منتدى العمق

الاقتراع بين ذاكرة الخيبة ووهم الخلاص

ثمة سؤال يطارد الحياة العامة في المغرب منذ عقود طويلة، سؤال يتردد في المقاهي والأسواق ووسائل النقل والبيوت قبل أن يبلغ مقرات الأحزاب وقاعات المؤتمرات: ما الذي يدفع مواطناً راكم تجارب مريرة مع الانتخابات إلى أن يعود مرة أخرى نحو صندوق الاقتراع بنفس الحماسة التي تطلبها الديمقراطية؟

السؤال في جوهره سياسي، لكنه يحمل أبعاداً نفسية وأخلاقية وثقافية. فالإنسان الذي يمنح صوته يبحث عن معنى للمشاركة، ويبحث كذلك عن أثر ملموس يربط الفعل بالنتيجة. أما حين تتراكم الخيبات فوق الخيبات، فإن العلاقة بين الناخب والمؤسسات تتحول إلى علاقة باردة يغلب عليها الارتياب ويتراجع فيها الأمل.

المعضلة الكبرى لا ترتبط بالأشخاص وحدهم، ولا بالأحزاب وحدها، ولا بالإدارة وحدها. المعضلة تشكلت عبر مسار طويل رسخ في الوعي الجماعي قناعة مؤداها أن اللعبة السياسية تدور في دائرة مغلقة، وأن الوجوه تتغير بينما تبقى قواعد الاشتغال نفسها عصية على التحول العميق. لذلك صار كثير من المواطنين يتابعون المواسم الانتخابية بعين المتفرج أكثر من عين الشريك.

عند اقتراب أي استحقاق انتخابي تنطلق ماكينة الخطاب السياسي بكامل طاقتها. تتكاثر الشعارات، وتتسع الوعود، وتتحول المنصات إلى فضاءات للإغراء الرمزي. يتحدث الجميع عن التنمية والعدالة والكرامة والفرص الاقتصادية وإصلاح التعليم والصحة. غير أن كثافة الوعود نفسها تطرح إشكالاً حقيقياً؛ فالتشابه بين البرامج يخلق حالة من الضبابية تجعل الناخب عاجزاً عن التمييز بين مشروع وآخر. الكلمات نفسها تتكرر بصيغ مختلفة، والنتيجة واحدة: تضخم لغوي يقابله انكماش في الثقة.

الأمر لا يتعلق بضعف الخيال السياسي فحسب، وإنما يرتبط أيضاً بطبيعة الثقافة الحزبية التي اعتادت توسيع حضورها الخطابي على حساب ترسيخ تقاليد المساءلة. فالناخب لا يحتاج إلى قصائد جديدة عن المستقبل، وإنما يحتاج إلى حصيلة قابلة للفحص وإلى تعاقد أخلاقي يحترم الذاكرة الجماعية للمجتمع.

تزداد الأزمة تعقيداً مع صعود نمط خاص من الفاعلين السياسيين، نمط يجد طريقه إلى مواقع التمثيل عبر شبكات النفوذ والقرابة والعلاقات المتوارثة. هنا تتراجع فكرة الاستحقاق لصالح منطق الامتداد العائلي أو المالي أو الاجتماعي. ويشعر المواطن أن المجال العمومي تحول إلى نادٍ مغلق تتداول داخله الأسماء نفسها بأقنعة مختلفة. لذلك تتسع الهوة بين الخطاب الذي يحتفي بالمشاركة وبين واقع يبعث على العزوف.

الأخطر من ذلك أن الانتخابات فقدت في نظر شرائح واسعة وظيفتها التربوية. ففي التجارب الديمقراطية الراسخة تشكل الانتخابات مدرسة للمواطنة، يتعلم المواطن عبرها قيمة الاختيار وقيمة المحاسبة. أما حين تغيب الصلة بين الوعد والإنجاز، فإن العملية برمتها تفقد قدرتها على إنتاج الثقة. يتحول التصويت إلى طقس دوري يستهلك الوقت والمال والصخب الإعلامي دون أن يترك أثراً عميقاً في حياة الناس.
الطبقة السياسية تتحمل قسطاً كبيراً من المسؤولية عن هذا الوضع. فقد اعتادت قطاعات واسعة منها مخاطبة المواطن أثناء الحملات الانتخابية فقط. أما بعد إعلان النتائج فتدخل العلاقة مرحلة من الجمود الطويل. يختفي المنتخب من المشهد اليومي، وتتوارى التزامات الحملة خلف جدران المؤسسات. ومن الطبيعي أن يطرح المواطن سؤالاً قاسياً: إذا كانت الصلة تنقطع فور الوصول إلى المقعد، فما القيمة الفعلية لذلك الصوت الذي وضعه في الصندوق؟

مع ذلك، فإن اختزال المشهد في صورة قاتمة بالكامل يفضي إلى نتيجة خطيرة. فالعزوف الشامل يفتح الباب أمام الفاعلين الأكثر قدرة على استغلال الفراغ. السياسة بطبيعتها لا تعرف المناطق الخالية؛ فإذا انسحب المواطن الواعي من المجال العام، وجد أصحاب المصالح الضيقة مساحة أوسع للتحرك. لذلك فإن الاحتجاج على رداءة الممارسة شيء، والتخلي عن حق التأثير شيء آخر.

الحاجة اليوم تتجه نحو إعادة تعريف الثقة السياسية على أسس جديدة. الثقة لا تولد من الخطب الرنانة، ولا من الصور الدعائية، ولا من الحضور الموسمي في المناسبات. الثقة تنشأ من الشفافية، ومن نشر المعطيات، ومن تقديم الحصيلة بلغة الأرقام، ومن فتح قنوات دائمة للتواصل مع المواطنين. الثقة كذلك ثمرة تراكم طويل يتطلب عملاً يومياً متواصلاً، فيما تبقى المهرجانات الانتخابية عنصراً هامشياً في بنائه.

المغرب يعيش تحولات اجتماعية وثقافية عميقة. أجيال جديدة دخلت الفضاء العمومي وهي أكثر اطلاعاً وقدرة على المقارنة والمساءلة. هذه الأجيال تملك أدوات مختلفة للحكم على الفاعلين السياسيين. لذلك فإن الأساليب التقليدية في استمالة الناخب فقدت جزءاً كبيراً من فعاليتها. المواطن المعاصر يبحث عن المصداقية قبل البلاغة، وعن الإنجاز قبل الشعار، وعن الكفاءة قبل الاستعراض.

لهذا السبب تحديداً، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالعثور على شخصية سياسية مثالية أو حزب معصوم من الأخطاء. السؤال يتعلق بقدرة المجتمع على فرض قواعد جديدة للمحاسبة والمتابعة والتقييم. فالديمقراطية لا تصنعها النخب وحدها، كما أن فساد الممارسة لا يعالج عبر الانسحاب الجماعي. الطريق الأكثر صعوبة والأكثر جدوى يتمثل في تحويل المواطن من متلقٍ سلبي إلى مراقب دائم وشريك فعلي في الشأن العام.

عند هذه النقطة يتغير معنى الانتخابات نفسها. فهي لا تصبح لحظة احتفالية عابرة، وإنما محطة ضمن مسار طويل من الرقابة المدنية والمساءلة المستمرة. وعندها فقط يكتسب الصوت الانتخابي قيمته الحقيقية، لأنه يتحول من ورقة توضع في صندوق إلى أداة ضغط متواصلة تلاحق المسؤول قبل الفوز وبعده.

إن أزمة الثقة التي تخيم على العلاقة بين المواطن والسياسة لا تحتاج إلى خطباء يبيعون الأمل، وإنما تحتاج إلى ممارسات تعيد الاعتبار لمعنى المسؤولية. فالأمم لا تتقدم عبر كثرة الشعارات، وإنما عبر بناء تقاليد سياسية تجعل الوعد التزاماً، وتجعل المنصب خدمة، وتجعل المحاسبة قاعدة يومية لا موسماً استثنائياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *