منتدى العمق

حين يتكلّم المسجد بلغة الماضي… ومراهق يبحث عن سندٍ قد لا يجده إلا في جمعيات تُعنى بالأسرة

عبد الحي السملالي

بينما كنتُ أتجوّل في ساحة للكتب، استوقفني كتاب موجَّه للمراهقات في فرنسا (L’ABC des filles)، كتابٌ يقدّم لهن ما يحتجن إليه من الألف إلى الياء، بلغة قريبة منهن، وبأدوات تساعدهن على فهم ذواتهن — سواء اتفقنا مع رؤيته في بعض القضايا أم اختلفنا معه —. لحظتها قفز السؤال: ماذا نقدّم نحن لمراهقينا؟

المراهق المسلم في فرنسا يعيش تناقضاً بنيوياً بين ثقافتين نادراً ما تلتقيان: ثقافة البيت التي تحمل الدين والحياء والانتماء، وثقافة المدرسة والشارع التي تحمل الفردانية والحرية المطلقة. هذا التناقض لا يتركه في حيرة بسيطة، بل في شرخ داخلي يطال هويته ولغته وعلاقته بجسده وبالعالم من حوله، ويجعله يعيش في منطقة رمادية لا ينتمي فيها بالكامل إلى أيّ من العالمين.

ورغم وجود مئات الأئمة، فإن الخطاب الديني السائد عاجز عن مرافقة المراهق، ليس بسبب قلّة العدد، بل لأن أغلب الأئمة أبناء تكوين تقليدي لا يملك أدوات علم النفس والتربية، ولا يعرف عالم المدرسة الفرنسية، ولا يفهم التمزّق الثقافي الذي يعيشه الشاب. خطابٌ وعظيّ عموديّ لا يرفعهم ولا يخفّف عنهم، ولا يقدّم للأسرة مفاتيح التعامل مع أبنائها. تخيّل مراهقاً يسأل عن علاقته بجسده، أو عن غرائزه، أو عن مشاعر الخزي التي تزرعها المقارنة بين حرية أصدقائه وقيود بيته، فلا يجد إلا جواباً وعظياً يزيده شعوراً بالذنب.

لهذا يصبح واضحاً أن المسجد وحده لم يعد كافياً، وأننا في حاجة ماسّة إلى جمعيات تُعنى بالأسرة؛ جمعيات محترفة تملك خبرات في علم النفس التربوي والوساطة الأسرية ومرافقة المراهقين، وتستطيع أن ترافق الآباء والأمهات، وتقدّم لهم استشارات تربوية تنطلق من ثقافتهم، وتنسجم في الوقت نفسه مع قوانين وثقافة بلد الإقامة، وتساعدهم في حلّ النزاعات، وتوجّههم في التعامل مع المدرسة والمؤسسات، وتوفّر فضاءات آمنة للمراهقين للتعبير عن أسئلتهم دون خوف أو وصم. هذه الجمعيات ليست بديلاً عن المسجد، بل مكمّلة له، لأن المسجد يقدّم الروحيات، بينما الأسرة تحتاج إلى مؤسسة تُمسك بيدها في تفاصيل الحياة اليومية.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بمراهق ابتعد عن الدين أو أسرة قصّرت في التربية، بل بمنظومة كاملة لم تعد قادرة على مواكبة التحولات العميقة التي يعيشها أبناؤنا بين ثقافتين. خطاب المساجد لم يعد يملك الأدوات لرفعهم، والأسرة لا تستطيع وحدها مواجهة هذا التمزّق اليومي. ولهذا يصبح بناء جمعيات تُعنى بالأسرة ضرورة وجودية، لأنها تمنح الأسرة السند الذي تحتاجه، وتمنح المراهق التوازن الذي يبحث عنه، وتعيد للخطاب الديني صلته بالواقع. وما لم نتحرك اليوم، سنترك جيلاً كاملاً يواجه وحده صراعاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *