منتدى العمق

التطبيع العربي الاسرائيلي ضرورة فلسطينية 2/6

الخطأ الأكثر تكرارا في فهم الاستيطان الصهيوني هو التعامل معه كحادثة تاريخية وقعت وانتهت، ثم خلفت وراءها أزمة سياسية قابلة للحل عبر تسوية دبلوماسية أو تبادل أراض أو إقامة دولتين فوق خريطة يتم التفاوض حولها، بينما الحقيقة أن الاستيطان لا يتحرك بمنطق الحدث العابر، وإنما بمنطق البنية التي تعيد إنتاج نفسها كل يوم عبر القانون والمؤسسة والذاكرة، وأحيانا عبر المدرسة والمستشفى والطريق المعبد الذي يخدم المستوطنة ولا يصل إلى القرية الفلسطينية المجاورة، لهذا فإن كل محاولة لفهم القضية الفلسطينية باعتبارها نزاعا حدوديا تنتهي إلى معالجة الأعراض وترك أصل الداء يواصل التمدد بهدوء.

نستحضر هنا الباحث الأسترالي عندما شرح هذه الفكرة وميز بين الاستعمار الكلاسيكي والاستعمار الاستيطاني، فالأول يحتاج إلى السكان الأصليين كقوة عمل وثروة بشرية يمكن استغلالها، أما الثاني فإنه يتحرك بمنطق مختلف يقوم على الإحلال بدل الاستغلال، أي إن وجود المستوطن يكتمل كلما تراجع وجود صاحب الأرض الأصلي، وهذا ما يؤكد أن الاستيطان لا يمكنه أن يتوقف عند لحظة التأسيس الأولى، بل يستمر كمنطق دائم يعيد تشكيل الأرض والديمغرافيا والقانون بما يضمن استمرار الإحلال بشكل متواصل.

فعندما ننزل هذا الفهم على الحالة الفلسطينية تتضح أشياء كثيرة جرى تقديمها للعالم باعتبارها تفاصيل إدارية أو إجراءات أمنية، فقانون العودة الإسرائيلي الذي يمنح أي يهودي في العالم حق الهجرة والحصول على الجنسية فورا، مقابل حرمان الفلسطيني الذي هجر من العودة إلى بيته، يكشف بوضوح كيف يتحرك منطق الإحلال داخل القانون نفسه، زد على ذلك أن المستوطنات في الضفة الغربية لم تكن انحرافا طارئا في مسار السلام كما يروج الإعلام الغربي، بل ضرورة طبيعية لاستمرار نفس المنطق الذي قامت عليه إسرائيل منذ البداية، والتمييز في المياه والطرق والأراضي بين الفلسطيني والمستوطن لا يمكن تفسيره كخلل إداري عابر، بل يعكس الطريقة اليومية التي يعيد بها النظام إنتاج نفسه دون حاجة دائمة إلى الحرب المباشرة.

لهذا فإن اختزال النضال الفلسطيني في المواجهة العسكرية وحدها جعل جزءا كبيرا من المعركة يتحرك خارج دائرة الاشتباك، لأن المقاومة المسلحة تستطيع مواجهة الأداة العسكرية، لكنها لا توقف المنطق الذي يعود للعمل كلما هدأت الجبهات، عبر التخطيط العمراني والقانون والسياسات السكانية وإعادة تشكيل الوعي العالمي، ومن هنا تظهر أهمية الاشتغال على الميدان الذي نجحت إسرائيل في السيطرة عليه لعقود، وهو ميدان السردية والشرعية الأخلاقية داخل الغرب.

فإسرائيل لم تنجح فقط في فرض وجودها العسكري، بل نجحت أيضا في بناء صورة داخل الوعي الغربي تجعلها تبدو كدولة صغيرة تدافع عن حقها في البقاء، بينما جرى تقديم الفلسطيني باعتباره خطرا دائما تحركه الكراهية والعنف، وبهذا الشكل تحولت مفاهيم مثل الاستيطان والاحتلال والتهجير إلى تفاصيل ثانوية داخل خطاب أكبر يقوم على ثنائية الدفاع عن النفس في مواجهة الإرهاب، وهو ما جعل جزءا كبيرا من النضال الفلسطيني عاجزا عن اختراق هذا السقف المعرفي الذي تشكل داخل الغرب على مدار عقود.

من هنا تظهر أهمية الاشتغال على التناقضات الداخلية التي يقوم عليها الخطاب الإسرائيلي نفسه، لأن إسرائيل بنت جزءا كبيرا من شرعيتها على صورة الدولة الديمقراطية الحديثة، لكن ممارساتها اليومية داخل فلسطين تكشف باستمرار التناقض بين هذه الصورة وبين واقع الإقصاء والتمييز والاستيطان، ولهذا فإن المعركة لم تعد فقط معركة أرض أو سلاح، بل أصبحت أيضا معركة تعريف ومعنى، من يملك حق تقديم نفسه كضحية، ومن يملك القدرة على فرض روايته داخل الوعي العالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *