منتدى العمق

خريبكة بين الواقع الحالي و طموح النهضة المنشودة

تعرف مدينة خريبكة خلال الأسابيع الأخيرة بعض المؤشرات الإيجابية التي تبعث الأمل في إمكانية استعادة المدينة لديناميتها التنموية، خصوصًا على مستوى البنية التحتية والتهيئة الحضرية. فقد تم تزفيت جزء مهم من شارع السلامة بحي الانبعاث، كما تم استكمال تزفيت شارع طرابلس المار قرب حي الرياض خلال الأسبوع الماضي، وقبل ذلك بشهر تم تزفيت شارع نميرة بحي الفتح وتم تزفيت شوارع أخرى. ويلاحظ عدد من المواطنين جودة واضحة في أشغال التزفيت وإتقانها، خاصة أن المكتب الشريف للفوسفاط والمجلس الترابي لمدينة خريبكة هما من يشرفان على هذه الأشغال.

غير أن هذه الخطوات الإيجابية يجب ألا تتوقف عند بعض الشوارع فقط، بل المطلوب هو استكمال تزفيت وإصلاح باقي الطرق والشوارع المهترئة داخل المدينة والأحياء الشعبية، مثل شارع أريحا بحي الانبعاث وغيرها من المحاور التي تعاني من التدهور منذ سنوات. فالبنية التحتية الجيدة ليست مجرد مظهر جمالي، بل هي عنصر أساسي في تحسين جودة الحياة، وتسهيل حركة المواطنين، وجذب الاستثمار، وتعزيز صورة المدينة.

وفي مقابل هذه التحسينات، لا تزال ساكنة المدينة والإقليم تعاني من ارتفاع أثمنة السلع والبضائع المعروضة للبيع، وهو ما يرهق القدرة الشرائية للأسر، خاصة الفئات الفقيرة والمتوسطة. لذلك أصبح من الضروري تكثيف المراقبة المستمرة للأسعار داخل مختلف المحلات والأسواق، والتصدي لكل أشكال المضاربة والزيادات غير المشروعة، مع تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في هذا المجال. كما أن إبعاد المضاربين “الشناقة” عن أسواق الغنم بالإقليم بات ضرورة ملحة، لأنهم يساهمون بشكل مباشر في رفع الأسعار بشكل مبالغ فيه، خصوصًا مع اقتراب المناسبات الدينية مثل عيد الأضحى.

ومن الجوانب المهمة التي تحتاجها خريبكة أيضًا، الاهتمام بالمعرفة والثقافة والبحث العلمي. فالمدينة في حاجة حقيقية إلى مكتبة متخصصة وحديثة يستفيد منها طلبة الإجازة والماستر والدكتوراه، إلى جانب الباحثين والقراء والمهتمين بمختلف مجالات العلم والمعرفة. فالمكتبة ليست مجرد رفوف للكتب، بل فضاء لبناء الإنسان، وصناعة الوعي، وتشجيع القراءة، وربط الأجيال الجديدة بالعلم والثقافة.
كما أن الإقليم يمتلك مؤهلات كبيرة يمكن استثمارها في خلق سياحة علمية ومنجمية وإيكولوجية، خاصة في مجال دراسة المستحاثات والجيولوجيا المرتبطة بالفوسفاط. فخريبكة ليست فقط مدينة منجمية، بل يمكن أن تتحول إلى مركز علمي وسياحي يجذب الباحثين والطلبة والزوار من داخل المغرب وخارجه إذا توفرت الإرادة والرؤية الاستراتيجية.

وفي السياق نفسه، ينتظر المواطنون إتمام إنجاز عدد من المشاريع المهمة، مثل مشروع المنجم الأخضر والمحطة الطرقية، لما لهما من دور في تحسين الخدمات وتعزيز التنمية الاقتصادية والبيئية. فالمدينة تحتاج إلى مشاريع حقيقية ومستدامة تعيد إليها الحيوية، وتخلق فرص الشغل، وتحفز الاقتصاد المحلي.

وعلى مستوى التعليم العالي، من المهم أن تنفتح المؤسسات الجامعية على الفاعلين داخل المدينة، وألا تبقى فضاءات مغلقة في وجه الساكنة المتعلمة والطاقات المحلية. فالجامعة ينبغي أن تكون شريكًا في التنمية المحلية، ومجالًا للحوار الفكري والثقافي والعلمي، لا مجرد مؤسسة معزولة عن محيطها الاجتماعي.

كما يلاحظ عدد من المهتمين ضعف الأنشطة الثقافية والسياسية بمدينة خريبكة، بل وحتى الأنشطة التي تُنظم أحيانًا لا يتم الإعلان عنها بالشكل المطلوب، مما يحد من تأثيرها ومشاركة المواطنين فيها. والحقيقة أن المدينة تعيش نوعًا من الركود على عدة مستويات منذ سنوات، وهو ما يستوجب تحركًا جماعيًا لإعادة الروح والحركية إليها.

وفي هذا الإطار، تتحمل الأحزاب السياسية وشبيباتها جزءًا من المسؤولية، لأن دورها لا ينبغي أن يقتصر على المواسم الانتخابية فقط، بل يجب أن يشمل تأطير المواطنين، وتنظيم الندوات والأنشطة الفكرية والثقافية، وخلق نقاش عمومي جاد حول قضايا المدينة والإقليم. فضعف العمل السياسي والتأطيري ينعكس سلبًا على الوعي المجتمعي وعلى المشاركة المدنية.

ومن القضايا الاجتماعية والإدارية المهمة أيضًا، ضرورة تسوية وضعية الموظفين الذين واصلوا دراستهم الجامعية وحصلوا على شواهد الإجازة والماستر، وذلك عبر ترقيتهم وفق الشواهد المحصل عليها، على غرار ما يتم في بعض القطاعات الأخرى مثل قطاع التعليم. فتشجيع الموظفين على تطوير مستواهم العلمي والمعرفي ينعكس إيجابًا على جودة الإدارة والخدمات العمومية.

أما في المجال البيئي، فمن الجيد أن شركة التدبير المفوض للنظافة تقوم بواجباتها، لكن الحفاظ على نظافة المدينة مسؤولية جماعية كذلك. لذلك من المهم أن تنظم بعض الجمعيات حملات للنظافة والتشجير داخل الأحياء الشعبية، مع نشر ثقافة المحافظة على نظافة الفضاء العام بين المواطنين، لأن المدن النظيفة تعكس وعي ساكنتها وتحضرها.

ويجب أيضًا العناية بالحدائق بمدينة خريبكة من خلال التشذيب والسقي المستمر، غير أنه من الأفضل مستقبلًا التفكير في غرس الأشجار الظليلة قرب الطرق والشوارع عوض الاقتصار على النخيل، لأن الأشجار توفر الظل، وتحسن جودة الهواء، وتمنح المدينة بعدًا بيئيًا وجماليًا أفضل.

وفي الأحياء الشعبية، يمكن لمكاتب الجمعيات أن تؤدي دورًا اجتماعيًا وتربويًا مهمًا، عبر احتضان الأنشطة الرياضية والثقافية والتكوينية، بما يساهم في إبعاد المراهقين والشباب عن المخدرات والشيشة الإلكترونية ومختلف مظاهر الانحراف. فالتنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان، وجوهر التنمية بمدينة خريبكة هو تنمية الإنسان الخريبكي فكريًا وأخلاقيًا وثقافيًا واجتماعيًا.

ولهذا، فإن على الفاعلين الاجتماعيين والثقافيين الاستمرار في نشر الوعي والمعرفة والتدين الوسطي والثقافة بين مختلف فئات المجتمع، لأن المجتمعات لا تتقدم بالمشاريع المادية فقط، بل أيضًا ببناء الإنسان الواعي والمسؤول.
كما أن خروج الفاعلين الاجتماعيين والثقافيين والسياسيين من منطقة الراحة ضروري لإحداث دينامية حقيقية داخل المدينة والإقليم، لأن التنمية تحتاج إلى مبادرة وحركة وتواصل دائم مع المواطنين، لا إلى الانتظار والصمت والاكتفاء بالمشاهدة.

إن مدينة خريبكة وإقليمها في حاجة إلى مضاعفة جهود جميع الفاعلين الترابيين من أجل تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية حقيقية، خاصة في ظل شعور عدد من السكان بوجود نوع من الإقصاء والتهميش منذ سنوات. كما أن ترشيد الاستهلاك والاكتفاء بشراء الضروريات فقط، في ظل غلاء المعيشة، يعتبر سلوكًا عقلانيًا ومطلوبًا في هذه المرحلة.

ومن الجوانب المضيئة التي ينبغي الحفاظ عليها، ثقافة التضامن والتكافل بين الأغنياء والفقراء داخل المدينة والإقليم، خصوصًا مع اقتراب عيد الأضحى، حيث يمكن للجمعيات أن تقوم بدور الوساطة الاجتماعية لمساعدة الأسر المحتاجة وتعزيز روح التعاون والتكافل داخل المجتمع.

وختامًا، فإن الطريق الصحيح نحو التقدم يبدأ عندما يقوم كل واحد بواجبه بإخلاص؛ المسؤول، والمنتخب، والموظف، والمواطن. فحين تصبح المصلحة العامة فوق المصالح الشخصية، وحين يتم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، مع تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، يمكن لمدينة خريبكة وإقليمها أن يستعيدا مكانتهما ويحققا نهضة تنموية حقيقية تليق بتاريخ المنطقة وإمكاناتها البشرية والطبيعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *