قراءة في تقرير المجلس الأعلى للتربيه والتعليم حول مشروع تفكيك الجامعات بالمغرب.. ما المطلوب؟

تقديم
يتيح تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي حول مشروع مراجعة الخريطة الجامعية العمومية فرصة لإعادة طرح سؤال جوهري: هل يتعلق الأمر بإصلاح حقيقي للجامعة المغربية أم بمجرد إعادة توزيع إداري للمؤسسات الجامعية؟
فالمشروع الحكومي يقترح الانتقال من 12 جامعة عمومية إلى 27 جامعة عبر تقسيم الجامعات الكبرى وإحداث مؤسسات جامعية جديدة، بدعوى تحقيق العدالة المجالية وتقريب الخدمات الجامعية من الطلبة والتخفيف من الاكتظاظ. غير أن المجلس الأعلى، رغم دعمه لبعض الأهداف المعلنة، سجل ملاحظات نقدية قوية اعتبر فيها أن المشروع يظل محكوماً بمقاربة تقنية وجزئية لا ترقى إلى مستوى إصلاح منظومة التعليم العالي في عمقها.
أولا، ما الذي يرفضه المجلس؟
ينطلق المجلس من فكرة أساسية مفادها أن أزمة الجامعة المغربية ليست أزمة حدود جغرافية أو عدد جامعات فقط، بل هي أزمة نموذج جامعي بكامله. ولذلك اعتبر أن التركيز على تقسيم الجامعات وإعادة رسم الخريطة المؤسساتية لا يعالج قضايا الحكامة، وجودة التكوين، والبحث العلمي، والاستقلالية الجامعية، والتمويل، والتشغيلية، والانفتاح الدولي.
وبعبارة أكثر وضوحاً، فإن الجامعة المغربية لا تعاني من “كبر حجمها” فقط، بل من ضعف مردوديتها العلمية والبحثية، ومن هشاشة استقلاليتها، ومن اختلال العلاقة بين التكوين وسوق الشغل.
ثانيا بين منطق التفكيك ومنطق الإصلاح:
يثير المشروع نقاشاً حقيقياً حول فلسفة الإصلاح الجامعي بالمغرب. فإحداث جامعات جديدة قد يسهم في تحسين التدبير المحلي وتقريب القرار من الجهات، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تفتيت الإمكانات البشرية والمالية إذا لم يصاحبه استثمار ضخم في البنية التحتية والموارد البشرية والبحث العلمي. ومن هنا يطرح السؤال المركزي:
هل نحتاج إلى جامعات أكثر عدداً أم إلى جامعات أكثر جودة؟
التجارب الدولية الناجحة لم تبن تفوقها الجامعي على كثرة المؤسسات، بل على قوة البحث العلمي، واستقلالية القرار الأكاديمي، وربط الجامعة بالتنمية والابتكار.
ثالثا، أزمة أعمق من الخريطة الجامعية:
إن القراءة النقدية للتقرير تقود إلى استنتاج مهم: المشروع يعالج أعراض الأزمة أكثر مما يعالج أسبابها.
فالمشكلات البنيوية للجامعة المغربية تتمثل في:
أولا، ضعف التمويل المخصص للبحث العلمي.
ثانيا، ارتفاع معدلات الاكتظاظ.
ثالثا، محدودية الاستقلالية الجامعية.
رابعا، ضعف التصنيفات الدولية للجامعات المغربية.
خامسا، هجرة الكفاءات والأساتذة الباحثين.
سادسا، ضعف مساهمة الجامعة في الاقتصاد الوطني والابتكار.
وكلها قضايا لا يمكن أن يحلها مجرد رفع عدد الجامعات من 12 إلى 27.
رابعا، نحو قراءة نقدية أشمل:
تكشف ملاحظات المجلس الأعلى عن وجود تخوف مشروع من أن يتحول الإصلاح إلى مجرد عملية هندسة مؤسساتية دون رؤية استراتيجية شاملة. ولذلك دعا إلى إعداد مخطط وطني للتعليم العالي يحدد وظائف الجامعة المغربية في أفق 2035، ويربط بين التكوين والبحث العلمي والتنمية الترابية.
إن السؤال الحقيقي ليس: كم جامعة نريد؟ بل: أي جامعة نريد للمغرب في القرن الحادي والعشرين؟
وهذا هو السؤال الذي يبدو أن مشروع الهيكلة الحالي لم يقدم عنه جواباً مقنعاً بعد. ليس السؤال اليوم كم جامعة نريد، ولا أين سنبني جامعات جديدة، بل أي نموذج جامعي قادر على مواكبة تحولات القرن الحادي والعشرين، وعلى إنتاج المعرفة والثروة والقيم في آن واحد.
لقد تجاوز العالم مرحلة الجامعة التي تقتصر وظيفتها على منح الشهادات، وأصبحت الجامعة الحديثة فضاءً لإنتاج المعرفة والابتكار وصناعة النخب وقيادة التحولات المجتمعية. ومن هنا فإن الجامعة المغربية مطالبة بإعادة تعريف رسالتها التاريخية.
أولاً: جامعة المعرفة لا جامعة الشهادات، فلا يمكن للجامعة المغربية أن تستمر في إنتاج آلاف الخريجين سنوياً دون أن تسهم بالقدر نفسه في إنتاج المعرفة العلمية. فالجامعة التي نريد هي:
1- جامعة تنتج البحث العلمي لا تستهلكه فقط.
2- جامعة تصنع المعرفة الوطنية بدل استيرادها.
3- جامعة تجعل من المختبرات مراكز للإبداع والابتكار.
4- جامعة تقاس بجودة أبحاثها أكثر مما تقاس بعدد طلبتها.
إن ترتيب الجامعات في العالم اليوم لا يبنى على عدد الكليات ولا على ضخامة البنايات، بل على حجم الإنتاج العلمي وتأثيره.
ثانياً: جامعة مستقلة لا إدارة ملحقة، فلا يمكن الحديث عن جامعة قوية في ظل ضعف استقلاليتها. فالجامعة المغربية تحتاج إلى:
1- استقلالية أكاديمية حقيقية.
2- استقلالية مالية وتدبيرية.
3- انتخاب نخب جامعية على أساس الكفاءة لا التوازنات.
4- تحرير القرار العلمي من البيروقراطية المفرطة.
فالجامعات العالمية الكبرى لم تحقق إشعاعها إلا عندما أصبحت قادرة على اتخاذ قراراتها العلمية بحرية ومسؤولية.
ثالثاً: جامعة رقمية في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث يشهد العالم ثورة غير مسبوقة بفعل الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. ومن ثم فإن الجامعة المغربية مطالبة بالانتقال:
1- من التعليم التقليدي إلى التعليم الذكي.
2- من المكتبة الورقية إلى المعرفة الرقمية المفتوحة.
3- من التلقين إلى التعلم التفاعلي.
4- من الامتحان الكلاسيكي إلى تقييم الكفايات والمهارات.
إن الجامعة التي لا تندمج في الثورة الرقمية محكوم عليها بالتأخر والتبعية.
رابعاً: جامعة مرتبطة بالتنمية الوطنية، اذ تعاني الجامعة المغربية من فجوة واضحة بينها وبين حاجيات الاقتصاد الوطني. فالجامعة المنشودة هي:
1- جامعة تواكب المشاريع التنموية الكبرى.
2- جامعة تنتج حلولاً للمشكلات المجتمعية.
3- جامعة شريكة للمقاولة والمؤسسات العمومية.
4- جامعة تساهم في خلق الثروة وفرص الشغل.
فالتنمية الحديثة أصبحت تقوم على اقتصاد المعرفة، والجامعة هي قلب هذا الاقتصاد.
خامساً: جامعة منفتحة على العالم، ففي زمن العولمة لا يمكن للجامعة أن تشتغل داخل حدودها الوطنية فقط. فأي جامعة نريد اذن:
1- تستقطب الطلبة الأجانب.
2- تشارك في الشبكات البحثية الدولية.
3- تشجع النشر العلمي العالمي.
4- تجعل من المغرب قطباً أكاديمياً قارياً وإقليمياً.
فالجامعة أصبحت أحد أهم أدوات القوة الناعمة للدول.
سادساً: جامعة المواطنة والقيم، فلا يكفي أن تخرج الجامعة مهندسين وأطباء وأساتذة، بل يجب أن تخرج مواطنين أيضاً لان الجامعة التي نريد:
1- جامعة تدافع عن قيم الحرية والمسؤولية.
2- جامعة تنشر ثقافة الحوار والاختلاف.
3- جامعة تكرس النزاهة العلمية والأخلاق الأكاديمية.
تحارب الغش والانتحال والرداءة. لأن أزمة الجامعة ليست تقنية فقط، بل هي أيضاً أزمة قيم.
في الخلاصة، لا يعارض المجلس الأعلى مبدأ مراجعة الخريطة الجامعية، لكنه يرفض اختزال إصلاح الجامعة في عملية “تفكيك” أو “تقسيم” إداري للجامعات الكبرى. فالجامعة المغربية اليوم تحتاج إلى مشروع نهضوي شامل يعيد تعريف رسالتها العلمية والمعرفية والتنموية، لا إلى مجرد إعادة رسم حدودها الجغرافية.
إن الجامعة المغربية تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تستمر في تدبير أزماتها المتراكمة بمنطق الإصلاحات الجزئية، وإما أن تنخرط في مشروع تحول جذري يجعل منها رافعة للتنمية الوطنية ومختبراً لإنتاج المستقبل.
إن الجامعة التي يحتاجها المغرب في القرن الحادي والعشرين ليست جامعة أكبر حجماً، بل جامعة أكبر أثراً؛ ليست جامعة لتوزيع الشهادات، بل جامعة لصناعة المعرفة؛ ليست جامعة تعيش على هامش المجتمع، بل جامعة تقود تحوله. فالدول لا تبنى بثرواتها الطبيعية فقط، وإنما تبنى أساساً بما تنتجه جامعاتها من علم وكفاءات وأفكار. ولذلك فإن إصلاح الجامعة ليس قطاعاً من قطاعات الإصلاح، بل هو المدخل الحقيقي لإصلاح الدولة والمجتمع معاً.
اترك تعليقاً