ثقافة العطاء السياسي في المجتمعات العربية: بين المواطنة والريع
يتّسم الفعل السياسي عمومًا، وفي السياق المغربي على وجه الخصوص، بحالة من التخبط والارتباك، ما أفقده كثيرًا من نُبله كما هو متعارف عليه في الأنظمة الديمقراطية، ليغدو في البيئة العربية فعلًا نفعيًا وصوليًا، تختلط فيه المؤسسات بالقبيلة، والمرجعية الديمقراطية الحداثية بمنطق الولاء والأعيان. ونتيجة لذلك، تفقد المؤسسات السياسية هيبتها التنظيمية، وتتحول – في سياق عربي ما تزال تفصله عن الديمقراطية سنوات عجاف – إلى فضاءات لتوزيع الغنائم تحت غطاء ما يُسمّى بالعطاء السياسي.
ويُقدَّم العطاء السياسي في خطابه الظاهري باعتباره فعلًا تضامنيًا يستجيب للحاجات الاجتماعية، غير أنه في الواقع العربي غالبًا ما يتحول إلى ممارسة ريعية تُعيد إنتاج التبعية السياسية، وتُفرغ مفهوم المواطنة من أبعاده الحقوقية، كما تُفرغ الأحزاب السياسية من مرجعياتها وشعاراتها ومبادئها، في ظل غياب الرقابة القانونية، وضعف الإطار المؤسساتي، وجمود الفعل المدني.
وتفتقد البيئة العربية عمومًا إلى شروط سياسية تعيد للسياسة روحها الأخلاقية، وتبعث فيها أمل التغيير والإصلاح، وهو ما يفتح المجال أمام العطاء السياسي، بمعناه غير الأخلاقي، ليظل حاضرًا في المشهد السياسي ومحرّكًا أساسيًا له. ويستند هذا النمط من العطاء إلى منطق “الهبة” كما صاغه عالم الاجتماع الفرنسي مارسيل موس، بما تحمله من آثار سلطوية ورمزية.
ففي كتابه المرجعي «مقالة في الهبة: شكل وعلّة التبادل في المجتمعات البدائية» (1925)، يفكك موس التصور الأخلاقي الساذج للعطاء، ويؤكد أن كل هبة تتضمن ثلاث التزامات أساسية: العطاء، القبول، والرد. وبذلك، فإن العطاء لا يكون بريئًا أو مجانيًا، بل يؤسس لعلاقة تبادلية غير متكافئة، تُنتج الولاء والتبعية، وتُنشئ دينًا رمزيًا لدى المتلقي، بما يجعل من الهبة التزامًا أخلاقيًا ضمنيًا يقوم على منطق توزيع الامتيازات وفتات الغنائم السياسية.
ومن خلال تتبع طريقة اشتغال بعض الأحزاب السياسية المغربية، وآلياتها في الاستقطاب السياسي، يتضح بشكل ملموس مدى تجذّر منطق الهبة في الفعل السياسي المغربي، حيث بات هذا الأخير وسيلة سهلة لمراكمة الثروة وتوسيع دائرة النفوذ، في سياق يتسم بالتوزيع غير المتكافئ للريع.
ويؤدي هذا النمط من العطاء إلى تفريغ الحقوق الاجتماعية من معناها الأصلي، وتحويلها إلى منح ظرفية ذات طابع إنساني، مما يُكرّس الزبونية السياسية، ويعزز المنطق البراغماتي الشخصي، ويُقوّض ما تضمنه المواطنة من حقوق، بل ويُرسّخ في المخيال الجماعي ثقافة الواجب دون مقابل حقوقي واضح.
فالمواطنة، في جوهرها، تقوم على مبدأ تلازم الحقوق والواجبات، في حين يُؤسس العطاء السياسي لعلاقة إحسانية غير متكافئة، وهو ما يؤدي إلى إضعاف الوعي السياسي، وتحويل الانخراط السياسي إلى فعل مشروط بحجم ونوع العطاء، لا بالمشاركة الحرة والمسؤولة، باعتباره وسيلة لتأمين المستقبل الاجتماعي في ظل الهشاشة الاقتصادية.
وفي ذات السياق، أتذكر حوارًا طريفًا مع أحد الأصدقاء ترك لديّ انطباعًا سلبيًا، دار حول واقع العمل السياسي بالمغرب وسبل تحسينه وأهمية انخراط الشباب فيه. فتوجهت له بالسؤال عما إذا كان سينخرط في حزب سياسي بنفس إصلاحي جديد، فأجابني بنبرة ساخرة تعكس واقعًا متشظيًا وفهمًا عقيما للسياسة، وبعيون حادة كما ينظر الذكي إلى الغبي، أو العالم إلى من يفتقد قليلًا من الإدراك السياسي:
«لن أنخرط إلا مع من سيؤمن لي وظيفة، أجرة، فيلات، وأموال كثيرة…»
تعكس هذه الإجابة ثقافة سلبية وسوداء تجاه الفعل السياسي، وتُعتبر مثالًا على كيفية النظر إلى السياسة كمدخل للبناء غير القانوني للثروة، دون مساءلة أو رقابة. كما أنها توضح الأثر السلبي لمثل هذه الثقافة على بناء الدولة الحديثة بمعناها المؤسساتي، وتعزز من الشخصنة السياسية، مما يحول دون ترسيخ ثقافة سياسية ديمقراطية حقيقية في أذهان الشباب، مع ضرورة تفادي التعميم، خاصة بعد بروز حراك جيل “Z”، الذي أحيى شعلة الأمل لدى بعض فئات الشباب وأعاد إيقاظ نزعة التغيير بداخلهم.
ختامًا، يظل ترسيخ ثقافة المواطنة والمساءلة شرطًا أساسيًا لتكريس الاختيار الديمقراطي في المجتمعات العربية عمومًا، والمغرب على وجه الخصوص. فاستمرار منطق العطاء الريعي يعرقل بناء دولة الحقوق، ويستدعي بالضرورة ردّ الاعتبار للسياسات العمومية، وتجديد الخطاب السياسي بشكل واعٍ ومسؤول، ينسجم مع مبادئ الديمقراطية وقيمها.
اترك تعليقاً