مرصد الجبايات بالمغرب بين التنصيص القانوني وغياب التنزيل
يهدف الإصلاح الجبائي بالمغرب إلى تحقيق التوازن بين متطلبات تمويل المالية العمومية وتشجيع الإستتمار والتنمية الإقتصادية، وقد تعزز مسار هذا الإصلاح الجبائي مع تنظيم المناظرة الوطنية الثالثة حول الجبايات لسنة 2019، يومي 3 و 4 ماي بالصخيرات والتي شكلت بدورها منعطفا لإعادة التفكير في أساس النظام الجبائي بالمغرب، وعلى إتر ذلك صدر القانون الإطار رقم 69.19 المتعلق بالإصلاح الجبائي الذي دخل حيز التنفيد في سنة 2021، بإعتباره مرجع تشريعي يحدد الأهداف الكبرى للإصلاح الجبائي بالمغرب.
وقد جاء قانون الإطار رقم 69.19 لتحديد وتأطير التوجهات الكبرى لإصلاح المنظومة الجبائية بالمغرب، واضعا مجموعة من المباديء والأهذاف الرامية إلى تعزيز العدالة الجبائية وتحسين نجاعة النظام الضريبي، وهذا القانون خصص بابه الرابع لجملة من التدابير الرامية إلى مواكبة هذا الإصلاح وضمان تتبع تنفيده، ومن بين هذه التدابير إحدات مرصد للجبايات الذي نصت عليه المادة 18 من القانون رقم 69.19 بقولها ” تقوم الدولة بإنجاز تقييم دوري للأتار الإجتماعية والإقتصادية المباشرة والغير المباشرة للتدابير الجبائية المنصوص عليها في التشريع الجبائي الجاري به العمل كما تحرص على ضمان توازن المالية العمومية.
ولهذه الغاية تسهر الدولة لاسيما على وضع مرصد للجبايات”.
كما أن هذا القانون رقم 69.19 ميز من خلال المادة 19 منه بين التدابير التي يمكن وضعها داخل أجل خمس سنوات إبتداءا من تاريخ دخول قانون الإطار حيز التنفيد، وبين التدابير التي يمكن وضعها بشكل تدريجي إبتداءا من تاريخ دخول قانون الإطار حيز التنفيد، وهاته التدابير التي يمكن وضعها بشكل تدريجي نجد أن بعضها غير مطبق على أرض الواقع رغم أن القانون رقم 69.19 صدر في سنة 2021 ومن بين هذه التدابير هي إشكالية إحدات مرصد خاص بالجبايات، ورغم التنصيص على مرصد الجبايات ضمن مقتضيات قانون الإطار فإنه لايزال إلى حدود كتابة هذه الأسطر في مرحلة التخطيط ومجرد حبر على ورق، ولم يتم إحداته على أرض الواقع في إنتضار صدور النصوص التشريعية والتنضيمية الكفيلة بتنزيله وإعطائه وجودا مؤسساتيا فعليا.
ويمكن تعريف مرصد الجبايات بأنه مؤسسة لرصد وتحليل المعلومات والقضايا المالية والضريبية، وتقدم تقارير ودراسات دورية لصانعي القرار الجبائي من أجل المساهمة في تحسين السياسات الضريبية وزيادة الشفافية والمسائلة ورصد التهرب الضريبي بكل أنوعه.
وأمام هذه الوضعية تبرز أهمية الإستئناس ببعض التجارب المقارنة التي سبقت إلى إحدات مؤسسات للرصد والتحليل الإقتصادي والجبائي، وذلك من أجل إحدات مرصد الجبايات بالمغرب الأمر الذي يمكن أن يشكل مصدر إلهام في بلورة تصور واضح لمرصد الجبايات المرتقب إحداته بالمغرب.
من كل هذا السياق يمكن طرح إشكالية رئيسية:
إلى أي حد يمكن لإحدات مرصد الجبايات بالمغرب أن يساهم في تحسين حكامة المنظومة الجبائية؟
وإلى أي مدى يمكن الإستفادة من التجارب المقارنة لوضع مرصد خاص للجبايات بالمغرب؟
للإجابة على هذه الإشكالية ارتئينا لتصميم التالي:
أولا: أهمية إحدات مرصد للجبايات بالمغرب.
ثانيا: الإستفادة من التجارب المقارنة لوضع مرصد خاص للجبايات بالمغرب.
أولا: أهمية إحدات مرصد للجبايات بالمغرب.
يشكل مرصد الجبايات إحدى الأليات المستحدتة بموجب المادة 18 من قانون الإطار رقم 69.19 المتعلق بالإصلاح الجبائي، التي لم تخرج إلى حيز الوجود ويمثل وجود مرصد للجبايات بالمغرب نقطة تحول مفصلية في فهم وتحليل الأنضمة الجبائية، وتبرز أهمية إحدات مرصد للجبايات بالمغرب في مجموعة من النقط المهمة من بينها أن المرصد سيقوم بنشر تقارير دورية كباقي المؤسسات العامة التي تساهم في تحسين السياسات الضريبية مما سيرفع من مستوى النقاش العمومي حول الضرائب ومساعدة المواطنين على فهم وتحليل السياسات الجبائية وأترها مما سيزيد من تقوية العلاقة بين الدولة والمجتمع في المجال الجبائي.
كما سيلعب مرصد الجبايات دورا مهما في مكافحة التهرب الضريبي وذلك من خلال مساعدة صانعي القرار والجهات الرقابية على ضبط وتحديد التغرات التي يستغلها المتهربون سواء عل المستوى الوطني أو الدولي حيت يمكن المرصد من إستخدام البيانات والتحليلات الضريبية المشتركة مابين الدول وذلك لمواجهة مختلف التحديات المالية والضريبية العابرة للحدود، بشكل عام مرصد الجبايات يركز على إستخدام البيانات والتحليلات الضريبية العميقة لتحديد مختلف المخاطر التي تهدد النظام الضريبي ورصد الأنشطة الغير المشروعة.
وبما أن مرصد الجبايات لم يتم إحداته بعد في المغرب وإنما تم التنصيص عليه فقط ضمن مقتضيات قانون الإطار رقم 69.19 المتعلق بالإصلاح الجبائي، فإن أفاق إحداته في المستقبل يمكن تصورها في أن هذا المرصد في حال إحداته سيشكل ألية مؤسساتية لتتبع وتقييم السياسات الجبائية بإعتبار أن الدور الرئيسي الذي يمكن أن يضطلع به هو تقييم هذه السياسات الجبائية وتحليل تطور الموارد الضريبية.
وبالتالي فإن إحدات هذا المرصد مستقبلا قد يمثل خطوة مهمة في إتجاه دعم حكامة المنضومة الجبائية ومواكبة أهداف الإصلاح التي جاء بها قانون الإطار رقم 69.19.
ثانيا: الإستفادة من التجارب المقارنة لوضع مرصد خاص بالجبايات بالمغرب.
تعد التجارب الدولية التي سبقت إلى إنشاء مراصد للجبايات نمادج رائدة ساهمت في تحسين المردودية الجبائية والحد من التهرب الضريبي وتدعيم العدالة الجبائية، بحيت يمكن للمغرب أن يستفيد من مختلف التجارب الناجحة في هذا الميدان ومن بين هذه التجارب نجد مرصد الضرائب والتمويل العام بفرنسا بحيت تأسس هذا المرصد في سنة 2012 بفرنسا ويقع مقره بالعاصمة الفرنسية باريس ويتكون هذا المرصد من مجلس للجبايات الإجبارية ويضم 16 عضوا بالإضافة إلى رئيسه، متمثلين في تمانية قضاة أو موضفين مدنيين يتم إنتقائهم من طرف المرصد وذلك لمهاراتهم وخبرتهم في الميدان الجبائي، وتمانية شخصيات مؤهلة يتم إنتقائهم على أساس خبرتهم المهنية.
وتتمثل إختصاصات مرصد الضرائب و التمويل العام بفرنسا في جمع وتحليل المعلومات المتعلقة بالنظام الجبائي الإجباري، إجراء الدراسات والبحوت حول القضايا الجبائية الإجبارية، إقتراح التوصيات بشأن إصلاح النظام الجبائي الفرنسي إصدار دراسات وتقارير دورية تساعد صانعي القرار الجبائي الفرنسي من تحديد السياسات الضريبية الفعالة والعادلة.
كما يتمتع مرصد الضرائب والتمويل العام بفرنسا بإستقلالية في أداء مهامه وذلك من خلال إنتخاب رئيسه من بين أعضائه، وضع نظامه الداخلي الخاص به، الحصول على الموارد المالية الازمة له والتي تساعده على أداء وضائفه بشكل دوري ومستمر.
وفي الأخير يمكن القول أنه لمواكبة ورش الإصلاح الجبائي الذي أرسى دعائمه القانون الإطار رقم 69.19، يجب التعجيل بإحداث مرصد للجبايات بالمغرب وذلك لمواجهة مختلف الإكراهات التي تواجه المنظومة الجبائية بالمغرب وخاصة فيما يتعلق بضعف الوعي الجبائي لدى مجموعة من الملزمين، وإستمرار بعض مظاهر التهرب والغش الضريبي مما يؤتر على مردودية النظام الضريبي و الحد من قدرته على تحقيق العدالة الجبائية، لذلك فإن إحدات هذا المرصد مستقبلا لم يعد مجرد خيار تنظيمي بل أصبح ضرورة مكملة تفرضها متطلبات الإصلاح الجبائي بالمغرب، كما أن الإستفادة من التجارب المقارنة الناجحة لاسيما الأوروبية من شأنها أن تساعد في إحدات نمودج مغربي ناجح ومتطور.
لائحة المراجع:
ظهير شريف رقم 1.21.86 صادر في 15 من ذي الحجة 1442 (26 يوليو 2021) بتنفيد القانون الإطار رقم 69.19 المتعلق بالإصلاح الجبائي.
اترك تعليقاً