“ڭوندافا”.. كيف قلب المخرج علي بنجلون الصورة النمطية للتطرف في السينما المغربية؟
يواصل الفيلم المغربي “ڭوندافا” للمخرج علي بنجلون حضوره في عدد من التظاهرات السينمائية الدولية، بعدما سجل مشاركته في كل من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي والمهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة، قبل أن يحط الرحال أخيرا ضمن برمجة مهرجان روتردام للفيلم العربي، حيث يواصل استقطاب اهتمام النقاد والمتابعين بفضل الموضوع الذي يتناوله والطريقة التي يقارب بها قضايا الهوية والثقافة والتحولات الاجتماعية داخل الوسط القروي.
وفي هذا السياق، أشاد الناقد الفني فؤاد زويريق بالفيلم المغربي “ڭوندافا” للمخرج علي بنجلون، معتبرا أن العمل يشكل انطلاقة واعدة لمخرج شاب يخوض أول تجربة له في الإخراج السينمائي الروائي الطويل.
وقال زويريق، إن الفيلم راق له على المستوى الفني والفكري، مضيفا أن السينما المغربية ربحت من خلاله مخرجا شابا طموحا ومجتهدا، يمكن أن يشكل إضافة نوعية للمشهد السينمائي مستقبلا إذا واصل العمل بنفس الجدية والحماس سواء في مجال الإخراج أو التصوير السينمائي.
واعتبر الناقد، أن “ڭوندافا” من الأعمال المفتوحة على قراءات متعددة، إذ يتيح لكل متلق فرصة مقاربته انطلاقا من خلفيته الفكرية والثقافية، مؤكدا أن اختلاف التأويلات وتباين المواقف من الفيلم يصبان في نهاية المطاف في مصلحة العمل ويمنحانه حياة أطول داخل النقاش العمومي.
وفي قراءته لمضامين الفيلم، توقف الناقد عند اختيار المخرج معالجة قضية التطرف الديني من زاوية مختلفة، موضحا أن الشريط لا يستهدف الدين في حد ذاته بقدر ما يسلط الضوء على الخطاب الديني المتشدد وآليات تأثيره داخل المجتمعات المحلية.
ويبرز ذلك من خلال شخصية فقيه القرية الذي يتحدث العربية وسط مجتمع أمازيغي، في اختيار اعتبره زويريق دالا وذكيا، لأنه يقدم الشخصية باعتبارها عنصرا غريبا عن النسيج الثقافي والاجتماعي للقرية.
وأوضح ذات المتحدث، أن هذا الاختيار يتجاوز الجانب اللغوي ليحمل أبعادا رمزية مرتبطة بطرح الفيلم، إذ يوحي بأن الخطاب المتطرف يأتي من خارج البيئة المحلية ويحاول فرض تصوراته على مجتمع تشكلت هويته عبر قرون من العادات والتقاليد والممارسات الثقافية المتجذرة.
وبحسب الناقد، فإن الرهان الأساسي للفيلم يكمن في تشريح كيفية تسلل هذا الخطاب إلى المجتمعات الهشة أو المعزولة وسعيه إلى إعادة تشكيلها وفق رؤيته الخاصة.

ومن النقاط التي استوقفت زويريق أيضا طريقة بناء شخصية الفقيه، إذ لم يقدمها المخرج في قالب نمطي أو كاريكاتوري كما هو مألوف في عدد من الأعمال السينمائية، بل منحها قدرا كبيرا من الجدية والمصداقية. فالشخصية تستمد قوتها من الشرعية الدينية التي تحملها، ما يجعل تأثيرها أكثر عمقا وقدرة على إثارة الشكوك وإحداث الانقسام داخل المجتمع القروي وحتى داخل الأسرة الواحدة.
وفي هذا السياق، خص الناقد الممثل عبد الرحيم المنياري بإشادة خاصة، معتبرا أن حضوره رغم محدودية عدد المشاهد كان مؤثرا وقويا، وأنه نجح في تجسيد دور مختلف عن الأدوار التي اعتاد الجمهور مشاهدته فيها، مقدما أداء وصفه بالمتميز.

كما لفت زويريق، إلى أن الفيلم قلب بعض الصور النمطية المرتبطة بموضوع التطرف، إذ جعل رجال القرية الفئة الأكثر تأثرا بخطاب الفقيه، بينما ظهر الشباب في موقع المقاومة والدفاع عن الفن والحرية والمكتسبات الثقافية.
ويواكب الشريط أيضا انخراط نساء القرية في مواجهة هذا التحول، حيث يوظفن مختلف الوسائل لإقناع الرجال بالابتعاد عن تأثير الفقيه واستعادة التوازن داخل المجتمع المحلي.

وتنتهي هذه المواجهة، وفق قراءة الناقد، بتمرد جماعي ضد سلطة الفقيه وعزله من القرية بعد سلسلة من الخسائر التي مست مختلف مناحي الحياة. فالتطرف -كما يصوره الفيلم- لا يؤدي فقط إلى التضييق على الفنون، بل ينعكس على الاقتصاد والتعليم والحياة الاجتماعية، إلى درجة تتحول معها القرية إلى فضاء فاقد لروحه قبل أن تستعيد توازنها من جديد.
وعلى المستوى الفني، أكد زويريق، أن أكثر ما جذبه في الفيلم هو قوة الطرح وطريقة تصريفه دراميا عبر سيناريو متماسك وبنية سردية محكمة.
كما سجل حضورا لافتا للفضاء القروي الذي لم يقتصر على كونه خلفية للأحداث، بل تحول إلى عنصر فاعل داخل الحكاية، مشيرا إلى أن علي بنجلون أظهر قدرة واضحة على توظيف المكان ومنحه دورا أساسيا في بناء المعنى.
واعتبر زويريق، أن أداء معظم الممثلين جاء منسجما مع طبيعة الشخصيات التي جسدوها، وهو ما ساهم في تعزيز مصداقية الأحداث وإقناع المتلقي بمسارها الدرامي.
وردا على من يرى أن السينما استنفدت موضوع التطرف الديني ولم تعد في حاجة إلى العودة إليه، شدد زويريق على أن الإبداع الفني غير ملزم بأي أجندة مسبقة، وأن استمرار الظاهرة داخل المجتمع يبرر استمرار مساءلتها سينمائيا.
وأبرز في هذا الإطار أن “ڭوندافا” يقدم مقاربة مختلفة مقارنة بأعمال سابقة، من خلال الإشارة إلى أن التطرف لا ينبع من التربة الثقافية المحلية، بل يأتي محملا بخطاب يدعي الأصالة فيما يقود عمليا إلى اقتلاع الجذور والقطع مع التراث.
وأشار إلى أن قيمة الفيلم تكمن أيضا في بساطة معالجته لهذا الموضوع المعقد، حيث اختار المخرج تقديم أفكاره عبر حكاية قرية صغيرة وسكانها، بعيدا عن الخطابات الأيديولوجية الثقيلة أو الطروحات الفلسفية المباشرة، وهو ما منح العمل قوة إضافية وجعله أكثر قربا من المتلقي.

ويمتد فيلم “ڭوندافا: الأغنية الملعونة” على مدى 96 دقيقة، وتدور أحداثه في إحدى قرى الأطلس الكبير، حيث يتابع قصة ثلاثة شبان يحلمون بتحقيق ذواتهم من خلال الموسيقى والغناء، في مقابل تمسك نساء القرية بالأغاني الجماعية باعتبارها جزءا من الذاكرة الثقافية الأمازيغية.
غير أن وصول إمام متشدد يقلب هذا التوازن ويفتح مواجهة بين دعاة القطع مع بعض الممارسات الثقافية والفنية والمدافعين عن استمرارها باعتبارها جزءا من الهوية المحلية.
ويستند العمل إلى قصة مستوحاة من أحداث واقعية، بحسب ما سبق أن أوضحه المنتج حسن بنجلون، الذي شارك أيضا في كتابة السيناريو إلى جانب نجله علي بنجلون.
ويضم الفيلم مجموعة من الأسماء الفنية المغربية، من بينها فاطمة عاطف وكريمة غيث وعبد الرحيم المنياري، في عمل يراهن على الدفاع عن الحرية الثقافية وصون الخصوصيات المحلية في مواجهة كل أشكال الوصاية والإقصاء.
اترك تعليقاً