هندسة جديدة لتجاوز “إرث التعثرات”.. هل تنهي “المجموعات الترابية” معاناة 15 سنة من الانتظار؟
تدخل جهة فاس-مكناس مرحلة جديدة من إصلاح المنظومة الصحية مع الانطلاق الفعلي للمجموعات الصحية الترابية، في سياق يتسم بمحاولة معالجة تراكمات سنوات من تعثر المشاريع الصحية واختلال توزيع الموارد البشرية والتجهيزات بين مختلف أقاليم الجهة.
ويأتي هذا التحول في ظل تحديات كبيرة فرضتها الفوارق المجالية في الولوج إلى الخدمات الصحية، حيث ظلت عدة أقاليم قروية وجبلية تعاني خصاصا في البنيات التحتية والأطر الطبية، مقابل تمركز جزء مهم من الإمكانات الصحية بمحور فاس-مكناس.
تفاوتات مجالية وتراكم المشاريع المتعثرة
وتبرز المؤشرات الميدانية استمرار الفوارق في العرض الصحي بين أقاليم الجهة، إذ يعد إقليم تاونات من أكثر المناطق تضررا بحكم طابعه القروي الذي تتجاوز نسبته 83 في المائة، ما جعل ساكنته تعتمد لسنوات على التنقل نحو المركز الاستشفائي الجامعي بفاس للاستفادة من خدمات صحية متخصصة.
كما يواجه إقليم بولمان، الذي يتميز بطبيعة جغرافية صعبة واتساع المجال الترابي، تحديات مماثلة نتيجة محدودية البنيات الصحية وضعف التأهيل المستمر لمؤسسات الرعاية الأولية. وينطبق الوضع نفسه على عدد من المشاريع الصحية بكل من صفرو ومولاي يعقوب، التي عرفت تأخرا في الإنجاز لسنوات طويلة.
ويعد مشروع مستشفى القرب بمدينة إفران أحد أبرز نماذج المشاريع التي عرفت تعثرا طويلا، بعدما ظل رهين عراقيل إدارية وتمويلية امتدت لنحو 15 سنة قبل أن يتم استكماله وافتتاحه مؤخرا.
ويعكس هذا المشروع حجم الإكراهات التي واجهت تنزيل عدد من الأوراش الصحية بالجهة خلال السنوات الماضية، والتي ساهمت في تأخير تحسين الخدمات الصحية وتقريبها من المواطنين.
ولم تقتصر الاختلالات على الجانب البنيوي، بل شملت أيضا المنظومة المعلوماتية الصحية، حيث أدى غياب الربط والتكامل بين المؤسسات الصحية إلى تعقيد مسار المريض وإعادة عدد من الفحوصات والإجراءات عند الانتقال بين مستويات العلاج المختلفة، وهو ما ساهم في زيادة الضغط على المركز الاستشفائي الجامعي بفاس.
كما استمرت إشكالية استقطاب الأطر الطبية واستقرارها بالمناطق النائية، في ظل توجه عدد من الأطباء نحو القطاع الخاص أو المدن الكبرى بسبب محدودية ظروف العمل والتحفيزات.
إجراءات لتسريع الإصلاح
وفي مواجهة هذه التحديات، شرعت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية في تنفيذ مجموعة من التدابير الرامية إلى تسريع إنجاز المشاريع المتعثرة وتعزيز الموارد البشرية بالجهة.
وشملت هذه الإجراءات استكمال مشروع مستشفى القرب بإفران، والمصادقة على مشروع المستشفى الإقليمي بصفرو، وإطلاق الدراسات التنفيذية الخاصة بمنشآت صحية بمولاي يعقوب، إلى جانب تخصيص استثمارات استعجالية لدعم العرض الصحي بإقليم تاونات.
وعلى مستوى الموارد البشرية، خصصت الوزارة 550 منصباً مالياً لفائدة جهة فاس-مكناس برسم سنة 2025، بهدف تقوية المستشفيات والمؤسسات الصحية التي تعاني خصاصاً في الأطر الطبية والتمريضية.
كما عرفت مناصب مباراة الإقامة بكلية الطب والصيدلة بفاس ارتفاعا ملحوظا، حيث انتقلت من 118 منصباً سنة 2024 إلى 204 مناصب سنة 2026، في خطوة تستهدف تعزيز التكوين الطبي وتوفير أطباء اختصاصيين إضافيين لفائدة الجهة.
انطلاق المجموعة الصحية الترابية
ويأتي انعقاد أول مجلس إدارة للمجموعة الصحية الترابية لجهة فاس-مكناس في إطار تنزيل ورش إصلاح المنظومة الصحية على المستوى الجهوي، بعد إطلاق المجموعات الصحية الترابية بعدد من الجهات الأخرى.
وأكد وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، أن هذه المحطة تمثل مرحلة جديدة في تفعيل الإصلاح الصحي، مشيراً إلى أن جهة فاس-مكناس تواجه تحديات ديمغرافية ومجالية وصحية خاصة، ترتبط بتفاوتات الولوج إلى الخدمات الصحية وخصاص الموارد البشرية في عدد من الأقاليم.
وأوضح الوزير أن الجهود المبذولة خلال المرحلة الماضية مكنت من تسريع إنجاز عدد من المشاريع الصحية المتعثرة وتعزيز الموارد البشرية المتخصصة، مشدداً على أن الهدف الأساسي من إحداث المجموعات الصحية الترابية يتمثل في تغيير نمط التدبير الصحي على المستوى الجهوي وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
أخنوش: نجاح الإصلاح يقاس بأثره على المواطن
من جهته، أكد رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، أن إطلاق المجموعة الصحية الترابية لجهة فاس-مكناس يشكل محطة مؤسساتية مهمة في مسار إصلاح المنظومة الصحية الوطنية، ويمثل انتقالاً فعلياً نحو مرحلة التنفيذ الجهوي للإصلاحات.
وأوضح أخنوش أن نجاح هذا الورش لا يقاس بعدد المؤسسات الصحية أو حجم الاستثمارات المرصودة، بل بمدى انعكاسه على تجربة المواطن داخل المنظومة الصحية، من خلال تحسين الولوج إلى العلاج، وتقليص آجال الانتظار، وتوفير خدمات صحية أكثر جودة وإنصافا.
وأشار رئيس الحكومة إلى أن جهة فاس-مكناس، رغم مكانتها الديمغرافية والجامعية والصحية، ما تزال تواجه تفاوتات مجالية بين المراكز الحضرية والأقاليم القروية والجبلية، ما يفرض اعتماد نموذج تدبير جديد قائم على التكامل بين مختلف مكونات المنظومة الصحية.
وأكد أن المجموعة الصحية الترابية مطالبة بتوحيد مسارات العلاج وضمان التنسيق بين المراكز الصحية والمستشفيات الإقليمية والجهوية والمركز الاستشفائي الجامعي، بما يضمن تكفلاً أكثر نجاعة بالمواطنين.
كما شدد على ضرورة تعزيز قدرات المستشفيات الإقليمية، وتحديث التجهيزات الطبية، وتسريع الرقمنة، وتحقيق عدالة أكبر في توزيع الموارد الصحية بين مختلف مناطق الجهة.
واعتبر أخنوش أن مجلس إدارة المجموعة الصحية الترابية ينبغي أن يتحول إلى آلية فعلية لتوجيه الإصلاح وتتبع تنفيذه، ورصد مكامن الخصاص والاختلالات، وضمان توجيه الموارد وفق الحاجيات الحقيقية للساكنة.
ويرى متابعون أن نجاح تجربة المجموعات الصحية الترابية بجهة فاس-مكناس سيشكل اختبارا حقيقيا لقدرة الإصلاح الصحي على الانتقال من الإطار التشريعي والمؤسساتي إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
ويبقى الرهان الأساسي خلال المرحلة المقبلة مرتبطا بضمان استدامة المشاريع المنجزة، وتحسين ظروف عمل الأطر الصحية، وتعزيز جاذبية المناطق القروية والنائية لاستقطاب الكفاءات الطبية، بما يضمن تقليص الفوارق المجالية وتحقيق العدالة الصحية لفائدة جميع المواطنين.
اترك تعليقاً