وجهة نظر

السياسة والأخلاق أو الأخلاق السياسية في الممارسة السياسية بالمغرب

السياسة والأخلاق أو الأخلاق السياسية في الممارسة السياسية بالمغرب

مقدمة

تُعد العلاقة بين السياسة والأخلاق من أقدم الإشكالات الفكرية التي شغلت الفلاسفة والمفكرين، إذ تطرح باستمرار سؤالاً جوهرياً: هل يمكن ممارسة السياسة وفق المبادئ الأخلاقية، أم أن منطق السلطة والمصالح يفرض قواعد مختلفة؟ وفي الحالة المغربية، يكتسي هذا السؤال أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات السياسية والدستورية التي عرفتها البلاد خلال العقود الأخيرة، وما رافقها من ارتفاع سقف انتظارات المواطنين في مجالات النزاهة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

فبين النصوص الدستورية والقانونية التي تؤكد قيم الحكامة الجيدة، وبين واقع الممارسة السياسية الذي يشهد أحياناً اختلالات مرتبطة بتضارب المصالح والزبونية وضعف الثقة في المؤسسات المنتخبة، تبرز الأخلاق السياسية باعتبارها معياراً أساسياً لتقييم الأداء السياسي وقياس مدى التزام الفاعلين العموميين بخدمة الصالح العام.

أولاً: في مفهوم الأخلاق السياسية

تشير الأخلاق السياسية إلى مجموعة القيم والمبادئ التي ينبغي أن توجه سلوك الفاعلين السياسيين أثناء ممارستهم للسلطة أو تدبير الشأن العام. ومن أبرز هذه القيم:
– النزاهة والشفافية.
– احترام القانون والمؤسسات.
– خدمة المصلحة العامة.
– الصدق مع المواطنين.
– تحمل المسؤولية والمحاسبة.
– احترام المنافسة السياسية الشريفة.
ولا تقتصر الأخلاق السياسية على الخطاب النظري، بل تتجسد في الممارسة اليومية للمسؤولين المنتخبين والأحزاب والإدارة العمومية.

ثانياً: الأخلاق السياسية في المرجعية الدستورية المغربية.

كرس دستور 2011 مجموعة من المبادئ المرتبطة بالأخلاق السياسية والحكامة الجيدة، من بينها:
أولا، ربط المسؤولية بالمحاسبة.
ثانيا، تخليق الحياة العامة.
ثالثا، محاربة الفساد والرشوة.
رابعا، ضمان الشفافية في تدبير المال العام.
خامسا، تعزيز الديمقراطية التشاركية.

كما تم إحداث مؤسسات وهيئات للحكامة والرقابة بهدف تعزيز الثقة في المؤسسات وضمان احترام قواعد النزاهة والشفافية. غير أن وجود النصوص وحده لا يكفي، إذ يبقى التحدي الحقيقي مرتبطاً بمدى تفعيلها على أرض الواقع.

ثالثاً: مظاهر أزمة الأخلاق السياسية في الممارسة المغربية.

رغم التطور المؤسساتي، ما تزال الممارسة السياسية بالمغرب تواجه عدداً من الإشكالات التي تؤثر على صورة العمل السياسي، من أبرزها:

1. ضعف الثقة في الأحزاب السياسية. اذ تشير نسب المشاركة الانتخابية والنقاشات العمومية إلى وجود فجوة بين المواطنين والعديد من التنظيمات الحزبية، نتيجة شعور جزء من الرأي العام بأن بعض الأحزاب تبتعد عن أدوار التأطير والترافع لصالح حسابات انتخابية ضيقة.

2. الترحال السياسي، اذ يُعتبر انتقال بعض المنتخبين بين الأحزاب وفق اعتبارات ظرفية من أكثر الممارسات التي تثير الجدل، لما تطرحه من تساؤلات حول الالتزام بالبرامج السياسية واحترام إرادة الناخبين.

3. تضارب المصالح، حيث تثير بعض الحالات المرتبطة بتداخل المسؤوليات السياسية والاقتصادية نقاشاً متواصلاً حول ضرورة الفصل بين تدبير الشأن العام والمصالح الخاصة.

4. الشعبوية السياسية،

حيث تعرف الساحة السياسية أحياناً انتشار خطابات تعتمد الإثارة والتبسيط المفرط للمشكلات المعقدة، ما يؤثر على جودة النقاش العمومي ويضعف النقاش المبني على البرامج والحلول الواقعية.

5. ضعف المحاسبة السياسية، فرغم وجود آليات قانونية ورقابية، فإن الرأي العام يطالب باستمرار بمزيد من الفعالية في ربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز الثقة في المؤسسات.
رابعاً: تجليات الأخلاق السياسية الإيجابية.

في المقابل، لا يمكن اختزال المشهد السياسي المغربي في مظاهر الاختلال فقط، إذ توجد أيضاً نماذج وممارسات إيجابية، منها:

أولا، تطور آليات الرقابة المالية والإدارية.
ثانيا، توسع دور المجتمع المدني في تتبع السياسات العمومية.
ثالثا، تنامي ثقافة الحق في الحصول على المعلومات.
رابعا، انخراط عدد من المنتخبين والفاعلين السياسيين في مبادرات تنموية محلية ناجحة.
خامسا، تزايد النقاش العمومي حول قضايا النزاهة والحكامة.
هذه المؤشرات تعكس وجود وعي متنامٍ بأهمية الأخلاق السياسية كشرط للتنمية والديمقراطية.
خامساً: نحو إعادة الاعتبار للأخلاق السياسية

إن تعزيز الأخلاق السياسية في المغرب يتطلب العمل على عدة مستويات التالية:
اولا، تقوية الديمقراطية الداخلية للأحزاب.
ثانيا، تعزيز التربية على المواطنة والقيم الديمقراطية.
ثالثا، تفعيل آليات المحاسبة والشفافية.
رابعا، محاربة كل أشكال الفساد والريع السياسي.
خامسا، ربط الترشح للمسؤوليات بالكفاءة والاستحقاق.
سادسا، تطوير الإعلام المهني القادر على مراقبة الأداء العمومي بموضوعية.
سابعا، تشجيع مشاركة الشباب والكفاءات في الحياة السياسية.

ختاما، تبقى الأخلاق السياسية حجر الزاوية في بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات. فنجاح أي مشروع ديمقراطي لا يقاس فقط بوجود الدساتير والقوانين، بل أيضاً بمدى التزام الفاعلين السياسيين بقيم النزاهة والمسؤولية وخدمة الصالح العام. وفي السياق المغربي، يشكل ترسيخ الأخلاق السياسية مدخلاً أساسياً لتعزيز الحكامة الجيدة وتطوير الممارسة الديمقراطية وتحقيق التنمية المنشودة، بما يضمن انتقال السياسة من مجال تدبير المصالح الخاصة إلى فضاء خدمة المصلحة العامة والمواطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *