المواطنة الواعية وصناعة المستقبل
في زمن تتسارع فيه التحولات وتتزايد فيه التحديات، أصبحت المواطنة الواعية مسؤولية مشتركة بين جميع أفراد المجتمع، ولم يعد الاهتمام بالشأن العام ترفاً فكرياً أو انشغالاً نخبوياً، بل صار ضرورة حضارية تفرضها متطلبات التنمية والتقدم. فالمواطن الإيجابي لا يكتفي بمراقبة الواقع من بعيد، وإنما يسعى إلى فهمه وتحليله والمساهمة في إصلاحه بكل الوسائل المشروعة والمتاحة.
وقد كفل دستور المملكة المغربية لسنة 2011 لكل مواطن الحق في الانتماء السياسي والنقابي، باعتبار ذلك من الحقوق الأساسية التي تمكنه من المشاركة في الحياة العامة والإسهام في بناء الوطن. فالمشاركة الواعية والمسؤولة تعزز الديمقراطية وتقوي المؤسسات وتفتح المجال أمام مختلف الطاقات والكفاءات لخدمة الصالح العام.
ولعل من المعاني العميقة التي تستحق التأمل قول المفكر والسياسي التركي الراحل نجم الدين أربكان: “إذا لم يهتم المسلمون بالسياسة فسيأتي سياسيون لا يهتمون بالدين الإسلامي”. فالمقصود هنا ليس الصراع أو التنازع، وإنما التأكيد على أهمية عدم ترك تدبير الشأن العام للفراغ أو اللامبالاة، لأن القرارات والسياسات العمومية تؤثر بشكل مباشر في حياة الناس ومستقبل الأجيال.
ومن الجميل أن يهتم أفراد الساكنة بقضايا أحيائهم وجماعاتهم وأقاليمهم وجهاتهم ووطنهم، وأن يتابعوا المشاريع التنموية والإصلاحات الكبرى بروح المسؤولية والموضوعية. كما أن من أجمل ما يمكن أن يستثمر فيه الإنسان وقته قراءة الكتب الجيدة والمتقدمة في العلوم السياسية والقانون والجغرافية السياسية وإعداد التراب الوطني والتهيئة الحضرية والبنيات التحتية والتدبير البيئي والحكامة الترابية والتنمية المستدامة، لأن المعرفة هي الأساس الذي تبنى عليه المواقف السليمة والاقتراحات النافعة.
إن قراءة دستور 2011، والاطلاع على النموذج التنموي الجديد، وفهم مبادئ الحكامة الجيدة والجهوية المتقدمة وأهداف التنمية المستدامة، كلها أمور تساهم في تكوين مواطن واع بحقوقه وواجباته، قادر على فهم التحديات الحقيقية التي تواجه بلده، ومؤهل للمساهمة في إيجاد الحلول المناسبة لها.
ومهما تعددت المشاكل التي تعاني منها بعض المدن والقرى والجهات المغربية، فإنها ليست مستحيلة الحل. فالكثير من الإكراهات المرتبطة بالتشغيل أو التعليم أو الصحة أو النقل أو البيئة أو التعمير يمكن معالجتها من خلال التخطيط الجيد، والتدبير الرشيد، وتعبئة الكفاءات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واعتماد المقاربات العلمية والعملية في معالجة القضايا الترابية والتنموية.
كما أن من المداخل الأساسية لبناء مستقبل أفضل العمل على تقنين وتفكيك مختلف مظاهر الفساد والاستبداد أينما وجدت، وترسيخ قيم النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص وسيادة القانون. فالمجتمعات لا تتقدم بالشعارات وحدها، وإنما تتقدم بالمؤسسات القوية، وبالمسؤولية، وباحترام الحقوق، وبالعمل الجاد المتواصل.
إن المرحلة الراهنة تتطلب أن تتحول الساكنة من مجرد متلقية للقرارات إلى قوة اقتراحية حقيقية، تقدم الأفكار والمبادرات والحلول، وتشارك في النقاش العمومي بروح وطنية بناءة. فالوطن لا يبنيه المسؤولون وحدهم، بل تبنيه أيضاً العقول المبدعة والكفاءات العلمية والطاقات الشبابية والفعاليات المدنية والثقافية والدينية والاجتماعية.
ولهذا فإن على الفاعلين الاجتماعيين والثقافيين والدينيين والسياسيين والأكاديميين والخبراء أن يضاعفوا جهودهم في تقديم المقترحات والرؤى والأفكار المتقدمة إلى مختلف الفاعلين الترابيين، بهدف إصلاح الواقع وتطوير القطاعات الحيوية وتحسين جودة الحياة للمواطنين. فكل فكرة نافعة قد تتحول إلى مشروع، وكل مشروع ناجح قد يصبح رافعة للتنمية، وكل مبادرة صادقة قد تفتح آفاقاً جديدة للأمل والتقدم.
إن الأوطان القوية لا تقوم فقط على الموارد والثروات، وإنما تقوم قبل ذلك على الإنسان الواعي، المثقف، المسؤول، المؤمن بقدرة بلده على التقدم، والمستعد للمساهمة في ذلك بالفكر والعمل والاقتراح. وعندما تجتمع الإرادة الصادقة مع العلم النافع والحكامة الجيدة والمشاركة المواطنة الفعالة، يصبح المستقبل أكثر إشراقاً، وتصبح التنمية أقرب إلى الواقع، ويصبح الوطن فضاءً أرحب للكرامة والازدهار والعدالة والإنصاف.
اترك تعليقاً