أدب وفنون

واكريم عن فيلم “بين جوج قبور”: فرنسة الحوارات غيبت الواقعية.. وصورة “المسلم واليهودي” تفتقد للتوازن

أثار الفيلم المغربي الجديد “بين جوج قبور” للمخرج محمد مروازي، نقاشا واسعا داخل الأوساط السينمائية والثقافية عقب عرضه الأول بالمغرب، حيث انقسمت آراء النقاد والمهتمين بين الإشادة بالموضوع الذي يطرحه العمل وبين تسجيل ملاحظات تتعلق بخياراته الفنية والدرامية.

ويعد الفيلم أول تجربة للمخرج مروازي في صنف الشريط الروائي الطويل، الذي اختار الخوض في واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيدا المرتبطة بالهوية والانتماء الديني داخل المجتمع المغربي.

ويندرج هذا العمل ضمن موجة من الإنتاجات السينمائية المغربية التي اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى استحضار الذاكرة اليهودية المغربية والعلاقات التاريخية التي جمعت اليهود والمسلمين عبر قرون، حيث أصبح هذا التوجه حاضرا بشكل لافت في عدد من الأفلام التي وجدت طريقها إلى المهرجانات الوطنية والدولية، في محاولة لإعادة قراءة جوانب من التاريخ الاجتماعي والثقافي للمغرب من خلال لغة السينما.

وتدور أحداث الفيلم، الذي يمتد على مدى 94 دقيقة، حول وفاة رجل يهودي مغربي يدعى “شلومو” داخل منزله بمدينة العرائش في ظروف غامضة تفتح الباب أمام العديد من التساؤلات. غير أن مسار الأحداث لا يركز على ملابسات الوفاة بقدر ما يتجه نحو إشكالية أكثر تعقيدا تتعلق بهوية الراحل الدينية، بعدما تم العثور بجانبه على مؤشرات متناقضة، من بينها مسبحة ونسخة من القرآن الكريم، وهو ما يجعل مسألة دفنه موضوع خلاف بين عدة أطراف.

وتتحول قضية تحديد مكان دفن شلومو إلى محور رئيسي للأحداث، بعدما تجد الشخصيات نفسها أمام سؤال محوري: هل يدفن في المقبرة اليهودية أم في المقبرة الإسلامية؟ ومن خلال هذا الصراع، يفتح الفيلم نقاشا أوسع حول مفاهيم الهوية والانتماء وحدود التصنيفات الدينية، كما يسلط الضوء على التداخلات الإنسانية التي قد تتجاوز أحيانا الانتماءات العقائدية التقليدية.

كما يستثمر العمل هذه الحبكة الدرامية لطرح قضايا مرتبطة بالتعايش داخل المجتمع المغربي، مستحضرا العلاقات التاريخية التي جمعت بين المسلمين واليهود، ومثيرا أسئلة حول الذاكرة المشتركة والوفاء والروابط الإنسانية التي تتشكل خارج منطق الاختلاف الديني.

ويعتمد الفيلم على مقاربة تجمع بين البعد الاجتماعي والرمزي، في محاولة لمناقشة مواضيع ترتبط بالتسامح وقبول الآخر في مجتمع متعدد الروافد الثقافية والحضارية.

ويشارك في بطولة الفيلم عدد من الأسماء المغربية والأجنبية، من بينهم رشيد بدوري، ميشال بوجناح، نيف، جمال العبابسي، عادل أبا تراب وميساء مغربي، بينما حمل السيناريو توقيع ياسين زيزي وعبد اللطيف شوتا، اللذين عملا على بناء قصة تتقاطع فيها الأسئلة الوجودية مع الإشكالات الاجتماعية والدينية.

في المقابل، لم يخل العمل من انتقادات فنية رافقت عرضه الأول. ومن بين أبرز الملاحظات التي أثارها الناقد الفني عبد الكريم واكريم، مسألة اعتماد اللغة الفرنسية بشكل شبه كامل في حوارات الفيلم.

ويرى واكريم، أن هذا الاختيار لم يكن منسجما مع طبيعة عدد من الشخصيات المغربية التي تنتمي إلى أوساط شعبية، معتبرا أن استخدام الفرنسية من طرف الشخصيات اليهودية أو أبنائها يظل مفهوما بحكم السياق الثقافي والاجتماعي، غير أن تعميمها على مختلف الشخصيات أفقد العمل قدرا من المصداقية والواقعية.

وسجل الناقد ذاته، أن عددا من الممثلين المغاربة بدوا في بعض المشاهد وهم يواجهون صعوبة في الأداء بهذه اللغة، الأمر الذي انعكس -بحسب رأيه- على سلاسة الحوار وجودة التمثيل.

وأشار الناقد الفني في قراءته للعمل ضمن برنامجه “سينما واكريم”، إلى أن مثل هذا الخيار كان يستدعي مواكبة لغوية أكثر دقة، من خلال الاستعانة بمدرب متخصص يساعد الممثلين على التحكم في مخارج الكلمات والإيقاع الطبيعي للحوار.

وعلى مستوى المعالجة الدرامية، توقف عبد الكريم واكريم عند ما اعتبره نقطة تثير أكثر من علامة استفهام، خاصة وأن الفيلم يندرج ضمن إطار إنتاج مشترك مغربي كندي.

وأوضح واكريم، أنه خرج بانطباع مفاده وجود نوع من الإصرار والترصد من طرف المخرج وصناع الفيلم لتقديم الشخصيات اليهودية في صورة إيجابية وإنسانية للغاية، حيث تظهر باعتبارها شخصيات خيرة، معطاءة ومتعاطفة، في مقابل رسم عدد من الشخصيات المغربية المسلمة، خصوصا الشعبية منها، بصورة توحي بأنها إما غير متزنة نفسيا أو مدفوعة باعتبارات ومصالح ضيقة.

وأضاف الناقد المغربي، أن بعض الشخصيات المسلمة في الفيلم تبدو منشغلة بتوظيف قضية دفن الراحل بخطاب ديني لتحقيق أهداف ذات طابع انتخابي أو مصلحي، بينما تحظى الشخصيات اليهودية بمعالجة أكثر دفئا وإنسانية، مشدد على أن هذا الاختيار في بناء الشخصيات يخلق نوعا من عدم التوازن على مستوى التمثيل الدرامي، إذ لا تبدو الشخصيات الشعبية المسلمة – بحسب قراءته- في المستوى الإنساني نفسه الذي مُنح للشخصيات اليهودية داخل مسار الأحداث.

وفي سياق متصل، توقف واكريم عند إشكالية أخرى تتعلق بمصادر الكتابة السينمائية في المغرب، مشيرا إلى أن السينما الوطنية لا تزال تستثمر بشكل محدود في الأدب المغربي مقارنة بما هو معمول به في التجارب السينمائية الكبرى عبر العالم.

وأبرز عبد الكريم واكريم، أن العديد من الصناعات السينمائية الرائدة تعتمد بشكل واسع على تحويل الروايات والقصص الأدبية إلى أفلام، وهو ما يتيح الاستفادة من رصيد سردي غني ومجرب، ويساهم في تطوير جودة السيناريوهات وتوسيع آفاق الإبداع السينمائي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *