ماذا بقي من روح العيد؟
يأتي عيد الأضحى كل عام محمّلاً بإرث روحي عظيم ،فتتهيأ البيوت لطقسٍ جميل يعيد ترتيب الذاكرة في تفاصيلها الصغيرة، وتنبض الأزقة بالحركة كأنها تستعيد إيقاعها الأول ، وتستعيد البيوت شيئاً من دفئها القديم . غير أنّ سؤالاً ثقيلاً يرافق هذه المناسبة في السنوات الأخيرة: ” ماذا بقي من روح العيد؟ “يتحوّل هذا السؤال إلى تفاصيل الحياة اليومية: الأسواق المكتظة، الوجوه التي أنهكها الغلاء، وعائلات تستقبل العيد مثقلة بالحسابات والهواجس بدل الطمأنينة والسرور.
عرفت المجتمعات الإسلامية عيد الأضحى كموسم للتقارب الإنساني قبل أي معنى آخر. حمل العيد قيمة البذل، وربط الناس بفكرة التضحية النبيلة التي ارتفعت فوق المصلحة الفردية والرغبة العابرة. لذلك ارتبطت الأضحية بمعنى السخاء، وارتبطت الزيارات بصلة الرحم، وارتبطت موائد الطعام بشعور المشاركة. والأسر كانت تستقبل العيد بروح خفيفة، رغم ضيق الحال أحياناً، لأنّ العلاقات الإنسانية منحت المناسبة معناها الحقيقي.
أما اليوم، فقد تمددت الحسابات المادية فوق مساحة واسعة من العيد، حتى صار كثير من الناس يستقبلون المناسبة بشعور القلق أكثر من شعور البهجة. ترتفع أسعار الأضاحي بصورة تلتهم القدرة الشرائية، وتتضاعف المصاريف تحت ضغط اجتماعي قاسٍ، لتتحول المناسبة عند فئات واسعة إلى عبء ثقيل. ويقف المواطن البسيط أمام الأسواق بعينين متعبتين، يقارن بين الرغبة والعجز، وبين قدسية المناسبة وقسوة الواقع.
ويتصدر الشناقة هذا المشهد المضطرب، فيفسدون على الناس فرحة العيد، ويحوّلون المناسبة إلى ساحة للمضاربة والجشع. يدخل الوسطاء بين الفلاح والمشتري، فيرفعون الأسعار دون رحمة، ويستغلون حاجة الناس النفسية والدينية إلى اقتناء الأضحية. ويتعامل كثير منهم مع العيد باعتباره موسماً سريعاً للربح، فتغيب الأخلاق التجارية، وتتراجع قيمة القناعة، ويصبح المواطن الحلقة الأضعف في سلسلة طويلة من الاستغلال.
كان الفلاح قديماً يبيع أضحيته مباشرة في السوق، فتسود علاقة إنسانية بسيطة بين البائع والمشتري. والناس كانوا يعرفون مصدر الأضحية، ويتبادلون الحديث حول التربية والعلف وأحوال الموسم. أما الآن، فقد تمددت شبكة السماسرة، وابتلعت الأسواق الشعبية، وسيطرت على حركة البيع والشراء، حتى صار ثمن الأضحية يرتفع عدة مرات قبل وصولها إلى الأسرة. ويشعر المواطن وسط هذا الزحام أنّ روح العيد تتراجع أمام سطوة المال.
ولا تقف الأزمة عند حدود الأسعار، لأنّ التحول أصاب المعنى الاجتماعي نفسه. فقد كانت الزيارات العائلية تشكّل جوهر العيد النابض، وكانت المجالس العائلية تمنح الناس فرصة لاستعادة روابطهم القديمة. والضحكات كانت تنطلق بعفوية، والأبواب تظل مفتوحة طوال النهار. أما اليوم، فقد تقلّصت مساحة اللقاءات، وحلّت الرسائل السريعة محل الجلسات الطويلة، ودخلت الهواتف إلى قلب المائدة، فتشتت الانتباه، وتراجعت حرارة الحديث الإنساني.
ويشعر كبار السن على وجه الخصوص بوطأة هذا التحول. يجلس الأب أو الجد وسط البيت منتظراً وجوهاً اعتاد حضورها في كل عيد، ثم يكتشف أنّ الزمن أخذ الناس بعيداً نحو انشغالاتهم الخاصة. وتتحول الذاكرة عنده إلى مساحة مزدحمة بصور الماضي؛ أيام كانت العائلة تجتمع حول طبق واحد، وأيام كانت الفرحة تنبع من أشياء صغيرة تحمل صدقاً كبيراً.
كما تبدلت صورة الطفل مع العيد. كان الطفل يرتبط بالأضحية بعلاقة وجدانية خاصة، يرافقها إلى البيت، ويطعمها، ويلعب قربها، ويعيش تفاصيل العيد لحظة بلحظة. أما الآن، فقد جذبت الشاشات انتباهه، واستولت الألعاب الإلكترونية على جزء واسع من عالمه، فتراجعت علاقته الحية بطقوس العيد، وضعفت دهشته القديمة.
وتتحمل وسائل التواصل الاجتماعي نصيباً من هذه الأزمة. لأنها دفعت كثيراً من الناس نحو الاستعراض، وصار بعضهم يتعامل مع العيد كما لو أنه فرصة لعرض المقتنيات والصور ومظاهر الرفاه. وتراجع المعنى الروحي أمام سباق خفي نحو إثبات المكانة الاجتماعية. لذلك فقد العيد جزءاً من عفويته، لأنّ الإنسان صار يفكر أحياناً في نظرة الآخرين أكثر من تفكيره في قيمة المناسبة ذاتها.
ومع كل عيد، يزداد الإحساس بأنّ شيئاً خفياً يتسرّب من هذه المناسبة الكبيرة. فالأضاحي ما تزال تُذبح، والأسواق ما تزال تمتلئ، والتكبير ما يزال يعلو في الصباح، غير أنّ الدفء القديم يبدو أبعد من أي وقت مضى. كأنّ العيد احتفظ بصورته الخارجية، وفقد شيئاً من روحه الداخلية.
في الأزقة القديمة، ما تزال بعض التفاصيل تقاوم هذا التحول؛ جار يطرق باب جاره بطبق ساخن، وأمّ تنتظر أبناءها حول المائدة، وطفل يراقب حركة البيت بفرح بريء. غير أنّ هذه المشاهد نفسها صارت تحمل طابع الذكرى أكثر من طابع العادة، وكأنّ الناس يعيشون بقايا زمن كانت فيه المناسبات تصنع القرب الإنساني تلقائياً.
تشتد قسوة السؤال في عجز أي أحد عن تحديد اللحظة التي بدأ فيها العيد يفقد خفّته القديمة. حدث ذلك بهدوء؛ تحت ضغط الغلاء، وسرعة الحياة، وسطوة الاستهلاك، واتساع المسافات الباردة بين الناس. حتى صار الإنسان يدخل العيد مثقلاً أكثر مما يدخل إليه مطمئناً.
لذلك يبدو السؤال اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل تغيّرت الأعياد فعلاً، أم أنّ الإنسان نفسه هو الذي تغيّر؟
اترك تعليقاً