العيد الذي أفاض الكأس وهز بقوة صورة الحكومة
تحوّلت مناسبة العيد في هذه السنة إلى مرآة حادة كشفت حجم التصدّع الذي أصاب العلاقة بين المواطن والسلطة التنفيذية. فالمشهد الذي عاشته الأسواق حمل قدراً كبيراً من التوتر والاختناق الاجتماعي، إلى درجة شعر معها كثير من المغاربة بأن هذه المناسبة أفاضت الكأس وعرّت أعطاب التدبير السياسي والاقتصادي بصورة غير مسبوقة. المواطن دخل إلى موسم الأضحية مثقلاً بغلاء متواصل، ثم وجد نفسه أمام عرض محدود وأسعار مرهقة وخطاب رسمي عاجز عن تبديد الغضب أو استعادة الثقة.
الأزمة الحالية تحمل دلالة سياسية واجتماعية واسعة. فالمغربي الذي يشتغل طوال السنة من أجل حفظ كرامته شعر بإهانة قاسية أمام مشاهد التدافع والعجز والحيرة. العيد يحمل في الوعي الجماعي قيمة رمزية تتعدى الطقس الديني، لأنه يرتبط بصورة الأسرة والاستقرار والتكافل. لذلك استقبل الناس هذا الاضطراب على أنه مساس مباشر بصورة الحياة الكريمة وبحق الأسرة المغربية في الحفاظ على طقوسها الاجتماعية دون إذلال أو قلق. أي سلطة تفقد القدرة على حماية الرموز الاجتماعية الكبرى تدخل تلقائياً دائرة الغضب الشعبي.
الخطاب الحكومي زاد الوضع تعقيداً. الأرقام المعلنة حول وفرة القطيع اصطدمت بالواقع اليومي في الأسواق، فتعزز الشعور بأن السلطة تتحدث بلغة منفصلة عن حياة الناس. المواطن المعاصر يراقب ويقارن ويستنتج بسرعة، لذلك تراجعت فعالية اللغة الدعائية القديمة. السياسة تحتاج إلى صدق وإلى وضوح وإلى قدرة على الاعتراف بالأخطاء. أما المكابرة فتفتح الباب أمام توسع السخط وفقدان الهيبة المعنوية.
المغاربة خاضوا تجارب سياسية متعددة خلال العقود الأخيرة. تداولت على تدبير الشأن العام حكومات ذات مرجعيات متباينة: اليمين، اليسار، الإسلاميون، رجال الأعمال. النتيجة الاجتماعية بقيت متقاربة في نظر قطاعات واسعة من الشعب: ارتفاع كلفة العيش، تآكل الطبقة الوسطى، اتساع الفوارق، واستمرار الإحساس بالهشاشة. لهذا صار المواطن أقل اهتماماً بالشعارات الإيديولوجية وأكثر ارتباطاً بالنتائج الملموسة في حياته اليومية.
وسط هذا التراكم برز دور المؤسسة الملكية وهي نقطة التوازن الأساسية في البلاد. كثير من المغاربة يرون أن الأوراش الكبرى والمبادرات الاستراتيجية وحضور المغرب الدولي ارتبطت بإرادة ملكية واضحة وبمتابعة دقيقة للشأن الوطني. هذا الإدراك الشعبي يفسر جانباً من استمرار التماسك العام رغم حدة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية. فالناس تبحث عن منطق الدولة المستقرة وعن سلطة تمتلك رؤية طويلة المدى وتحمل إحساساً فعلياً بمصالح المجتمع.
الانتخابات المقبلة تطرح اختباراً حقيقياً أمام الناخب المغربي. الاحتجاج عبر وسائل التواصل أو عبر النقاشات اليومية يظل محدود الأثر ما دام الصندوق الانتخابي يعيد إنتاج الوجوه والسياسات نفسها. العقاب الديمقراطي يشكل الأداة الأنجع لإعادة ترتيب المشهد السياسي وفرض معادلة جديدة تقوم على الكفاءة والصدق وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالشعوب تغيّر أوضاعها عبر الوعي والتنظيم وحسن الاختيار.
ما وقع في هذه المناسبة يكفي لإطلاق مراجعة وطنية صريحة حول معنى المسؤولية السياسية وحدود الصبر الاجتماعي. الدولة تحتاج إلى حكومة تمتلك حساً اجتماعياً عالياً، وتفهم طبيعة التحولات العميقة التي يعيشها المجتمع المغربي. أما الاستخفاف بمعاناة الناس فيحوّل المناسبات الجامعة إلى بؤر غضب، ويترك جروحاً طويلة الأثر في الوعي الجماعي.
اترك تعليقاً