الذكاء الاصطناعي والأديان

توطئة:
أطبق الذكاء الاصطناعي –وأفضل نعته بالذكاء البارد – على البشرية ، من كل الآفاق والجهات ؛منتقلا من مجرد فُضلة تسند الذكاء الانساني ،الى عمدة ،في مجالات شتى.
بل ودخل ،راصدا ومخطِّطا وضاربا ،حتى في الحروب الحالية؛ خصوصا الحرب الروسية الأوكرانية.
طبعا لم يفلت المقدس من سطوة الخوارزميات ،رغم قدمه و روحانيته.
فكيف يتمظهر الآن في هذا الركح ؛والى أي حد يمكن أن يصل؟
البابا فوق الشجرة:
في سعي البابا “ليون الرابع عشر” من أجل رسم حدود للذكاء الاصطناعي ،ضمن الكنيسة الكاثوليكية، يبدو كسلفه في الاسم البابا ليون الثالث عشر ؛وهو يحدد آفاق اشتغال الكنيسة ضمن مجتمع مسيحي يعيش مخاض ومسار الثورة الصناعية.
ثورة صناعية فرضت نقاش اكتساح الآلة للعمل اليدوي ،وما يستتبعه من تضييق عيش العمال. هم انساني بلوره هذا البابا في رسالته “ريروم نوفاروم” سنة 1891.
وهي ” الرسالة البابوية التأسيسية للعمل في العصر الصناعي” : عن AXIOS.
على خطى سلفه في الاسم وقع البابا “ليون الرابع عشر” أولى رسائله البابوية في موضوع الذكاء الاصطناعي ؛حيث يعتبره:
” التحدي الأخلاقي ،والعمالي الحاسم للثورة الصناعية الجديدة” .
ولم يغفل سلفه الزمني ،الراحل “فرنسيس” هذا الموضوع ؛اذ حذر من “كون الذكاء الاصطناعي ،قد يؤدي الى اختزال البشر في مجرد نقاط بيانات ،مسرعا عدم المساواة “.
ورغم كون الحذر من الذكاء الاصطناعي هو السمة الغالبة على النشاط البابوي الحالي ؛وصولا الى توجيه للكهنة بمنع اعتماده في تحرير الخطب الكنسية ،ودخول منصات التواصل بحثا عن تحشيد المتابعين ،ومراكمة اعجاباتهم.
رغم هذا فان البابوية تستدخله ولا ترفضه بإطلاق ؛باعتباره مجالا حديثا للنشاط الانساني ،يتطلب التأطير وحسن الاستغلال الكنسي.
المقدس والخوارزمي:
كيف نرتب العلاقة بين تراث الانسانية المقدس ،وذكاء قادر على فهم أدق تفاصيله ؛بل ومقارنتها أفقيا وعموديا؟
فهم ومقارنة لا يتأسسان الا على صرامة الخوارزميات الرياضية؛ بعيدا تماما عن الشحنة الروحية ،والعاطفية.
وبعيدا أيضا عن الحذر والتقية ،والذاتية الدساسة.
ازاء هذا السؤال الاشكالي العويص، لكونه – لجدته – بدون تراكمات ؛أنطلق من فرضيتين:
الأولى :
سيزيد الذكاء الاصطناعي في قدسية المقدس ،بتسهيل الاحاطة المعرفية به ،وبطقوسه.
الثانية: سيفكك هذا الذكاء قدسية المقدس ،وسيعيده الى وضعه التاريخي الأول.
“النبي” متمم الأديان:
ان الثورة الرقمية عموما ،والذكاء الاصطناعي خاصة، خدما جميع الأديان ؛من حيث الاحاطة المعرفية ،وتوسيع التابع ،وتمكينه من الدراية بفقهها وطقوسها .
كما يسرا المقارنة الأفقية بينها ؛بعد أن اشتغلت كل ديانة ضمن دائرتها الخاصة ،المتمنعة على عموم الأتباع.
وبعبارة أخرى لم يعد المسيحي ،مثلا، مسيحيا فقط ؛بل مسيحيا عارفا بالبوذية ،باليهودية، بالإسلام.. وعارفا أيضا بشتى النحل .
وهذه وضعية تدينية جديدة على البشرية الرقمية ؛وهي في الطريق لترتقي معها الى بشرية القاسم الديني المشترك ؛وهو ركن سلم القيم الكونية ،التي يتأسس ضمن خطاب العولمة.
عدا بعض النصوص القرآنية التي تستحضر ضرورة “التعارف” ؛على مستوى “الشعوب والقبائل” لم يحمل أي نبي هذا الهم.
بل هناك من بلغ في الاغلاق عتيا ؛كما في اليهودية.
اعتبارا لما تقدم يمكن الارتقاء بالذكاء الاصطناعي – تصورا – الى مرتبة “النبي” الذي يسعى لاختزال المقدسات كلها في واحد كوني.
طبعا دون أن يختلف عن وضعية النحلة ،الشديدة الذكاء في الهواء الطلق ،الغبية داخل قارورة لا تستطيع الاهتداء الى عنقها لتنفذ خارجة من الورطة.
والصورة المستخلصة من هذا هي:
ذكاء اصطناعي يقوي المعرفة الدينية ،عموديا ؛ويولج الأديان ،أفقيا ، في بعضها البعض.
وحدها التراكمات ،ضمن هذا المسار ، ستحدد ملامح الصورة .
حاليا يبدو هذا ايجابيا جدا، ويصحح الى حد ما الفرضية الأولى.
الشيطان والتفاصيل:
في سرديات الأديان تسند للشيطان أدوار تخريبية للعقائد والشرائع والأخلاق ؛وعلى هذا التصور يتأسس تحفيز الأتباع – المؤمنين – على المجاهدة والمغالبة .
بل تُحمل الحِصيُّ ويُرجم هذا الشيطان رجما، حقيقة ومجازا.
يمكن أن ننظر الى الاشتغالات الكشفية للذكاء الاصطناعي ،على أنها وريثة الدور الشيطاني ،الذي أنزل آدم وحواء من الجنة .
لم يترك زاوية ظل واحدة في المقدسات ،يصنع فيها الوعاظ راحتهم الوعظية ،على هوى وأمر نصوصهم المتعالية.
يتحرك يوميا ،عبر الشبكة العالمية – أفقيا وعموديا – يراكم التفاصيل ويسكنها باحثا منقبا.
بل يحفر حتى على الجذور ،ليقف على تماهيها وتشابكها.
ويعود الى السرديات البشرية – ما قبل الأديان السماوية – ليبحث فيها عن المشترك السردي ،الذي تشكل عبره مخيال بشري كوني ؛كنهر يظهر عبر مسافات ،ويختفي تحت الرمال ،ليعاود الظهور وهكذا.
ومفارق جدا أن يكون هذا النشاط الخوارزمي ،الذي يغوص في المقدسات ،وأنثروبولجيتها ،وسوسيولوجيتها ،وتاريخها وجغرافيتها ؛بدون روح ،وبلا كفر ولا ايمان.
هو كأسطورة الجرذان التي خربت سد مأرب ،وهي لا تعي ماهيته ولا خطره حتى عليها.
هو هكذا ذكاء بارد ،يجيبك حين تسأله ،ولا يرف له جفن ولو قتل نبيا ،أو نسبه الى شريعة غير شريعته.
ما تأثير كل هذا على الوضع التديني العالمي؟
هنا يجب أن نميز بين جيلين:
الجيل المخضرم الذي تتأسس قناعاته الدينية على نصوص تلقنها – مدرسيا وأكاديميا – وفق المناهج التقليدية الانسانية ،التي لا تترك له أي خيرة في وجوده الروحي .
والجيل الشاب الذي يتوزع تكوينه الروحي ،بين نفس المناهج ؛وفيض الثروة الرقمية التي تغالب وتغلب كل ما هو تقليدي ؛لتدفع به (الجيل ) الى عمق السرديات وتفاصيلها ،وتقاطعاتها ،كما بينت.
الى أي حد سيأخذ بتراكمات القرون ؟ والى أي حد سينجر الى الوفرة الرقمية الغزيرة ،لكن الخالية من أي روح؟
نبي خوارزمي ،بدون روح ،نصب كوكيل على كل السرديات الدينية ؛وهو يعلمها كلها ،لكنه يجهلها روحيا .
ولا اشتغال للأديان الا روحيا.
في الميدان الرقمي الآن رهبان ،أبناء الذكاء الاصطناعي ،يشتغلون وعاظا ؛وهناك تطبيقات ،مثل : text with jesus تقوم بنفس الدور.
مزاحمة الانساني الروحي لذكاء اصطناعي آخذ في الاكتساح لجميع المجالات.
غدا سنكون ،كمسلمين ،ازاء وعاظ ومشايخ خوارزميين ؛بفارق كونهم ليسو من خوارزم.
خاتمة:
لا يخرج هذا الموضوع عن كونه كشفيا استطلاعيا ،لموضوع راهني ،يفرض نفسه بإلحاح.
يحتاج طبعا الى بحوث أكاديمية معمقة ؛وحبذا لو تتجاوز ثنائية الأخذ والترك التقليدية.
أو حتى أسلمة ،أو تمسيح ، أو تهويد الذكاء الاصطناعي .
تتجاوز هذا الى تأطير الذكاء البارد ،وهو يشتغل في بيئة انسانية حارة روحيا.
لا مناص من الاثنين معا، وفي انسجام تام .
اترك تعليقاً