زيطان: “نوستالجيا” ينصف المهن الهامشية ويحول الحرفيين إلى شركاء في صناعة الفن
اعتبرت المخرجة المسرحية نعيمة زيطان، أن مشروع “نوستالجيا” الذي يقوده المخرج أمين ناسور لا يندرج ضمن العروض المسرحية التقليدية أو الأعمال التاريخية التي تكتفي باستحضار وقائع من الماضي، بل يمثل تجربة فنية وثقافية متكاملة تسعى إلى إعادة ربط الإنسان المغربي بذاكرته الجماعية وتراثه المشترك، في وقت تتعرض فيه الذاكرة لضغط النسيان وتسارع التحولات الاجتماعية والثقافية.
وأوضحت زيطان، أن خصوصية المشروع تكمن في جمعه بين عدد من التعبيرات الفنية داخل رؤية واحدة، حيث يلتقي المسرح بالموسيقى والرقص والسينوغرافيا، كما تتجاور الحرف التقليدية مع التقنيات الحديثة، في محاولة لتقديم صورة شاملة عن الهوية المغربية بمختلف روافدها الثقافية والحضارية، مشيرة إلى أن هذا التداخل لا يخدم الجانب الجمالي فقط، بل يمنح العمل بعدا ثقافيا أوسع يتجاوز حدود الفرجة المسرحية المعتادة.
وفي قراءتها للتجربة، سجلت زيطان أن “نوستالجيا” يختلف عن عدد من العروض الاحتفالية الكبرى التي عرفها المغرب خلال العقود الماضية، والتي انشغلت بتخليد محطات تاريخية أو تمجيد أحداث وطنية معينة، لأن المشروع -بحسب تعبيرها- لا يكتفي بسرد التاريخ أو إعادة تمثيله أمام الجمهور، وإنما يعيد بناء العلاقة معه داخل الفضاءات التي شهدت أحداثه الأصلية، لتتحول المواقع التاريخية والأثرية من مجرد خلفيات للعرض إلى عناصر فاعلة داخل الحكاية الفنية نفسها.
وأكدت المخرجة المغربية، أن هذه المقاربة تمنح المواقع التاريخية حياة جديدة، بعدما كانت مهددة بالتحول إلى فضاءات جامدة أو أماكن معزولة عن محيطها الإنساني. فمن خلال الفن تستعيد تلك الفضاءات وظيفتها الاجتماعية والثقافية، وتعود لاستقبال الجمهور واحتضان الأنشطة الإبداعية، لتتحول الساحات والأماكن المنسية إلى فضاءات نابضة بالحركة والتفاعل.
وأبرزت زيطان البعد الاجتماعي للمشروع، معتبرة أنه لا يقوم فقط على إنتاج عرض فني ضخم، بل يشتغل أيضا كورش جماعي يجمع طيفا واسعا من الكفاءات والتخصصات. ويشارك في هذه التجربة ممثلون وموسيقيون ومغنون وراقصون وتقنيون وسينوغرافيون وحرفيون وباحثون في مجالات التاريخ والتراث، ما يجعل من “نوستالجيا” مشروعا مفتوحا على مساهمات متعددة تتكامل فيما بينها لإنتاج عمل واحد.
وترى أن من أهم ما تحققه هذه التجربة هو خلق فضاء للتفاعل بين الأجيال، إذ تتيح للشباب فرصة العمل إلى جانب أصحاب التجربة والخبرة، بما يسمح بتبادل المعارف وانتقال المهارات والخبرات الفنية والحرفية من جيل إلى آخر. وبهذا المعنى يصبح الإبداع أداة للمحافظة على الاستمرارية الثقافية، وليس مجرد إنتاج فني مرتبط بلحظة زمنية محددة، وفق تعبيرها.
كما توقفت زيطان، عند المكانة التي يمنحها المشروع للمهن التي غالبا ما تبقى بعيدة عن دائرة الضوء، مشيرة إلى أن الحرفيين والصناع التقليديين والمشتغلين على التفاصيل التقنية والجمالية يتحولون إلى شركاء حقيقيين في صناعة العمل الفني، لأن مساهمة، سواء تعلق الأمر بإنجاز الأزياء أو إعادة إنتاج عناصر معمارية وزخرفية أو استعادة مقاطع موسيقية من التراث، تصبح جزءا من البناء العام للمشروع.
واعتبرت أن أهمية “نوستالجيا” لا ترتبط فقط بما يقدمه من فرجة بصرية، وإنما بقدرته على تعزيز معرفة المغاربة بتاريخهم وتراثهم، لافتة إلى أن المشروع يتيح للجمهور اكتشاف مواقع تاريخية قد لا يكون على دراية بقيمتها أو بدلالاتها الحضارية، وهو ما يحول التجربة الفنية إلى مناسبة للتعلم واكتساب المعرفة إلى جانب بعدها الترفيهي.
وفي السياق نفسه، رأت زيطان أن العمل يقدم تصورا مختلفا لفكرة الوطن، بعيدا عن الاختزال السياسي أو الجغرافي، مضيفة أن الوطن، كما يظهر في “نوستالجيا”، يتجسد من خلال الحكايات والأغاني واللغات والملابس والعمارة والعادات والرموز التي شكلت الذاكرة المشتركة للمغاربة عبر التاريخ، ما يمنح المتفرج فرصة لمعاينة هذا التنوع الثقافي في صورة فنية موحدة.
وتابعت أن التجارب الثقافية الناجحة عبر العالم أثبتت أن حماية التراث لا تقتصر على عمليات الترميم والحفظ، بل تتطلب أيضا إعادة دمجه في الحياة المعاصرة ومنحه وظائف جديدة، مشيرة إلى أن “نوستالجيا” نجح من هذا المنطق في التعامل مع التراث باعتباره مكونا حيا وقادرا على إنتاج المعنى والجمال في الحاضر، وليس مجرد أثر ينتمي إلى الماضي.
وخلصت المخرجة إلى أن “نوستالجيا” يقدم نموذجا ثقافيا يجمع بين الإبداع والتنمية الثقافية، ويقيم جسورا بين الذاكرة والحداثة، وبين التراث ومتطلبات الحاضر.
وتؤكد التجربة -بحسب زيطان- أن المسرح حين ينفتح على المجتمع والتاريخ والمكان يصبح قادرا على أداء أدوار تتجاوز الترفيه، ليشارك في بناء الوعي الجماعي وترسيخ الإحساس بالانتماء.
اترك تعليقاً