فاتورة تدهور المحيطات: تهديد لـ174 مليون وظيفة وتوقعات باختفاء 90% من الشعاب المرجانية
كشفت نتائج تقييم شامل يحمل اسم تقييم المحيط العالمي عن وجود تهديدات وجودية تواجه كوكب الأرض نتيجة التدهور المستمر للمحيطات والبحار، حيث حذر التقرير الذي استغرق إعداده خمس سنوات بمشاركة نحو 550 خبيرا يمثلون 86 دولة، من أن العقد القادم سيكون حاسما لإنقاذ مستقبل البشرية الذي يبقى مرهونا باتخاذ تحرك عالمي سريع ومنسق لحماية البيئة البحرية.
وأكدت الوثيقة العلمية المكونة من 1600 صفحة أن المحيط يؤثر يوميا في حياة كل فرد بغض النظر عن مكان إقامته، لكونه يساهم في استقرار المناخ عبر امتصاص الحرارة الزائدة والحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، محذرة من أن غياب هذا التأثير المبرد سيؤدي إلى طقس شديد التطرف يهدد النظم الغذائية وسلاسل الإمداد العالمية وأسواق التأمين، فضلا عن دور المحيط في توفير الأكسجين والأدوية والفوائد الصحية، ودعمه لتريليونات الدولارات في قطاعات التجارة والسياحة والتشغيل.
وأوضح التقرير الدولي أن التوسع الديمغرافي البالغ 8.2 مليار نسمة خلال سنة 2024، والذين يستقر 37 بالمائة منهم على مسافة تقل عن 100 كيلومتر من السواحل، أدى إلى تركز النشاط البشري والاقتصادي في مناطق ساحلية هشة، مما ضاعف من استنزاف الموارد الطبيعية وتدهور الموائل وزيادة تصريف النفايات، بالتزامن مع تصاعد المشاريع في عرض البحر مثل مزارع الرياح والبنية التحتية النفطية وتمديد كابلات قاع البحر التي تغير طبيعة البيئة البحرية بشكل جذري.
وأشار الخبراء في تقييمهم إلى معطيات صادمة تتعلق بالتغير المناخي، حيث تضاعفت وتيرة ارتفاع مستوى سطح البحر بسبب ذوبان الجليد وتمدد المياه من 1.9 مليمتر سنويا قبل سنة 2015 إلى 4.3 مليمتر خلال سنة 2023، في حين سجلت درجات الحرارة في القطب الشمالي ارتفاعا أسرع بأربع مرات مقارنة بالمتوسط العالمي، مع الإشارة إلى أن 16 بالمائة من إجمالي الزيادة في حرارة المحيطات المسجلة منذ سنة 1955 حدثت فقط بعد سنة 2018، وامتداد المناطق الميتة المفتقرة للأكسجين لتغطي مساحة 4.5 مليون كيلومتر مربع.
وأضاف المصدر ذاته أن التنوع البيولوجي يشهد تراجعا مقلقا، إذ فقدت منطقة البحر الكاريبي قرابة 80 بالمائة من شعابها المرجانية منذ سبعينيات القرن الماضي، مع توقعات باختفاء 90 بالمائة من الشعاب المرجانية عالميا في حال تجاوز الاحترار عتبة 1.5 درجة مئوية، فضلا عن الانكماش المستمر لغابات المانغروف والأعشاب البحرية، وهجرة الكائنات من العوالق إلى الثدييات نحو القطبين، وانتشار الأنواع غير الأصلية في ظل التغيرات البيئية الحالية.
وتابع التقييم العالمي رصد مستويات التلوث التي تتزايد باطراد، مسجلا تدفق 52 مليون طن من النفايات البلاستيكية سنويا نحو المحيط، وهو ما ينتج 24 تريليون جسيم من البلاستيك الدقيق الذي يضر بأكثر من 4000 نوع بحري، إلى جانب رصد أكثر من 4000 مركب كيميائي قادم من الأدوية ومواد العناية الشخصية في المياه، رغم تسجيل انخفاض إيجابي ومحدود في نسب بعض الملوثات القديمة مثل الزئبق في مناطق معينة.
وشدد التقرير على حجم التهديدات التي تواجه النظم الغذائية البحرية التي تؤمن 20 بالمائة من البروتين الحيواني العالمي، فبينما تحول الاستزراع المائي إلى صناعة تبلغ قيمتها 90 مليار دولار ويمارس 121 مليون شخص الصيد الترفيهي، تعرض 37 بالمائة من المخزون السمكي للاستنزاف خلال سنة 2021، ناهيك عن الصيد غير القانوني الذي يسحب سنويا ما بين 8 و14 مليون طن محققا أرباحا غير مشروعة تتراوح بين 9 و17 مليار دولار، وذلك في ظل استمرار ضغوط التلوث والأمراض وتغير المناخ.
وسجلت الوثيقة أن اقتصاد المحيط الذي يقدر حاليا بنحو 1.5 تريليون دولار ويتجه لبلوغ 3 تريليونات دولار بحلول سنة 2030 لدعمه 174 مليون وظيفة في السياحة، يواجه تحديات ترتبط باستدامة استخراج النفط والغاز وحركة النقل البحري المسؤولة عن 80 بالمائة من التجارة العالمية والمساهمة في الانبعاثات الحرارية، مبرزة أن الجهود المؤسساتية تواجه تشتتا بسبب وجود 57 معاهدة دولية، في ظل نقص حاد في المعرفة العلمية حيث لم يتم رسم خرائط سوى لنسبة 27 بالمائة من قاع البحر حتى حدود سنة 2025، مما يستوجب إدراج معارف المجتمعات الأصلية لتحقيق تنمية مستدامة وعادلة.
وخلص الخبراء إلى أن الحلول تظل متاحة عبر تبني مناهج معتمدة على الطبيعة وتقليص الانبعاثات وتوسيع الحماية البحرية، غير أنهم نبهوا إلى أن استعادة النظم البيئية بالكامل لن تغطي سوى 2 بالمائة من الأهداف العالمية للتخفيف من آثار المناخ، ما يفرض إحداث تغيير جذري لتفادي انهيار صحة المحيطات، وما سيتبعه من ضرب لاستقرار المناخ والأمن الغذائي ورفاهية مليارات البشر حول العالم.
اترك تعليقاً