منتدى العمق

حين يتحوّل التصوّف إلى مشروع نوعاني: مؤتمر يبحث عن تراث لم يوجد قط

وأنا أُطالع برنامج المؤتمر الدولي للتصوّف النسوي الذي تنظّمه أكاديمية المملكة المغربية، يتبدّى منذ الوهلة الأولى أنّ الإشكال لا يكمن في “الحدث” ذاته، بل في موضوعه وفي الفرضيات التي يقوم عليها. فحين يُقدَّم “التصوف النسائي” بوصفه تراثاً قائماً بذاته، أو نسقاً روحياً له منطقه الخاص، نكون أمام انتقال من الإنصاف التاريخي إلى إعادة هندسة الروحاني، ومن البحث العلمي إلى بناء سردية جاهزة تبحث عن شواهدها. إنّ المؤتمر، كما صيغ موضوعه، لا يطرح سؤالاً معرفياً بقدر ما يقدّم إجابة مسبقة تريد أن تُلبِس التصوف لبوساً نوعانياً، وأن تُعيد تشكيل الذاكرة الروحية وفق منظور معاصر لا يسنده تاريخ ولا نصوص ولا تقاليد صوفية مكتوبة.

وهكذا يصبح “التصوف النسائي” — في الخطاب المؤطِّر للمؤتمر — مفهوماً فضفاضاً، يتأرجح بين التمكين النوعاني والتأويل الإرادوي والروحانيات المعولمة، دون أن يستقرّ على تعريف إبستمولوجي يسمح بدراسته. إنّ تقديم التصوف كـ“باراديغم حضاري” أو “أفق رحمة كونية” أو “ذاكرة نسائية مدفونة” لا يضيف إلى المعرفة شيئاً، بل يفتح الباب أمام إنتاج معنى لا أمام اكتشاف معنى، ويحوّل التجربة الصوفية — التي هي في أصلها تجربة فردية قائمة على المجاهدة والزهد — إلى مشروع خطابي ذي وظيفة رمزية أكثر من كونه موضوعاً علمياً.

إنّ أول ما يثير الانتباه في موضوع المؤتمر هو غياب التأسيس المفهومي. فالتصوف، تاريخياً، لم يُبنَ على ثنائية النوع، ولم يعرف تقسيمات من قبيل “تصوف رجالي” و“تصوف نسائي”. ما يوجد هو أفراد — رجال ونساء — خاضوا تجربة روحية، لا مدارس قائمة على الهوية النوعانية. بناء مؤتمر كامل على فرضية “تصوف بصيغة المؤنث” يعني أنّ النتيجة سبقت السؤال، وأنّ الخطاب يبحث عن أمثلة تُثبت ما تقرّر سلفاً.

ثم يأتي الإشكال المنهجي: فالمؤتمر لا يقدّم تحقيقاً نصياً ولا وثائق تاريخية تُثبت وجود تراث صوفي نسائي مكتوب أو منظّر. بل يعتمد على شذرات متفرقة، وحكايات شفوية، وأسماء متناثرة، ليُشيّد فوقها سردية كبرى عن “ذاكرة نسائية مدفونة”. هذا الانتقال من الوقائع إلى الرموز، ومن النصوص إلى الاستعارات، يجعل موضوع المؤتمر أقرب إلى بناء خطابي منه إلى بحث علمي.

ويزداد الإشكال عمقاً حين يُربط “التصوف النسائي” بالقرآن عبر مفاهيم مثل “المساواة الوجودية” و“الروحانية النسائية”. هنا يتحوّل النص المؤسِّس نفسه إلى مادة طيّعة تُعاد صياغتها وفق رغبة القارئ، لا وفق منطقه الداخلي. إنّ هذا النوع من القراءة يجعل إرادة القارئ تتقدّم على إرادة النص، ويحوّل الوحي إلى مرآة تُعكس عليها مشاريع فكرية جاهزة. وهكذا ننتقل من
herméneutique du texte إلى herméneutique du désir، أي من اكتشاف المعنى إلى إنتاجه.

ولا يمكن إغفال تسييس الروحاني في الخطاب المؤطّر للمؤتمر. فالتصوف يُقدَّم هنا كأداة لإعادة بناء نموذج اجتماعي، أو كأفق إنقاذ للعالم، أو كمنصة لتمكين نوعاني. وهذا كلّه يفرغ التصوف من منطقه الداخلي، ويحوّله إلى مشروع رمزي لا علاقة له بالتجربة الصوفية كما عرفها التاريخ الإسلامي: تجربة فردية، قائمة على المجاهدة، والزهد، والرياضة الروحية، لا على التمثيل ولا على الهوية.

بهذا المعنى، فإنّ موضوع المؤتمر نفسه يحتاج إلى مساءلة قبل الاحتفاء به، لأنّه يقوم على فرضية غير مُبرهَنة، ويستند إلى منهج انتقائي، ويُسقط على التصوف ما ليس فيه، ويحوّل النصوص المؤسسة إلى مرآة تعكس رغبات القارئ لا منطق الوحي. ومن هنا تأتي ضرورة تفكيك هذا الخطاب، لا رفضاً للإنصاف التاريخي، بل دفاعاً عن صرامة المعرفة ونزاهة التأويل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *