أحمد المعتصم… حين يحكي الحرف سيرة فنان ويصير الجمال مشروع حياة
في مدينةٍ تُشبه القصيدة حين تُتلى على مهل، وتُشبه اللوحة حين تخرج من صمت الألوان إلى دهشة المعنى، تشكّل اسم الفنان أحمد المعتصم كأحد الوجوه التي لم تكتفِ بممارسة الفن، بل جعلت منه مشروعَ حياةٍ وتأملٍ ومعرفة.
وفي الدورة الرابعة من مهرجان ربيع المسرح يونيو 2026، التي اختارت شعار “شباب يبدع ووعي يتجدد”، يبدو تكريم هذا الاسم أشبه بردّ اعتبار لذاكرة جمالية كاملة، نسجت خيوطها بين الخط المغربي، والتشكيل، والتحليل النفسي، والبحث في أسرار الإنسان.
ولد أحمد المعتصم سنة 1960، ومنذ خطواته الأولى بثانوية محمد الخامس، كان واضحًا أن الرجل يسير نحو قدرٍ مختلف. التحق بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة بتطوان، وتخرج منها سنة 1982 متخصصًا في فن التصوير الأكاديمي، قبل أن تستقبله تارودانت سنة 1986، المدينة التي ستتحول لاحقًا إلى مختبره الفني والروحي. هناك، بين الأسوار العتيقة، والأبواب الخمسة، والجامع الكبير، والأزقة الضيقة التي تحفظ صدى الخطى القديمة، أعاد المعتصم اكتشاف ذاته الفنية، لا كرسام فقط، بل كقارئ عميق لروح المكان.
لم يكن حضوره في تارودانت مجرد إقامة مهنية كإطار فني بنيابة التعليم، بل كان انغراسًا كاملاً في تربة المدينة الثقافية. فالرجل الذي كان يعبر أحياء المدينة بدراجته الهوائية، بلكنته الرودانية الهادئة، كان يُشيّد بالتوازي مشروعًا فنيًا متفردًا، ينتقل فيه من التكوين الأكاديمي الكلاسيكي إلى تأسيس رؤية جديدة للخط المغربي، رؤية تنظر إلى الحرف باعتباره كائنًا حيًا، له ذاكرة وإيقاع ونَفَس.
في تلك المرحلة، لم يكتفِ المعتصم بالمعارض الفنية التي افتتحها مسؤولون كبار، من بينهم وزير التربية الوطنية الأسبق الدكتور عز الدين العراقي، بل اختار أن يجعل من الفن خدمةً عمومية أيضًا؛ يدرّس الخط العربي تطوعًا، ويقدّم استشارات فنية لمؤسسات رسمية، ويحوّل الجمال إلى ممارسة يومية داخل الفضاء التربوي والثقافي.
لكن المنعطف الأبرز في مساره، كان إنجازه لوحة إبداعية بخط الطغراء أهديت إلى جلالة الملك محمد السادس، وقدّمت له بالقصر الملكي بالرباط خلال الدروس الحسنية، في لحظةٍ بدت وكأنها تتويج لمسار طويل من الانشغال النادر بالحرف المغربي. لم يكن الأمر مجرد تكريم ملكي لفنان، بل اعترافًا ضمنيًا بأن هذا الرجل استطاع أن يمنح الخط المغربي بعدًا جديدًا، يمزج بين الوقار الجمالي والدقة الروحية.
ولأن الموهبة الحقيقية لا تعترف بالحدود الضيقة للتخصص، امتد اشتغال أحمد المعتصم إلى مجالات قلّما تجتمع في شخص واحد؛ من التحليل النفسي لرسوم الأطفال، إلى دراسة سيكولوجية الألوان، وقراءة التوقيعات والخطوط، وصولاً إلى البحث المقارن في تفسير الأحلام بين ابن سيرين وفرويد. كأن الرجل كان يبحث دائمًا عن المعنى الخفي خلف الصورة، وعن الإنسان المختبئ داخل الحرف.
وحين اشتغل مستشارًا فنيًا للديوان الملكي ووزارة الأوقاف، وأسهم في مراجعة المصحف الحسني المسبع، ثم شارك في الإشراف الفني على المعرض الدولي للكتب المقدسة سنة 2007، كان يؤكد مرة أخرى أن الفن ليس ترفًا بصريًا، بل مسؤولية حضارية ومعرفية.
تكريم أحمد المعتصم اليوم، داخل مهرجان، ربيع المسرح بتارودانت في دورته الرابعة، الذي يحتفي بالشباب وتجدد الوعي، ليس احتفاءً بماضٍ منجز فقط، بل هو أيضًا رسالة للأجيال الجديدة: أن الإبداع الحقيقي لا يولد من الضجيج، بل من الإصغاء العميق للذات، وللمكان، ولتفاصيل الحياة الصغيرة. وأن الفنان الذي يبدأ رحلته من زقاق ضيق في تارودانت، يمكن أن يصل بحروفه إلى القصر الملكي، وأن يجعل من الخط المغربي لغةً للدهشة والوعي معًا
اترك تعليقاً