وجهة نظر

الهندسة الترابية للمعرفة.. هل تصبح الجامعة أداة لإنتاج الإنصاف؟

تشكل مراجعة هيكلة الخريطة الجامعية العمومية لحظة مهمة في مسار إصلاح التعليم العالي ببلادنا، حيث تعيد إلى الواجهة سؤالاً أعمق من التوزيع الترابي للجامعات، يتعلق بموقع الجامعة داخل المشروع التنموي الوطني، وبقدرتها على مواكبة السياسات العمومية، وتقليص الفوارق المجالية، وتثمين الرأسمال البشري، وربط التكوين والبحث العلمي بحاجيات الجهات والجماعات الترابية.

فالجامعة المغربية توجد اليوم أمام تحولات مركبة يتقدمها ارتفاع الطلب الاجتماعي على التعليم العالي، ضغط الاكتظاظ داخل عدد من المؤسسات الجامعية، استمرار الفوارق بين الجهات، ضعف قابلية تشغيل جزء من الخريجين، وتنامي الحاجة إلى كفاءات قادرة على مواكبة أوراش الجهوية المتقدمة، والرقمنة، والانتقال البيئي، والحماية الاجتماعية، والصناعة، والاستثمار الترابي. ومن ثم، فإن إعادة النظر في الخريطة الجامعية ينبغي أن تكون مدخلاً لإعادة بناء العلاقة بين الجامعة والمجال، وبين المعرفة والتنمية، وبين التكوين والسياسات العمومية.

إن أول رهان تطرحه الخريطة الجامعية الجديدة هو رهان العدالة المجالية. فالفوارق بين الجهات لا تقاس فقط بمستوى البنيات التحتية أو فرص الاستثمار، بل تقاس أيضاً بمدى الولوج إلى المعرفة والتكوين والبحث.

وكلما كان العرض الجامعي مركزياً أو غير متوازن، كلما تعمقت الفوارق بين المجالات، وازدادت كلفة التعليم العالي بالنسبة للأسر والطلبة، خاصة المنحدرين من المناطق البعيدة أو ذات الإمكانات المحدودة. لذلك، فإن تقريب الجامعة من الطلبة يمثل مدخلاً أساسياً لتكافؤ الفرص، شريطة ألا يكون هذا القرب جغرافياً فقط، بل أن يكون قرباً مؤسسياً وبيداغوجياً ومعرفياً قائماً على الجودة والفعالية.

غير أن العدالة المجالية في التعليم العالي لا تعني تعميم نفس التخصصات على جميع الجهات، ولا استنساخ نفس المؤسسات بنفس المنطق في مختلف المجالات الترابية.

فالعدالة لا تتحقق بالتشابه، بل تتحقق بالملاءمة. ولكل جهة خصوصياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والطبيعية، وبالتالي فإن العرض الجامعي ينبغي أن يبنى انطلاقاً من هذه الخصوصيات. فالمجلات الفلاحية تحتاج إلى تكوينات وبحوث في تدبير الماء، الأمن الغذائي، الفلاحة الذكية، الاقتصاد القروي والصناعات التحويلية.

والجهات الصناعية واللوجستيكية تحتاج إلى تخصصات مرتبطة بالهندسة، الرقمنة، الذكاء الاصطناعي، سلاسل القيمة، والتدبير الصناعي. أما الجهات الساحلية والسياحية فتحتاج إلى أقطاب في الاقتصاد الأزرق، السياحة المستدامة، البيئة، وتدبير المجالات الساحلية.

بهذا المعنى، ينبغي الانتقال من منطق الجامعة المتماثلة إلى منطق الجامعة المتخصصة ترابياً. أي جامعة تتفاعل مع مجالها، وتدرس حاجياته، وتنتج معرفة مرتبطة به، وتساهم في حل إشكالاته. وهذا التصور يجد سنده في الأدبيات الحديثة حول الجامعة الترابية واقتصاد المعرفة، التي تؤكد أن الجامعة لا تكون فاعلة إلا عندما تتحول إلى جزء من منظومة الابتكار المحلي، وتربط البحث العلمي بالمقاولة، وبالجماعات الترابية، وبالفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين.

كما أن إعادة النظر في الخريطة الجامعية يمكن أن تساهم في تقليص الهدر الجامعي، إذا تم التعامل معه باعتباره ظاهرة مركبة لا ترتبط فقط بالطالب، بل أيضاً بالمنظومة ككل. فجزء من الهدر الجامعي ناتج عن ضعف التوجيه، وبعد المؤسسات الجامعية، وغياب ملاءمة التكوينات مع حاجيات المحيط، وضعف المواكبة الاجتماعية والبيداغوجية. فالطالب الذي يغادر مجاله الأصلي لمتابعة دراسة بعيداعن أسرته ومحيطه يتحمل أعباء إضافية قد تؤثر في مساره الجامعي. كما أن الطالب الذي يلج تكويناً لا يرى له امتداداً مهنياً واضحاً داخل جهته يفقد الحافز والثقة في جدوى الجامعة.

لذلك، فإن الخريطة الجامعية الجديدة يجب أن ترتبط بسياسة مندمجة لمحاربة الهدر الجامعي، تقوم على تحسين التوجيه، وتطوير المسارات المهنية، وتوفير الدعم الاجتماعي، وتحديث البيداغوجيا، وربط التكوينات بسوق الشغل الجهوي والوطني. ولا يكفي أن نفتح مؤسسة جامعية قريبة من الطالب، بل يجب أن نضمن له داخلها شروط النجاح خاصة التأطير، المختبرات، الرقمنة، والآفاق المهنية والبحثية.

ومن الزاوية الاقتصادية، تمثل الجامعة رافعة أساسية لدعم المقاولة المحلية. فالمقاولة، خاصة الصغيرة والمتوسطة، تحتاج إلى كفاءات مؤهلة، وإلى خبرة تقنية، وإلى بحث تطبيقي يساعدها على الابتكار وتحسين الإنتاجية. وهنا تظهر أهمية إحداث جسور مؤسساتية حقيقية بين الجامعة والنسيج الاقتصادي الجهوي.

فالعلاقة بين الطرفين لا ينبغي أن تختزل في التدريب أو اتفاقيات الشراكة الشكلية، بل يجب أن تتطور نحو شراكات منتجة تشمل البحث التطبيقي، وحاضنات المقاولات، ومراكز الابتكار، ومراصد جهوية لحاجيات التشغيل والتكوين.

إن توطين الكفاءات الجهوية يقتضي أن يشعر الطالب بأن جهته ليست فقط مجالاً للانتماء، بل مجالاً للفرص. فإذا كانت الجامعة قادرة على تكوين كفاءات مرتبطة بحاجيات الجهة، وإذا كانت المقاولة المحلية قادرة على استقبال هذه الكفاءات، وإذا كانت السياسات العمومية الجهوية قادرة على خلق مشاريع تنموية، فإننا نكون أمام دورة إيجابية تساهم في الحد من الهجرة الداخلية نحو المراكز الكبرى، وتدعم التوازن المجالي، وتعزز الثقة في المستقبل المحلي.

كما أن ورش الجهوية المتقدمة يفرض بدوره إعادة تموقع الجامعة داخل المجال الترابي. فالجهات والجماعات الترابية أصبحت مطالبة بإعداد البرامج، وتدبير المشاريع، وتقييم السياسات، وتعبئة الموارد، ومواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية. وهذه المهام تحتاج إلى كفاءات في التدبير العمومي، المالية المحلية، التخطيط الاستراتيجي، تقييم السياسات العمومية، الذكاء الترابي، الحكامة الرقمية، والتنمية المستدامة. ومن ثم، فإن الجامعة مطالبة بأن تكون خزانا للكفاءات والخبرة لفائدة الجهة، لا مجرد مؤسسة تعليمية منعزلة عنها.

وفي هذا الإطار، ينبغي التفكير في إحداث آليات جامعية جهوية لمواكبة السياسات العمومية، مثل مراكز للدراسات الترابية، ومراصد للتشغيل والهدر الجامعي، ومختبرات للبحث في التنمية الجهوية، ووحدات للخبرة موجهة للجماعات الترابية والمقاولات والإدارات اللاممركزة.

فالمطلوب هو أن تصبح الجامعة شريكاً في التشخيص، والاقتراح، والتقييم، لا أن تظل بعيدة عن القرار العمومي.

غير أن نجاح هذا الورش يقتضي الانتباه إلى عدد من المحاذير التنظيمية والبيداغوجية. أول هذه المحاذير هو خطر التوسع الكمي غير المؤطر. فإحداث مؤسسات جامعية جديدة دون موارد بشرية كافية، ودون بنية بحثية، ودون تجهيزات، قد يؤدي إلى إنتاج مؤسسات ضعيفة لا تحقق لا العدالة ولا الجودة. فالعدالة المجالية لا تعني توزيع البنايات، بل توزيع شروط النجاح والجودة والبحث والتأطير.

وثاني هذه المحاذير يتمثل في الخضوع لمنطق الضغط المحلي في إحداث تخصصات ومؤسسات لا تستند إلى دراسات دقيقة للحاجيات. فالخريطة الجامعية ينبغي أن تبنى على معطيات موضوعية: تطور الساكنة الطلابية، حاجيات سوق الشغل، خصوصيات الاقتصاد الجهوي، القدرة الاستيعابية، الموارد البشرية، ومؤشرات الإدماج المهني. أما القرارات التي لا تستند إلى معطيات، فإنها قد تنتج عرضاً جامعياً متضخماً وضعيف الأثر.

من جهة أخرى، لا ينبغي خلق جامعات بسرعتين: جامعات مركزية قوية ومجهزة، وجامعات جهوية ضعيفة ومحدودة التأطير. وهذا الخطر يجب تفاديه من خلال ضمان توزيع عادل للموارد، وتحفيز الأساتذة الباحثين، وتقوية البحث العلمي في الجهات، وربط المؤسسات الجهوية بشبكات وطنية ودولية للتعاون العلمي.

فالجامعة القريبة من الطالب يجب أن تكون أيضاً قريبة من الجودة والبحث والابتكار.

ومن الناحية البيداغوجية، يجب الحذر من اختزال الجامعة في منطق التشغيل المباشر. صحيح أن ملاءمة التكوين مع سوق الشغل ضرورية، لكن الجامعة ليست مركزاً للتكوين المهني فقط. إنها فضاء لبناء الفكر النقدي، وتنمية القدرة على التحليل، وتكوين المواطن، وإنتاج المعرفة. لذلك، فإن التكوينات الجديدة ينبغي أن توازن بين المهنية والعمق الأكاديمي، وبين المهارات العملية والمعرفة النظرية، وبين حاجيات المقاولة وحاجيات المجتمع والدولة.

كما ينبغي أن تكون الخريطة الجامعية الجديدة قابلة للتقييم والتحيين. فالمجالات الترابية تتغير، وحاجيات الاقتصاد تتطور، والسياسات العمومية تعرف تحولات مستمرة. لذلك، لا ينبغي أن تكون الخريطة وثيقة جامدة، بل آلية دينامية تخضع لتقييم دوري بناءً على مؤشرات دقيقة، مثل نسب النجاح، نسب الهدر، الإدماج المهني، جودة البحث، الشراكات، أثر المؤسسة في محيطها، ومساهمتها في التنمية الجهوية.

وعليه، فإن إعادة النظر في الخريطة الجامعية ينبغي أن تندرج ضمن رؤية وطنية متكاملة، تتقاطع فيها سياسة التعليم العالي مع سياسة إعداد التراب، والتشغيل، والاستثمار، والجهوية، والبحث العلمي. فنجاح هذا الورش يتوقف على قدرته على تجاوز منطق التوزيع الإداري نحو منطق الهندسة الترابية للمعرفة. أي أن تصبح الجامعة أداة لإنتاج الإنصاف، ورافعة لتوطين الكفاءات، ومصدراً للخبرة، وشريكاً في بناء السياسات العمومية.

وفي النهاية، فإن السؤال الذي يجب أن يوجه هذا الإصلاح ليس فقط: أين نحدث مؤسسة جامعية جديدة؟ بل: ماذا ستضيف هذه المؤسسة إلى مجالها؟ وكيف ستخدم الطالب، والمقاولة، والجهة، والدولة؟ وكيف ستساهم في بناء مغرب أكثر إنصافاً وتوازناً وقدرة على تحويل المعرفة إلى تنمية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *