وجهة نظر

الخليج: صراع السرديات وبناء الخطابات

الخليج: صراع السرديات وبناء الخطابات

يتابع العالم اليوم كماً هائلا من الاخبار والنقاشات الحادة والمهمة على الهواء حول الحرب على إيران، من خلال حضورها القوي على وسائل الإعلام الدولية والعربية، ويقود هذه النقاشات المفتوحة مختصون وخبراء في العلوم الاستراتيجية، السياسية والاجتماعية وغيرها.

ونلاحظ أن عددا من هذه النقاشات تتخللها بشكل عام إنزياحات واختلالات في الفهم والتحليل نظرا لاختلاف مشارب الناس الأيديولوجية وأهوائهم السياسية، وبالتالي يُخيّم شبح الخطاب السياسي الأمريكي على معظم أجواء هذه النقاشات فتغيب الحيادية، ويطبع هذه النقاشات ميولات نحو الانتصار للرأي السياسي أكثر منه بحثا عن جزء من الحقيقة السياسية المبني على القواعد العلمية والتحليل الرصين. لأن في مثل هذه الأزمات يتعذر بلوغ كل الحقيقة بل فقط جزء منها، أو على الأقل ما أُريدَ لك أن تعرفه.

بالإضافة إلى هذا، يلاحظ أن كماَ كبيرا من هذه الآراء السياسية تشكله السردية الأمريكية المبنية على آليات تحليل لا علاقة لها بالمفاهيم الأصيلة في الفكر العربي والإسلامي كمفهوم الأمة، والوحدة ولا بمفاهيم دينها ومعتقداتها ولا بمصيرها التاريخي. فهي في كل تحليل تعتقده عقلانيا وغير محايد ترتمي بوعي كامل أو بدونه في أحضان سردية أمريكية صرفة ورؤية محكومة بتمثلات قومجية، مذهبية، اجتماعية وإثنية ضيقة تعزز عندها منطق “الأنا” و”الآخر” داخل المجتمع الواحد.

أمام كل هذا المسخ الفكري الذي يضفي بدوره مسخا للمفاهيم تجد معظم هذه الآراء التحليلية لا تتجاوز السردية الوصفية للواقع لتبقى بعيدة عن ملامسة حقيقة الإشكالات البنيوية الخطيرة المتراكمة في منطقة الخليج العربي على الأقل مند ساكس بيكو سنة 1916، أمام ما تقود إليه هذه الحرب من أهوال وتحولات سياسية واجتماعية عميقة في المنطقة ككل. ليبقى النقاش منصبا وموجها مباشرة إلى جلد الذات العربية والإسلامية لاسيما التي تبنت موقف المقاومة وتحميلها كل الأزمات والكوارث التي أصابت الأمة وفي المقابل، تبرير العنجهية الصهيوأمريكية في المنطقة بكل استصغار.

لذلك نستبين من خلال ما سبق، ظهور مرة أخرى على سطح الأحداث صراع خطابين ثقافيين، سياسيين تقليديين لكنهما أساسيين. وقد أطنب في الحديث عن صراعهما المفكر إدوار سعيد في كتابه الاستشراق حين أكد بقوله في أن “الحجة التي أطرحها تقول إننا ما لم نفحص الاستشراق باعتباره لونا من ألوان الخطاب، فلن نتمكن مطلقا من تفحص المبحث البالغ الانتظام، الذي مكن الثقافة والأوروبية من تدبير أمور الشرق -بل وابتداعه- في مجالات السياسة وعلم الاجتماع، وفي المجالات العسكرية، والأيديولوجية …”:

فالخطاب الأول هوياتي يدعو إلى تبني المقاومة كخيار استراتيجي تدبيري لا حياد عنه بدليل قدرته الكبيرة على الابتكار وصد العدوان على غزة مند 07 أكتوبر 2023، وبالتالي إفشال كل محاولاته لفرض واقع الهيمنة والتفوق العسكري، وبعدها في الحرب الحالية على إيران التي صمدت أمام السطوة الصهيوأمريكية على كل المنطقة العربية وأمام أعتى جيوش العالم فأفشلت خططها وبعثرت أهدافها. أما الخطاب الثاني فهو تطبيعي استسلامي واستئصالي للمكون الثقافي والديني لهذه الدول، يسعى إلى إنزال بنود أجندة سياسية تؤمن بالتبعية المطلقة للموكل الأمريكي باعتباره النموذج الذي انتهى عنده التاريخ كما يدعي فوكوياما.

لكن السؤال المستفز دوما للمخيال الجمعي للمجتمعات العربية هو ما الذي يجعل من الخطاب السياسي الأمريكي، على علته التي سبق ذكرها، بالغ أمره في نسج سرديته الخاصة لأزمة إيران المتعددة الأوجه، وقادر على فرضها على المجتمعات العربية بالخليج كما لو أنها سردية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها بل وغير قابلة حتى للمساءلة أو المناقشة لكنها للأسف قابلة للترويج السريع، والاستهلاك العشوائي؟ هل يفقد الخليجيون القدرة على بناء سرديتهم الخاصة بحكم تبعيتهم الكاملة للأمريكان من منطلق نظرية غياتري سبيفاك التي تعتبر أن التابع لا يملك حق التعبير عن نفسه وبالتالي لا أمل في امتلاك سردية خاصة إلا من خلال سردية الغالب؟ وهل ستمكث السردية الأمريكية مهيمنة على الفضاء العام الإعلامي الرسمي في بلدان الخليج لا تضاهيها أية سردية أخرى؟ وحتى إذا تم تبني السردية الامريكية على الوجه الذي سبق وصفه، ألا يمكن أن تكون هناك انتقائية لجزء منها على اعتبار أن لكل سردية نسبتها من البراغماتية السياسية، وأن الاستمرار بقبول هذه السردية كما هي يعني استمرار في الإقصاء السياسي الذاتي؟ ألا يعتبر الخليجيون أن الحروب تقام وتُبنى بسرديتها، لأنها جزء من آليات الحروب وبالتالي إمكانيات الخداع الإعلامي واردة بشكل كبير؟

إن الحقيقة المؤلمة التي تعيشها المنطقة العربية بالخليج اليوم حرب استراتيجية ميدانية وإعلامية بامتياز نظرا لتداخل البناء السردي الإعلامي الحربي بالمعادلات الجيوسياسية. وقد كانت هذه الحرب منتظرة لمن كانت له عين ثاقبة ونظرة استشرافية للأحداث على الأقل مند 7 من اكتوبر 2023، لكن تأجيلها كان استراتيجيا من طرف الإيرانيين وبالتالي فكثرة الحديث عنها في سياق عام، يلغي سهواً أو عمداً أحداث غزة العظيمة المؤسسة لكل هذا السياق التاريخي الجديد بالمنطقة، سيكون مجانبا للتحليل الصحيح وبالتالي نعتقد أن حدث الحرب على غزة ليس بدعا من القول بل القول الحق في أي مقاربة سياسية لحلحلة الوضع في منطقة الشرق الأوسط في الوقت الراهن.

وأمام كل هذه “الفوضى الخلاقة” التي تحدثت عنها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة غونزاليسا رايس تتناسل السرديات الأمريكية بشكل مكثف محافظة على جوهرها من خلال بعدين أساسيين: أولا بُعد الهيمنة العسكرية التي فرضتها أمريكا على دول الخليج العربي من خلال كم هائل من الاتفاقيات الأمنية والعسكرية التي مكنتها ليس فقط من بناء قواعد عسكرية ضخمة في كل المنطقة لاسيما قبالة شواطئ الجزر الإيرانية، بل وحماية دولة الكيان الغاصب وفسح المجال للتطبيع معها. وثانيا بُعد الحصرية الذي يطبع السرديات الواردة من الوكالات الامريكية من مثل اليوناتد برس إنترناشونال، والأسوشيتد بريس وشبكة تلفزية عملاقة مكنتها ليس فقط من الاختراق والسيطرة على السردية المحلية الضعيفة أصلا، بل وتوجيه كل وسائل الاعلام الخليجية في كل وصف وتحليل لما يقع من أحداث هذه الازمة.

هذا الوضع مكن من تشكيل وبناء عقلية خليجية منسلخة بتاتا عن الواقع الخليجي وخلف عندها رعبا من الحقيقة التي ظهر بها الصمود العسكري المفاجئ للإيرانيين. وتحولت بالتالي إلى المرجعية الأساسية في كل محاولة محتملة لفهم ميكانيزمات الأزمة وتفكيكها وصياغتها لتسقط في معضلة السردية المستنسخة. وهكذا تجدُ السرديةُ الخليجية خاصة والعربية عامة نفسَها معتقلة في البعدين السالفين الذكر ولا قدرة لها على صياغة وبناء سردية محلية خالصة مؤطرة وموجهة براغماتيا بسياق إقليمي، عربي وإسلامي ببعدها الهوياتي.

اليوم لا أحد يمكنه التغاضي عن المعادلات السياسية الجديدة في المنطقة. لأن هذه المعادلات مستحدثة اليوم وتخص المنطقة ككل بعدما كان الأمر محصورا فقط في معادلة فلسطين وجنوب لبنان في مواجهة الكيان الغاصب. أما الآن فهي معادلة تكبر وتتدحرج ككومة ثلج تجمع في أحشائها كل دول المنطقة حتى التي كانت منخرطة في مسلسل التطبيع مع الكيان الغاصب ومطمئنة لذلك، لاعتقادها في أمرين: الأول أنه سلوك يستجيب للبراغماتية السياسية وبالتالي لا مانع لديها من الدوران حيث تدور المصالح، والثاني أنها تعتقد بهكذا أسلوب تضمن أمنها واستقرارها السياسي، بل وتضمن حتى الردع العسكري بحكم انخراطها في منظومة دفاعية لوجيستية عسكرية أمريكية داخل أراضيها. أما التي كانت تلعب دور الوسيط السياسي كما لو أنها ليست معنية بشيء من ذلك، أو على الأقل كانت تعتبر نفسها فاعل خير محايد يحل مشاكل الآخرين، تجد نفسها اليوم معدومة الإرادة والقدرة على دفع الأذى عن نفسها، وقد تلقت على أراضيها ضربة من الإسرائيليين استهدفت فريق التفاوض الفلسطيني وقتلت منه قادة سياسيين.

يبدو أن الدول العربية في الخليج ما تزال بعيدة كل البعد عن فهم عمق هذه المعادلات لاسيما المعادلة الايرانية القديمة الجديدة، نظرا للغشاوة التي نسجتها السردية الأمريكية وبعثرت آليات بناء خطاب سياسي هوياتي وذلك لسببن أساسيين:

السبب الأول: رواسب الفكر السلفي المدخلي الذي بنى لدى حكام الخليج لعقود، على الأقل مند نجاح الثورة الإيرانية سنة 1979، قناعة قوامها أن العدو يكمن في الشيعة والإسلاميين (التيار الإخواني) وما دونهم فهم الصديق والأخ حتى ولو كانوا من بني قريضة أو بني النظير. وهذا ما جعل مسلسل التطبيع يسري في دماء وعروق هذه الأنظمة بشكل سلس، فتبلد حسها العقدي والوطني كما لو أنها تناولت مخدرا يفقدها الإحساس بالكينونة.

السبب الثاني: قديم في حضوره وجديد في حركيته وديناميته. وهو ما كانت وما تزال تؤطره النظريات الاستشراقية للألمان والبريطانيين والتي تحدث عنها كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد والتي تكشف كل مرة عن قاعدة استشراقية قوامها أن دولة الشرق المسلمة شيعية كانت أو سنية ليس من حقها أن تبني لها قوة رادعة أو سيادة حقيقية أو استقلالا مكتملا لبناء نظام سياسي منبثق من أصالتها وهويتها وحركة مجتمعاتها. بل الغرب بصفة عامة الذي يقوده المعسكر الصهيوامريكي اليوم هو من له الحق في تحريك كل هذه الدول كما تحرك قطع الشطرنج وفقا لقواعد اللعبة التي وضعتها أميركا سلفا. وبهكذا أسلوب يستمر الخليج بشكل ذاتي في تحجيم طاقته وقدراته على بناء سرديته الخاصة للأحداث من خلال نظرته الحرة ومرجعيته الهوياتية ويكتفي فقط بلعب دور البوق الإعلامي للسردية الامريكية المهيمنة، وبالتالي تتبلد حركته وفعاليته السياسية في التفاعل مع السياقات الجديدة بالخليج وهي للأسف طرف أساسي في المعادلة وليس تابعا لها.

إن الحروب تقام بسرديتها ولا يمكن الحديث عن استقلال جوهري مكتمل الأركان، ولا عن قدرة على امتلاك السيادة الحقيقة داخل أمة مشرذمة كل هذا التشرذم في غياب إرادة حقيقة للتغيير وبناء تصور مستقل أصيل بلغته وبسلوكه منسجم مع مكونات الامة وليس مع خصومها. لذلك من يملك اليوم القدرة على بناء سرديته الخاصة يملك فعلا القدرة على بناء قراراته السيادية والجرأة على الفعل السياسي والعسكري في عالم متعدد الأقطاب يفتح اليوم أبوابه لكل عامل مجتهد وليس لكل خاضع منبطح وتابع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *