أدب وفنون

السينما الفلسطينية في المغرب.. حضور تنافسي لافت وتتويجات كبرى متتالية

شهدت السينما الفلسطينية خلال السنوات الأربع الأخيرة حضورا متصاعدا داخل المهرجانات السينمائية المغربية، سواء من خلال عدد الأفلام المشاركة أو عبر حجم الجوائز التي حصدتها، ما جعلها واحدة من أبرز السينمات العربية الحاضرة في مختلف التظاهرات الوطنية.

ولم يعد هذا الحضور يقتصر على العروض والبرمجة فقط، بل تحول إلى حضور تنافسي قوي تُوج بعدد من أهم الجوائز التي تمنحها المهرجانات المغربية.

ويبرز المهرجان الدولي للفيلم بمراكش باعتباره العنوان الأبرز لهذا الحضور، فالتظاهرة التي تعد أكبر موعد سينمائي في المغرب وأحد أهم المهرجانات على المستوى الدولي، تحولت خلال دوراتها الأخيرة إلى منصة بارزة للأفلام الفلسطينية، سواء من خلال العروض أو التتويجات.

وخلال ثلاث دورات متتالية، لم تغب فلسطين عن المشهد، بل كانت حاضرة بأعمال تركت بصمتها في البرمجة والجوائز على حد سواء.

في دورة 2023، سجل الفيلم الوثائقي “باي باي طبريا” للمخرجة الفلسطينية لينا سوالم واحدا من أبرز حضوره العربي داخل المسابقة الرسمية، قبل أن يتوج بجائزة لجنة التحكيم. واستعاد العمل، الممتد على 82 دقيقة، جزءا من الذاكرة الفلسطينية من خلال حكاية عائلية تنطلق من تجربة الممثلة والمخرجة هيام عباس، لتسلط الضوء على آثار النكبة وما خلفته من جراح ممتدة في حياة أجيال من النساء الفلسطينيات.

أما دورة 2024 فشهدت تتويجا فلسطينيا غير مسبوق بعدما آلت النجمة الذهبية، وهي أعلى جائزة يمنحها المهرجان، إلى فيلم “ينعاد عليكو” للمخرج إسكندر قبطي.

ولم يقتصر نجاح العمل على الجائزة الكبرى، إذ نالت بطلتاه أيضا جائزتي أفضل أداء نسائي، ويقدم الفيلم صورة معاصرة للمجتمع الفلسطيني عبر تقاطع مصائر عدد من الشخصيات التي تواجه أسئلة الهوية والعائلة والعلاقات الإنسانية في واقع معقد ومتشابك.

واستمر الحضور الفلسطيني في دورة 2025 من خلال أكثر من عنوان بارز، فقد احتضنت فقرة “آفاق” فيلم “كان يا ما كان في غزة” للمخرجين التوأمين طرزان وعرب ناصر، وهو عمل يرصد تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين في ظل الاحتلال. كما برمج المهرجان فيلم “صوت هند رجب” للمخرجة كوثر بن هنية، الذي أعاد إلى الواجهة قصة الطفلة الفلسطينية هند رجب التي تحولت إلى رمز إنساني للحرب على غزة.

وفي السياق نفسه، اختير فيلم “فلسطين 36” للمخرجة آن ماري جاسر ضمن العروض الاحتفالية، مستعيدا مرحلة مفصلية من تاريخ فلسطين خلال الثورة الفلسطينية الكبرى سنة 1936.

ولم يقتصر الحضور الفلسطيني على مهرجان مراكش، بل امتد إلى عدد من المواعيد السينمائية المغربية الأخرى. ففي دورة 2024 من مهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط، استقبل الجمهور فيلم “بيت في القدس” للمخرج مؤيد عليان، وهو عمل يروي قصة طفلة تنتقل للعيش في القدس وتكتشف عبر منزلها الجديد جوانب من الذاكرة الفلسطينية المرتبطة بالمكان والهوية.

كما حافظت الأفلام الفلسطينية على حضورها داخل تظاهرات أخرى من قبيل المهرجان الدولي لسينما المؤلف بالرباط ومهرجان الدشيرة السينمائي الدولي، إضافة إلى مشاركات منتظمة في فضاءات الدعم والتطوير السينمائي، ما يعكس اهتماما متزايدا من قبل المنظمين المغاربة بالأعمال القادمة من فلسطين.

وخلال الأشهر الأخيرة فقط، سجلت السينما الفلسطينية ثلاث تتويجات كبرى داخل ثلاثة مهرجانات مغربية مختلفة، في مؤشر واضح على الزخم الذي تعيشه هذه السينما. ففي ماي الماضي، نال فيلم “فلسطين 36” الجائزة الكبرى للدورة الخامسة من المهرجان الدولي للسينما المستقلة بالدار البيضاء، بعدما استعاد مرحلة مفصلية من تاريخ المقاومة الفلسطينية خلال ثورة 1936، عبر معالجة تجمع بين البعد التاريخي والدراما الإنسانية.

وبعد أسابيع قليلة، عاد فيلم “صوت هند رجب” ليتصدر المشهد مجددا إثر فوزه بالجائزة الكبرى للفيلم الروائي الطويل ضمن الدورة السادسة والعشرين من المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة. ويستند العمل إلى واحدة من أكثر القصص إيلاما التي ارتبطت بالحرب على غزة، مقدما شهادة سينمائية حول مصير الطفلة هند رجب وما رافق الحادثة من صدى إنساني واسع.

ولم تمض أيام على هذا التتويج حتى أضاف الفيلم الوثائقي “بلياتشو غزة” للمخرج عبد الرحمان الصباح إنجازا جديدا بحصوله على الجائزة الكبرى للدورة الرابعة عشرة من مهرجان الداخلة السينمائي الدولي. ويوثق الشريط واقع الحياة في قطاع غزة من خلال تتبع يوميات فنان يحاول نشر الأمل وسط ظروف إنسانية قاسية فرضتها الحرب والدمار.

وتعكس هذه النتائج المتتالية مكانة السينما الفلسطينية داخل خارطة المهرجانات المغربية، حيث لم تعد مجرد ضيف دائم على البرمجة، بل أصبحت منافسا رئيسيا على الجوائز الكبرى. كما تكشف حجم التفاعل الذي تحظى به الأعمال الفلسطينية لدى لجان التحكيم والجمهور على حد سواء، بفضل قدرتها على تحويل التجربة الفلسطينية إلى لغة سينمائية إنسانية تجد صداها في مختلف المحافل الثقافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *