا التوجه نحو تفريد العقوبة، بات المخالفون يقدمون للمحاكمة ويحرمون من الملاعب لشهور أو سنوات طويلة، مع إلزامهم بتسجيل حضورهم في دوائر الأمن خلال خوض فرقهم للمباريات، لضمان قطع صلتهم بالمحيط الرياضي.
غير أن الحل الأمني وحده لا يكفي، وهو ما يدفعنا لاستحضار المقاربة الاستباقية للنموذج الألماني الذي أسس لـ “مشاريع الجماهير” وهي مقاربة اجتماعية ترتكز على احتواء الشباب وتأطيرهم عبر أخصائيين داخل الأندية. ولتنزيل هذا التصور بملاعبنا، بات من الملح فتح قنوات حوار شفافة ومؤسساتية مع مجموعات الأولتراس، بغية تحميلهم قسطا من مسؤولية التنظيم الذاتي، لتنتقل بذلك هذه الفصائل من خانة المشكلة إلى صلب الحل الجذري للظاهرة.
ختاما لا يمكن لأي عاقل أو غيور على وطنه أن يبرر أو يدافع عن مشاهد الشغب والتخريب التي تسيء للصورة المشرقة للمغرب، خاصة ونحن مقبلون على استحقاقات عالمية وقارية كبرى تتطلب إظهار أعلى درجات الرقي التنظيمي والحضاري.
إن الحزم في تطبيق القانون والضرب بيد من حديد على العابثين بسلامة الأفراد والممتلكات ضرورة لا محيد عنها، لكن وفي الوقت ذاته، وجب الإقرار بأن اجتثاث هذه الآفة يستدعي دقة متناهية تشبه تدخل الجراح لاستئصال الورم الخبيث، عوض الاستمرار في اتخاذ قرارات بتر عشوائية تغتال متعة المدرجات وتقتل روح اللعبة برمتها.
إن كرة القدم في جوهرها هي احتفال شعبي لا يستقيم إلا بحضور الجماهير، والويكلو سيبقى دائما عقابا يغتال متعة الساحرة المستديرة ويضعف مناعة الأندية، وقد حان الوقت لنتحلى بالشجاعة الكافية لطي صفحة العقاب الجماعي، وتبني استراتيجية شمولية، تكنولوجية وقانونية، تجعل من الملاعب فضاءات آمنة تحتضن شغف الجماهير، وتلفظ في الآن ذاته كل من تسول له نفسه تشويه الوجه المشرق لكرتنا الوطنية.
اترك تعليقاً