وجهة نظر

من الوعود القابلة للتجاوز إلى الالتزامات القابلة للمساءلة.. هل ينجح الليبيون في كسر حلقة المراحل الانتقالية المفتوحة؟

من الوعود القابلة للتجاوز إلى الالتزامات القابلة للمساءلة.. هل ينجح الليبيون في كسر حلقة المراحل الانتقالية المفتوحة؟

أزمة انتقالية بلا أفق
بعد أربعة عشر عامًا من سقوط نظام معمر القذافي، لا تزال ليبيا عالقة في مرحلة انتقالية مفتوحة. فشلت المبادرات السياسية السابقة في نقل السلطة إلى مؤسسات منتخبة، وتعذر إجراء الانتخابات الوطنية المقررة في ديسمبر 2021. تعمق الازدواج المؤسسي ليطال السلطة التنفيذية والمصرف المركزي والمؤسسة العسكرية، فيما تحولت البلاد إلى ساحة تنافس إقليمي واقتصاد موازٍ.

في ديسمبر 2025، أطلقت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا “الحوار المُهيكل”، بمشاركة 120 شخصية تمثل تنوعًا جغرافيًا وسياسيًا واجتماعيًا غير مسبوق (35% نساء، شباب، أشخاص ذوي إعاقة، ومكونات أمازيغ وتبو وطوارق). انقسم المشاركون إلى أربعة مسارات: الحوكمة، الاقتصاد، الأمن، والمصالحة. بعد ستة أشهر، صدر تقرير نهائي بتوصيات تفصيلية وملاحق تنفيذية تهدف إلى تحصين العملية من التعطيل، والانتقال من “الوعود القابلة للتجاوز” إلى “الالتزامات القابلة للمساءلة”.

أولاً: مسار الحوكمة – سلطة تنفيذية بصلاحية محددة
يرى المشاركون أن ازدواجية السلطة التنفيذية هي جوهر الأزمة. يُوصى بتشكيل سلطة تنفيذية واحدة، جديدة، بمهمة حصرية: إدارة المرحلة الانتقالية وتهيئة البيئة لإجراء انتخابات وطنية. مدتها محددة بين 18 و24 شهرًا، غير قابلة للتمديد. يتكون الهيكل من مجلس رئاسي (رئيس ونائبين) و”حكومة استحقاق وطني” (رئيس وثلاثة نواب عن الأقاليم: طرابلس، بنغازي، سبها). تُحدد صلاحيات رئيس المجلس في القيادة العليا للقوات المسلحة، اعتماد الميزانية، وتعيين السفراء وكبار الموظفين بالتنسيق مع رئيس الحكومة، مع إشراف مباشر على وزيري الدفاع والخارجية.

لمواجهة التعطيل، وُضع خياران لتشكيل السلطة: الأول عبر لجنة حوار وفق المادة 64 من اتفاق 2015، والثاني بالرجوع إلى لجنة حوار موسعة. معايير الترشح تشمل الجنسية الليبية، مؤهل جامعي، ألا تقل أعمار الرؤساء والنواب عن 35 عامًا (25 عامًا للوزراء)، وخلو السجل من الأحكام الجنائية، مع تعهد كتابي بعدم الترشح في الانتخابات القادمة.

اللامركزية: يرفض المشاركون الربط بينها وتفكيك الدولة، معتبرين أنها إعادة توزيع للوظائف العامة. يُقترح نهج مزدوج: مسار إصلاحي-تدريجي (تعديل قانون 2012، نقل الاختصاصات، إنشاء صندوق للتوازن المالي، التحول إلى موازنات الأداء) ومسار تحويلي-هيكلي (دسترة اللامركزية، إلغاء وزارة الحكم المحلي، تنظيم الحكم على ثلاثة مستويات: مركزي، إقليمي، محلي)

القاعدة الدستورية المرحلية: تمثل الحل العملي لمعضلة الدستور الدائم. فُصل المساران: إطار دستوري مؤقت (انتخابي) يُحال بعده ملف الدستور الدائم إلى مرحلة لاحقة. ثلاثة خيارات تنفيذية: التوافق داخل المجلسين، تشكيل لجنة حوار موسعة، أو الاستفتاء التحكيمي. “ميثاق الضمانات الوطني الملزم” يحدد قواعد صارمة لمنع التعطيل.

ثانياً: مسار الاقتصاد – تشخيص صادم وإصلاحات موجعة
يصف المشاركون الاقتصاد الليبي بأنه في حالة “انهيار” متسارع. الإنفاق العام التراكمي (2012-2025) تجاوز 1,401 مليار دينار، بينما تراجع الناتج المحلي من 105 إلى 34.5 مليار دولار (2021). الدين العام المحلي تجاوز 303 مليارات دينار (نحو 150% من الناتج المحلي)، وهي نسبة “منطقة خطر حرج” وفق معايير صندوق النقد الدولي. الأسباب: إنفاق خارج الأطر القانونية، غياب ميزانية موحدة، تمويل نقدي غير مباشر. الإنفاق الاستهلاكي (مرتبات ودعم) يستحوذ على 73%، مقابل 11.3% للإنفاق التنموي، مخالفًا بذلك قانون 2000 الذي يلزم بتخصيص 70% للاستثمار. الاعتماد على النفط يتجاوز 98%.

السيناريوهات المتوقعة (2026-2030):
في السيناريو التشاؤمي (زيادة الإنفاق 30%): ركود تضخمي، سعر صرف موازٍ 14.5 دينار/دولار، تضخم 30.3%، فقر 59%. أما الوضع الراهن (إنفاق 250 مليار دينار) فهو يتميز بهشاشة متراكمة، عجز 71.7 مليار دينار، انهيار جزئي للخدمات أما في السيناريو التفاؤلي-التدريجي (خفض 13-16% سنويًا إلى 117 مليار دينار بحلول 2030): فسيشهد البلد استقرار نسبي، تقلص الفجوة السعرية، ميزانية متوازنة.

اما فيما يتعلق بحزمة الإصلاحات فهي تتميز باستعادة وحدة الميزانية، وحوكمة شفافة للنفط وإنهاء نظام المقايضة، مع استعادة الإنتاج إلى 1.4 مليون برميل يوميًا، والتحول إلى اقتصاد متنوع (قانون استثمار جديد، تحرير الطاقة المتجددة، إدماج الاقتصاد غير الرسمي)، التحول من دعم المحروقات (25% من الإنفاق) إلى دعم نقدي مشروط، وزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم. يشترط نجاح الإصلاحات توحيد المؤسسات وتفعيل الشفافية والمساءلة، مع انتقاد غياب البيانات المالية المجمعة منذ 2009، وعدم نشر المؤسسة الليبية للاستثمار قوائمها منذ 2008.

ثالثاً: مسار الأمن والمصالحة
خلص المشاركون إلى أن الإصلاحات مستحيلة في بيئة أمنية منقسمة. الأمن الانتخابي يتطلب توافقًا سياسيًا، قرارًا أمنيًا موحدًا، والتزامًا بقبول النتائج. التوصية الجوهرية: وضع القوى الأمنية تحت قيادة مدنية واحدة منبثقة من السلطة التنفيذية الموحدة. يُوصى بدعم اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) لإخراج القوات الأجنبية والمرتزقة، وتوسيع عضويتها، ووضع خطة وطنية للوساطة والإنذار المبكر، وإقرار “ميثاق شرف وطني” يُجرّم خطاب الكراهية.
توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية يواجه عوائق سياسية (ولاءات شخصية وجهوية، تدخلات خارجية). يُوصى بتوسيع صلاحيات اللجنة 5+5 لتشمل إدماج المجموعات المسلحة، وتوحيد الإطار القانوني (الرتب، التسلسل، الرواتب، الترقية)، وبرامج تدريجية لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR).
المصالحة والعدالة الانتقالية: يُوصى بإنشاء “هيئة مستقلة للإِنصاف والمصالحة”، وإصدار قانون للعدالة الانتقالية يسري اعتبارًا من 1969، ويشمل القتل خارج القانون والتهجير القسري والحرمان من الهوية القانونية، وإنشاء “صندوق تعويض الضحايا” في سرت. معالجة المظالم العقارية عبر مراجعة قوانين نزع الملكية وربط عودة النازحين برد الممتلكات. على صعيد حقوق الإنسان: إدراج ثقافة حقوق الإنسان في المناهج، تأسيس وزارة معنية، ترسيم اللغات الأمازيغية والتبوية والطارقية، كوتا لا تقل عن 35% للمرأة في المجالس المنتخبة.

رابعاً: الضمانات وآلية التنفيذ – عقود ملزمة لا نوايا حسنة
أكبر نقاط ضعف المبادرات السابقة هو غياب آليات تنفيذ رادعة. يتضمن التقرير أربعة ملاحق. (الملحق الأول (مصفوفة تقييم الخيارات الدستورية) يحلل أربعة خيارات: دستور 1951 (فيه قيمة رمزية لكن إحياؤه صعب وفق مختصين)، مشروع 2017 (مكتمل لكنه يفتقر للتوافق المطلوب)، الإعلان الدستوري (قابل للتشغيل لكن غير محصن)، والقاعدة المرحلية (مرنة لكنها تحتاج لشرعية). الخلاصة: “تركيب منهجي” يجمع بين هذه الخيارات. القاعدة الحاكمة: “الخيار الأفضل اليوم ليس الأكثر اكتمالاً على الورق، بل الأكثر قدرة على إخراج ليبيا من المرحلة الانتقالية دون تفجير الخلافات المؤجلة”.
الملحقان الثاني والثالث (ميثاق الضمانات الوطني والميثاق الانتخابي) هما الأكثر ابتكارًا. يبنيان على فكرة “الشرعية مشروطة بالامتثال، والمشاركة لا تعني حق التعطيل”. مجالات الضمانات تشمل: السياسية (منع الإقصاء ومنع الفيتو)، القضائية (غرفة دستورية وانتخابية مؤقتة للفصل العاجل)، الاقتصادية والمالية (منع تحويل المال العام إلى سلاح سياسي، بروتوكول مالي انتخابي)، الأمنية (حظر استخدام السلاح)، وضمانات الهوية والمرأة. آلية التنفيذ تعتمد على “مبدأ الكلفة التصاعدية”: إنذار، مهلة تصحيح، إعلان المخالفة، تعليق المشاركة، إحالة إلى جهات قضائية أو دولية. الخرق الجسيم (تعطيل الانتخابات، رفض النتائج خارج القضاء، أجسام موازية) يؤدي إلى التوصية بسحب الاعتراف السياسي. القاعدة النهائية: “لا شرعية لمن يرفض نتائج انتخابات أُجريت وفق القانون”.

مفارقة الضامن الدولي
يكشف “ميثاق الضمانات” عن كلفة تردد المجتمع الدولي. فالتوصية بإحالة المعرقلين إلى مجلس الأمن لا تصمد أمام اختبار الذاكرة الدولية القصيرة والمتناقضة: كيف يمكن لمجلس الأمن، الذي فشل طوال عقد في فرض عقوبات حاسمة على الأطراف التي عطلت المسارات السابقة، أن يُحدث فارقًا هذه المرة؟ الإرث الثقيل للتدخلات المتضاربة في ليبيا – دعم فصائل على حساب أخرى، التغاضي عن انتهاكات حظر السلاح، الانقسامات داخل “الخمسة الكبار” – يضعف مصداقية أي تهديد دولي.

* باحث في العلاقات الدولية من تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *