وجهة نظر

الاستقلالية في المحاماة: فضيلة لا ينبغي أن تتحول إلى قطيعة مع الدولة!

الاستقلالية في المحاماة: فضيلة لا ينبغي أن تتحول إلى قطيعة مع الدولة!

تقوم المحاماة في المغرب على فكرة مركزية بسيطة في ظاهرها، عميقة في دلالتها: إنها مهنة حرة، مستقلة، تساعد القضاء، وتساهم في تحقيق العدالة، والمحامي يلتزم في سلوكه المهني بمبادئ الاستقلال والنزاهة والكرامة. هذا التعريف لا يجعل المحامي موظفا تابعا، لكنه في الوقت نفسه لا يخرجه من المنظومة القانونية والمؤسساتية التي تمنح المهنة معناها وشرعيتها.

ومن هنا تبدأ الإشكالية الحقيقية: الاستقلالية، بوصفها ضمانة لحرية الدفاع، لا تعني الانفصال عن الدولة، ولا تعني بناء “مهنة فوق الدولة” أو “بجوارها” على نحو متعالٍ. فالقانون المغربي نفسه يربط المحاماة بأسرة القضاء، ويضع لها إطارا تنظيميا واضحا، ويعدد حالات التنافي مع الوظائف الإدارية والقضائية ومع كل نشاط من شأنه أن يمس استقلال المحامي وطابع المهنة الحر. المعنى هنا واضح: الاستقلال مطلوب، لكن داخل القانون، لا خارجه.

ولهذا، فإن قوة المحاماة لا تقاس بمدى ابتعادها عن الدولة، بل بقدرتها على ممارسة دورها داخل الدولة دون خضوع أو تبعية أو تذويب. فالمحامي ليس خصما للمؤسسات، ولا نقيضا لها، بل أحد أعمدتها حين تمارس الدولة عدالتها في صورتها الدستورية. وإذا تحولت الاستقلالية من ضمانة مهنية إلى خطاب يشي بالقطيعة، فإننا نكون قد انتقلنا من حماية الدفاع إلى صناعة عزلة رمزية لا تخدم المهنة ولا العدالة.

وتزداد حساسية هذا النقاش اليوم مع ما رافق مشروع قانون المهنة من توتر داخل الجسم المهني، حيث حذرت جهات حقوقية من أن الصيغة المطروحة قد تمس باستقلالية المهنة وتفرض مزيدا من التحكم الإداري في شؤونها، في حين لوحت جمعية هيئات المحامين بالمغرب باستقالات جماعية للنقباء احتجاجا على ما اعتبرته مسا بمؤسسة النقيب. هذا التصعيد نفسه يكشف أن النزاع ليس مجرد خلاف تقني حول نص قانوني، بل صراع حول صورة المحاماة وموقعها من الدولة.

لكن هنا بالذات ينبغي الحذر. فحين تتحول لغة الاحتجاج إلى ما يوحي بأن المؤسسات يجب أن تُدار بمنطق الانسحاب أو المواجهة الدائمة، يصبح من المشروع التساؤل: هل ندافع عن الاستقلالية أم نوسعها حتى تلامس فكرة القطيعة؟ وقد كتب النقيب عبد الرحيم الجامعي، في نقده لفكرة الاستقالة الجماعية، أن المحاماة تاريخيا كانت مهنة مقاومة ومعارضة وبناء، لكنها لا تختزل في الانسحاب من المجال المؤسساتي. هذا الموقف يفتح الباب أمام قراءة أكثر توازنا: الدفاع عن المهنة لا يقتضي الهروب من مؤسساتها.

ومن الزوايا التي تكشف هذا الانزلاق المفاهيمي أيضا، الجدل حول التحاق أساتذة القانون بالمحاماة. فبعض الخطاب الرافض لهذا الالتحاق يستند إلى فكرة أن الأستاذ الجامعي، لارتباطه بالمرفق العمومي، لا يملك الدرجة نفسها من الاستقلال التي تؤهل المحامي. وهنا يصبح السؤال أخطر من مجرد تناف مهني: هل صار الانتماء إلى المؤسسة العمومية قرينة على غياب الاستقلال؟ إن الجواب المُتَعَقِّل يجب أن يكون بالنفي، لأن الدولة الحديثة لا تُبنى على الشك في كل من يعمل داخل مؤسساتها، بل على الضمانات التي تحمي استقلاله الوظيفي والأكاديمي والمهني.

اللافت أن هذا الجدل نفسه يكشف مفارقة دقيقة: بعض من يدافعون عن استقلالية المحاماة يرفضون في الوقت ذاته أن يرتبط بها من يعمل داخل مؤسسة عمومية، وكأن الاستقلال لا يتحقق إلا بالابتعاد عن الدولة. وهذا فهم يحتاج إلى مراجعة. فالدولة في النظام الدستوري ليست نقيض الحرية، بل إطارها الحامي. والاستقلال الحقيقي لا يعني رفض الدولة، بل رفض التبعية غير المبررة لأي سلطة قد تؤثر في أداء الدفاع أو في صدقية الرسالة المهنية (ولو كانت سلطة اقتصادية، كالشركات الكبرى التي تتعاقد مع محامين، دون أن يتحدث أحد عن تأثيرها على الاستقلالية!).

لذلك، يمكن صياغة الموقف المتوازن كما يلي: الاستقلالية فضيلة كبرى، لكنها لا تكون فضيلة إلا إذا بقيت في حدودها الطبيعية؛ فإذا تمددت لتصير قطيعة مع الدولة ومؤسساتها، انقلبت من ضمانة للعدالة إلى عنصر توتر داخلها. المحاماة قوية حين تدافع عن حق الدفاع، قوية حين تحافظ على مسافتها المهنية، وقوية أكثر حين تبقى داخل الدولة القانونية لا خارجها.

وخاتمة القول: لا أحد ينازع في أن المحاماة تحتاج إلى استقلال، لكن الاستقلال الذي لا يميز بين التحرر من التبعية وبين رفض المؤسسات قد يتحول إلى شعار جذاب ظاهريا، مُربك عمليا؛ والأصح أن نتمسك باستقلال المحاماة بوصفه شرطا للعدالة، لا بوصفه مدخلا لقطيعة مع الدولة التي تُجسد العدالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *