منتدى العمق

قيمة الإنسان بين الإيمان والمال

 

في زمنٍ أصبح فيه كثير من الناس يقيسون قيمة الإنسان بما يملك من مالٍ أو منصبٍ أو مظاهر رفاهية، ينسى البعض أن ميزان التفاضل الحقيقي أعمق وأسمى من ذلك بكثير. فليست فكرة أن الإنسان الغربي أفضل من الإنسان المسلم فكرة صحيحة بإطلاق، لأن الإنسان لا يُقاس فقط بما يحقق من مكاسب مادية، وإنما يُنظر كذلك إلى ما يحمله قلبه من إيمان وقيم ومبادئ. والمسلم يستحضر في حياته معنى العبودية لله تعالى، ويؤمن بالغيب، ويستشعر مراقبة الله، ويخاف من يوم الحساب والوقوف بين يدي خالقه، وهذه معانٍ تمنح للحياة بعداً روحياً وأخلاقياً عظيماً. والتقوى في التصور الإسلامي من أعظم معايير التفاضل بين الناس، فهي تجمع بين طاعة الله والاستعداد ليوم الرحيل. والمال بلا شك نعمة عظيمة وقوام لكثير من شؤون الحياة، ومن حق الإنسان أن يسعى لتحسين دخله ومستواه المعيشي وأن يفر من قدر الله المتمثل في الفقر إلى قدر الله المتمثل في الغنى، وأن يجتهد لتحقيق طموحاته وأهدافه المشروعة.

لكن الغنى وحده لا يجعل صاحبه أفضل من غيره، كما أن محدودية الدخل لا تنقص من قيمة الإنسان وكرامته. فقد يعيش الفقير أو محدود الدخل شيئاً من الحرمان وضيق العيش، لكنه قد يمتلك غنى النفس والقناعة والرضا، وهي كنوز لا تُشترى بالأموال. وما أكثر الأغنياء الذين فقدوا الطمأنينة، وما أكثر البسطاء الذين امتلأت قلوبهم سكينة ورضاً. وأول مصادر القوة الحقيقية عند المسلم هي قوة الصلة بالله تعالى؛ فحين يحافظ على الصلوات الخمس، ويجعل القرآن الكريم رفيقاً له، ويقرأ سير الأنبياء والرسل والصحابة والتابعين والعلماء العاملين المخلصين، فإنه يستمد من تلك النماذج العظيمة معاني الثبات والصبر والعزيمة. والصلاة من أهم العبادات في حياة المسلم، وهي ركن أساسي يتكرر خمس مرات يومياً، مما يجعلها مصدراً دائماً للتزكية والتقوية الروحية. والحياة – رغم ما فيها من ابتلاءات وصعوبات – جميلة لمن أحسن النظر إليها. يزيدها جمالاً الحب الصادق، والتفاؤل، والأمل، وسلامة الصدر من الأحقاد والضغائن. إنها مزرعة للآخرة، وفيها يتزود المؤمن بالتقوى والعمل الصالح، ويغتنم أيامه وساعاته فيما ينفعه عند لقاء الله. والعمل الصالح لا يقتصر على العبادات الفردية فحسب، بل يشمل كل عمل ينفع الناس ويصلح أحوالهم ويخفف عنهم المشقة ويحقق الخير لهم. ومن جميل ما يحرص عليه المسلم أن يبحث عن مصادر متنوعة ومشروعة لكسب المال، ليس بدافع الترف والتباهي، وإنما لسد حاجاته وحاجات أسرته، وأداء ما عليه من ديون والتزامات، وتحقيق قدر من الاستقرار والكرامة. فالسعي والكسب الحلال من الأعمال الشريفة التي تعين الإنسان على القيام بواجباته وتحقيق مقاصده النافعة. وإذا تأمل الإنسان في حياته وجد أن نعم الله عليه لا تُحصى؛ فمن الناس من رُزق التدين والاستقامة، ومنهم من رُزق المال، ومنهم من رُزق العلم والثقافة الواسعة، ومنهم من رُزق السمعة الحسنة ومحبة الناس، ومنهم من رُزق زوجة صالحة أو أبناء صالحين أو قدرة على نفع الآخرين من خلال عمله وتخصصه. وكل هذه النعم تستوجب الشكر العملي لله تعالى، وذلك بأداء حقوقه وحقوق عباده، واستعمال النعمة فيما يرضيه. ومن صور الخير الجميلة أن يأمر المسلم بالمعروف وينهى عن المنكر بالحكمة والرفق واللين، وأن يقدم النصيحة للناس من خلال خبرته وتخصصه، وأن يساهم في نشر الوعي والخير والإصلاح. لكن عليه في الوقت نفسه ألا ينتظر الشكر والثناء من أحد، لأن الأجر الحقيقي عند الله، ولأن كثيراً من الأعمال العظيمة لا يعلم بها إلا الله سبحانه. وما أجمل أن يفتش الإنسان دائماً في قلبه عن نيته، فيجعلها صافية خالصة، ويبادر إلى الأعمال الصالحة ما استطاع، رجاء أن يجدها ذخراً له يوم القيامة، وأن تبقى آثارها الطيبة بعد رحيله عن الدنيا. فكم من كلمة نافعة، أو نصيحة صادقة، أو علم نافع، أو مساعدة محتاج، بقي أثرها سنوات طويلة بعد وفاة صاحبها.

والمؤمن الحق لا يتوقف عن مجاهدة نفسه، ولا يستسلم لهواه وشهواته، بل يجاهدها حتى ترتقي وتسمو. ويجد في الخشوع في الصلاة، والإكثار من ذكر الله، والدعاء، والاستغفار، وتلاوة القرآن الكريم، وسائل عظيمة لتطهير القلب وتجديد الإيمان. فالذكر يطمئن القلب، والاستغفار يجلو صدأ الروح، والقرآن يبعث النور في النفس، والتقوى تبقى الحصن الذي يحفظ الإنسان من الانحراف والضياع. وقد أشار عدد من العلماء والكتابات الإسلامية إلى أن التقوى تجمع بين اجتناب المعاصي والإقبال على الطاعة والاستعداد ليوم الرحيل. فامضِ في طريقك متوكلاً على الله، واسعى في طلب الرزق الحلال، ومقبلاً على الطاعات، ومحباً للخير للناس، وسليم الصدر، حسن النية، واسع الأمل. فالدنيا ليست دار قرار، وإنما محطة عمل وامتحان، والسعيد من جمع بين صلاح دنياه وصلاح آخرته، وبين عمارة الأرض وطاعة رب الأرض والسماء، وبين النجاح في الحياة والاستعداد للقاء الله تعالى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *