منتدى العمق

العالم القروي بين التهميش و الأمل

إنّ الحديث عن البوادي والقرى والأرياف والجبال بالمغرب ليس حديثًا عن الجغرافيا فقط، بل هو حديث عن الإنسان المغربي البسيط الذي يعيش في صمت، ويقاوم قسوة الحياة بكرامة وصبر طويلين. هناك، بعيدًا عن صخب المدن وأضوائها، تعيش فئات واسعة من المواطنين على جزء يسير من ضروريات الحياة، في ظروف يطبعها الفقر والهشاشة وقلة ذات اليد، بينما تبقى أحلامهم الصغيرة مؤجلة بين وعورة المسالك وقساوة الطبيعة وضعف الإمكانيات.

في كثير من المناطق القروية والجبلية، لا تزال معاناة الساكنة مرتبطة بغياب عدد من المرافق الأساسية، من صحة وتعليم ونقل وتجهيزات وبنيات تحتية تضمن الحد الأدنى من العيش الكريم. ولهذا، ينقطع كثير من الأبناء والبنات عن الدراسة مبكرًا، لا لأنهم يفتقرون إلى الذكاء أو الطموح، بل لأن الظروف الاجتماعية والاقتصادية أقوى من أحلامهم البريئة. وتبقى قلة قليلة فقط قادرة على مواصلة الدراسة أو تغيير واقعها، بينما تستمر معاناة الأغلبية في دائرة مغلقة من الحرمان والتهميش.

ومن شدة ضيق العيش، يضطر بعض أبناء القرى والأرياف والجبال إلى الهجرة نحو المدن أو إلى الخارج بحثًا عن فرصة أفضل وحياة أكثر استقرارًا. يتركون وراءهم الأرض والذكريات والعائلة، لا حبًا في الرحيل، بل هروبًا من واقع جامد لا حركية فيه ولا دينامية ولا آفاق واضحة للتغيير. فالإنسان حين يفقد شروط العيش الكريم، يصبح الانتقال ضرورة لا اختيارًا.

إنّ حقوق ساكنة العالم القروي على الدولة والمجتمع كبيرة، لأن التنمية الحقيقية لا ينبغي أن تبقى حبيسة المدن الكبرى وحدها. فمن الواجب العمل على فك العزلة عن القرى والمناطق الجبلية، وتيسير ظروف العيش الكريم، وتحسين الخدمات الأساسية، وخلق فرص الشغل، وصون الكرامة الإنسانية، حتى يتمكن أبناء هذه المناطق من الاستقرار داخل أقاليمهم بدل الهجرة القسرية. وقد أكدت عدة تقارير رسمية أن الفقر والهشاشة يتركزان أساسًا في المناطق القروية والجبلية، مع استمرار ضعف البنيات التحتية والخدمات الأساسية بها.

ولا يعقل أن تتعاقب عشرات المجالس المنتخبة على تدبير مئات الجماعات الترابية القروية، ثم تبقى بعض المناطق إلى اليوم محرومة من أبسط التجهيزات والبنيات التحتية الضرورية. فالمسؤولية ليست فقط في تسيير الملفات الإدارية، بل في تحقيق أثر حقيقي يلمسه المواطن في حياته اليومية. التنمية ليست خطابات وشعارات، بل طرق ومسالك ومدارس ومستشفيات وفرص شغل وماء صالح للشرب وعيش كريم.

لقد حققت دول متقدمة نجاحًا كبيرًا في إعداد المجال القروي والجبلـي، من خلال ربط القرى بالبنيات التحتية الحديثة، وتشجيع الاستثمار المحلي، وتطوير السياحة القروية والبيئية، وتحويل الأرياف إلى فضاءات منتجة وجاذبة للحياة. والمغرب بدوره يملك مؤهلات طبيعية وثقافية وسياحية هائلة، لكنه يحتاج إلى رؤية أكثر عدلًا وجرأة وفعالية في تهيئة القرى والجبال والمناطق السياحية بشكل متقدم يليق بكرامة الإنسان المغربي. كما أن تقارير وطنية عديدة دعت إلى إعداد رؤية وطنية شاملة لتنمية العالم القروي، وتعزيز العدالة المجالية والاجتماعية، وفك العزلة عن المناطق النائية.

إنّ الاستقرار الحقيقي لأي وطن لا يتحقق إلا حين يشعر جميع المواطنين، في المدن والقرى والجبال، بأن لهم نفس القيمة ونفس الحقوق ونفس الفرص. ولذلك، فإن رفع الدخول الفردية، وتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، والعناية أكثر بالفقراء وأصحاب الدخل المحدود، ليست مجرد مطالب اجتماعية، بل شروط أساسية لبناء مغرب متوازن ومتضامن وقوي. فالأوطان العظيمة لا تُقاس فقط بما تملكه من بنايات ومشاريع، بل بما تمنحه للإنسان البسيط من كرامة وأمل وعدالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *