منتدى العمق

أي نخب نريد للجيل الجديد من برامج التنمية المندمجة؟

عرف المسار التنموي بالمغرب تحولات عميقة ومحطات مفصلية، بدأت مع المخططات في ستينات القرن الماضي مرورا بإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وتواصلت عبر إصلاحات هيكلية كبرى، قبل أن تتوج بإعلان النموذج التنموي الجديد باعتباره مرجعية استراتيجية لإعادة توجيه السياسات العمومية نحو مزيد من النجاعة والإنصاف. وفي خضم هذا المسار، يبرز “الجيل الجديد من برامج التنمية المندمجة” كأحد أهم الأوراش التي يعوّل عليها لإحداث قفزة نوعية في تدبير التنمية الترابية، خاصة بعد إعطاء انطلاقته خلال أكتوبر الماضي ومصادقة المجلس الوزاري عليه مؤخرا . اعتمد هذا البرنامج تشخيصا تشاركيا قوامه جرد المتطلبات التنموية من خلال نموذج تصاعدي قوامه تقصي المعلومة من المواطن و احتياجاته وبلورتها على شكل محاور إلى أعلى سطلة عبر الاستماع إلى المواطنين وهيآت المجتمع المدني والفاعلين الترابيين .إن هذا البرنامج يعد رهانا تنمويا كبيرا ولا يرتبط بالزمن السياسي ، لأنه يقوم على محاور أساسية من شأنها أن تمنح دفعة قوية للدينامية التنموية، وتُسهم في تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتعزيز العدالة الترابية. وتعزيز الالتقائية .ولعل ما يزيد من حجم الرهان هو الغلاف المالي المرصود له، والذي يصل إلى 210 مليار درهم إلى غاية سنة 2035، وهو مبلغ ضخم يعكس إرادة الدولة في توسيع دائرة التنمية وتعميم ثمارها من الناحية الظاهرية.

غير أن السؤال الحقيقي لا يرتبط بحجم الأموال المرصودة بقدر ما يرتبط بمن سيحسن تدبيرها؛ فالتنمية ليست مجرد اعتمادات مالية تُصرف، ولا مشاريع تُعلن في الأوراق ، بل هي في جوهرها فعل تدبيري وممارسة يومية تتطلب كفاءات قادرة على امتلاك رؤية واضحة وقادرة على التتبع، والتقييم. ومن هنا تبرز الإشكالية المركزية التي ينبغي أن تؤطر النقاش حول هذا الورش: أي نخب نريد لتنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية المندمجة؟

إن العنصر البشري يشكل الحلقة الحاسمة في إنجاح أي سياسة عمومية؛ فمن خلال استقراء المسار التنموي بالمغرب شكل العنصر البشري التحدي والرهان لنجاح أي فعل تنموي فحتى أقوى البرامج والمخططات والميزانيات التي رصدت للتنمية في المغرب لم تحقق الأثر المنشود وأصبحت عبارة عن أرقام على الأوراق في غياب نخب ذات كفاءة قادرة على تنزيل البرامج.

والواقع أن المغرب، وهو يراهن على هذا الورش، عليه أن يدرك أن المدخل الأساسي للنجاح يكمن في تحديث آليات التدبير الترابي وإعادة تأهيل الفاعلين المحليين، وفي مقدمتهم المنتخبون ورؤساء الجماعات الترابية ؛ بغية تجاوز الأعطاب التنموية السابقة .

لقد صادق المجلس الوزاري الأخير على إصلاحات تنظيمية تعكس هذا التوجه، من بينها تحويل “وكالة تنفيذ المشاريع” إلى “شركة مساهمة”، في خطوة تحمل دلالات واضحة، لأنها تعبر عن انتقال الدولة من منطق التدبير الإداري التقليدي إلى منطق جهوي أكثر مرونة وفعالية. كما تم العمل على تدقيق اختصاصات الجهات، ورفع الموارد المالية المخصصة لها، بما ينسجم مع متطلبات الجهوية المتقدمة ويقوي دورها في قيادة التنمية على المستوى الترابي.

لكن هذه التحولات، رغم أهميتها، تضع النخب الترابية أمام اختبار وتحدي حقيقين. فمرحلة جديدة تُفتَح اليوم، وتفرض تغييراً جذرياً في طرق الاشتغال، وفي طبيعة التفكير، وفي منطق تدبير المشاريع. ولم يعد مقبولاً أن تستمر النخب في التعامل مع البرامج التنموية بمنطق “التدبير الانتخابي” أو “المنجزات الظرفية”، لأن المطلوب هو تدبير استراتيجي طويل النفس، يراهن على النتائج لا على الشعارات وامتلاك رؤية قادرة على ضخ دماء جديدة في مسار التنمية .

وفي هذا السياق تتحمل الأحزاب السياسية مسؤولية كبيرة، لأنها مطالبة بتقديم نخب جديدة، نخب مثقفة وواعية، تمتلك مستوى أكاديمياً يؤهلها لفهم التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وتمتلك كذلك قدرة على قراءة المؤشرات وتحليل المعطيات وصياغة المشاريع. فالمغرب اليوم لا يحتاج إلى نخب تقليدية تعيد إنتاج نفس الممارسات، بل يحتاج إلى كفاءات قادرة على تجديد أدوات التدبير، والانخراط في دينامية الإصلاح بوعي تام ، وتجاوز منطق الريع السياسي والانتخابي.

إن الجيل الجديد من برامج التنمية المندمجة يفرض، بشكل واضح، الانتقال من التدبير الكلاسيكي إلى التدبير بالنتائج. فالتنمية لم تعد تقاس بعدد المشاريع المعلن عنها أو بحجم الميزانيات المصروفة، بل تقاس بمدى تأثيرها المباشر على حياة المواطن. هل وفّرت فرص الشغل؟ هل حسّنت الخدمات الصحية والتعليمية؟ هل رفعت جودة العيش داخل المجال الترابي؟ تلك هي الأسئلة التي أصبحت معياراً للحكم على نجاح أي مشروع.لنجاح هذه البرامج لابد للفاعل الترابي أن يمتلك مقاربة التدبير بالنتائج بغية تقييمه .

ومن جهة أخرى، فإن هذا البرنامج يتضمن آليات حديثة للتتبع والتقييم، حيث تم اعتماد منصة رقمية تهدف إلى ضمان الشفافية، وتعزيز المقاربة التشاركية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وهذه الخطوة، رغم وجاهتها، تطرح تحدياً إضافياً: هل تتوفر النخب الترابية على الكفايات الرقمية اللازمة للتعامل مع هذه المنصات؟ وهل تستطيع فعلاً مواكبة التحول الرقمي الذي أصبح ركيزة من ركائز الحكامة الجيدة ؟

إن الرقمنة لم تعد ترفاً إدارياً، بل أصبحت ضرورة استراتيجية، لأنها تضمن تتبع المشاريع بدقة، وتقلص هامش الارتجال، وتحارب التلاعب بالمعطيات، وتفتح المجال أمام المواطنين لمراقبة سير الأوراش العمومية. ولذلك فإن الفاعل الترابي الذي يفتقر للمعرفة الرقمية سيجد نفسه خارج منطق التدبير الجديد، وعاجزاً عن مواكبة متطلبات المرحلة.

ثم إن اعتماد “الشركة المساهمة” كآلية لتدبير المشاريع يفتح الباب أمام توسيع الشراكات مع القطاع الخاص، وهو ما يفرض بدوره نخبة ملمة بالقانون، وقادرة على التفاوض والترافع، وتمتلك ثقافة تدبير العقود والشراكات. فالمرحلة المقبلة ستشهد تداخلاً أكبر بين التدبير العمومي والاستثمار الخاص، ولن ينجح هذا التداخل إلا إذا تم ضبطه بنخب واعية تحفظ المصلحة العامة وتعرف كيف تحول الاستثمار الخاص إلى رافعة تنموية لا إلى مدخل جديد للاختلالات.

وبناء على كل ذلك، يمكن القول إن الرهان الحقيقي لبرامج التنمية المندمجة لا يكمن فقط في ضخ الأموال وفي المقاربات ، بل في الاستثمار في الرأس المال البشري الذي سيتولى التخطيط والتدبير والتتبع. فالمغرب اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تشكيل نخبه الترابية وفق معايير جديدة: الكفاءة بدل الولاء، المعرفة بدل الارتجال، التخطيط بدل التدبير الموسمي، والنتائج بدل الخطابات. والرقمي بدل الورقي

إن التنمية، في نهاية المطاف، ليست مشروع دولة فقط، بل هي أيضاً مشروع مجتمعي ونخب . وإذا لم يتم الاستثمار في تأهيل وتكوين الفاعلين الترابيين، وتطوير قدراتهم، وتجديد آليات اشتغالهم، فإن أي برنامج، مهما بلغت ميزانيته، قد يتحول إلى إعادة نفس الأخطاء السابقة بدل أن يكون رافعة حقيقية للتقدم.

ولهذا، فإن سؤال “أي نخب نريد؟” ليس سؤالاً هامشياً، بل هو جوهر النقاش لأن الجيل الجديد من برامج التنمية المندمجة يحتاج إلى جيل جديد من النخب، نخب تمتلك رؤية، وتؤمن بأن التنمية مسؤولية قبل أن تكون امتيازاً، وتدرك أن المستقبل لن يُصنع بالشعارات، بل بالكفاءة، والشفافية، والقدرة على تحويل المال العمومي إلى أثر تنموي ملموس داخل المجالات الترابية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *