منتدى العمق

الهجرة من إفريقيا جنوب الصحراء إلى المغرب: رهانات تطوير عمل اجتماعي مغربي مع المهاجرين في ضوء التجارب الدولية

تكشف معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 عن تحولات يشهدها المغرب، حيث شهد تحولا من بلد عبور نحو الضفة الأوروبية إلى بلد إقامة واستقرار للعديد من المهاجرين من دول افريقيا جنوب الصحراء، بحيث أصبحوا يشكلون حوالي 59.9 ٪ من مجموع الأجانب، واصبحت تمثل الهجرة إلى المغرب مرتبطة بدوافع اقتصادية واجتماعية، بحيث يمثل البحث عن العمل 53.3 ٪، ويليه لم الشمل ب 20.8 ٪ ثم الدراسة ب 14 ٪، مع تمركز قوي في الوسط الحضري بنسبة تقارب 95٪ خصوصا في الدار البيضاء، سطات، الرباط، سلا، القنيطرة، وكما بينت بعض الدراسات السوسيولوجية والأنثروبولوجية فإن مسار الهجرة يمر بمراحل متعددة من بينها الهجرة، ثم رحلة العبور الشاقة، وصولا إلى تحديات الاندماج والاستقرار الكامل بالمغرب. وتبرز الدراسات أن هناك فئات عديدة تواجه صعوبات مرتبطة بالصحة والعمل والسكن، وضعف التنسيق بين المؤسسات، وهذا ما يطرح تحدي تحقيق إدماج فعلي وعدالة اجتماعية للمهاجرين، وهو ما يضع أمامنا مفارقة مهمة؛ فمن جهة نجد استراتيجية وطنية للهجرة واللجوء تسعى إلى إدماج المهاجرين عبر تسوية الوضعية القانونية وتسهيل الولوج إلى الصحة والتعليم والسكن، ومن جهة أخرى تكشف الدراسات السوسيولوجية أنه لا يتم ترجمة هذا الخطاب بالكامل على أرض الواقع.

  • ومن هذا المنطلق نطرح عدة إشكاليات من بينها:
  • ماذا يسفر عن ظاهرة المهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء من مشاكل اجتماعية؟
  • وما التحديات التي تواجه التجربة المغربية  في ما يخص مشكلة الهجرة؟
  • كيف عالجت كل من التجربة الأوروبية في العمل الاجتماعي تبعات الهجرة غير الشرعية
  • وما المقترحات التي يمكن أن نضعها كتوصيات لتعزيز تدخل اجتماعي مغربي  اتجاه الهجرة ذو بعد مهني وعلمي ناجح وناجع؟

 

منهج المقال 

يعتمد المقال الذي بين أيدينا  على مقاربة سوسيولوجية مقارنة، تهدف إلى فهم وضعية المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء في المغرب، من خلال فهم وتحليل سياقات ورهانات الإدماج الاجتماعي في ظل السياسات الوطنية للهجرة بالمغرب

وقد اعتمد العرض على تحليل مضمون مجموعة من الدراسات السوسيولوجية والتقارير الوطنية والدولية المتعلقة بالهجرة والإدماج الاجتماعي، مستندا على مقاربات سوسيولوجية من بينها تصور كل ارفينغ غوفمان وسيرج بوغام للوصم الاجتماعي والاقصاء الاجتماعي، إضافة إلى استحضار بعض النماذج الأوروبية في العمل الاجتماعي بهدف المقارنة 

كما سعى العرض الى فهم المشكلة الاجتماعية من زاوية مفهوم المسار الاجتماعي الذي  يمر منه المهاجر، مبينة ان التدخل المبكر لادماج المهاجر يقي من تحول مسار المهاجر من مسار اتجاه هوية موصومة ومقصية اجتماعيا الى هوية مندمجة اجتماعيا

 

1 الوضع الاجتماعي للمهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء بالمغرب :

 بالعودة الى مقال  المهاجرون من افريقيا جنوب الصحراء في المجتمع المغربي : بين رحلة العبور واكراهات المعيش اليومي، والذي اعتمد على دراسة أنثروبولوجية سوسيولوجية مستندة على مقابلات سردية معمقة وروايات شفهية لفهم التحديات من زاوية المهاجرين.

فقد انطلقت الدراسة من تقسيم تجربة المهاجرين إلى ثلاثة مراحل: مرحلة ما قبل الهجرة، وتتعلق بالظروف في بلدان الأصل “الفقر، غياب الأمن، النزاعات” التي دفعتهم لاتخاذ قرار الهجرة، ثم مرحلة العبور من خلال رحلة شاقة عبر الطرق البرية وما تعرفه من تحديات جسدية وأمنية، بالإضافة إلى ذلك مرحلة الانتظار في المغرب، بحيث يواجه المهاجر حسب الباحث واقعا اجتماعيا جديدا تماما يتطلب التفاوض مع المؤسسات من أجل البقاء.

كما أن المقال أبرز تحولا جذريا في هوية المغرب بالنسبة للمهاجرين، بحيث أنه لم يعد مجرد محطة عبور فقط، بل أصبح خيارا للاستقرار، وقد توقف المقال عند المنعطف الذي اتخذه المغرب سنة 2013 عبر إطلاق الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء والتي تهدف إلى:

  • تسوية الوضعية القانونية للمهاجر: عبر قبول آلاف الطلبات لتسوية وضعية المهاجرين غير النظاميين
  • الإدماج السوسيو-اقتصادي: وذلك من خلال تسهيل الولوج إلى التعليم، الصحة والسكن والتكوين المهني
  • البعد الإنساني: تبني مقاربة تحترم حقوق الإنسان

وكشفت الدراسة أنه رغم السياسة الطموحة إلا أن هناك فجوة بين النص القانوني والواقع المعيش، فمن جهة الصحة يواجه المهاجرون، خاصة في وضعية غير نظامية، صعوبة الولوج للعلاج مع وجود تخوفات من الترحيل، علاوة على ذلك توجد الهشاشة المهنية، فالأمهات العازبات القادمات من جنوب الصحراء يعانين من وضعية اقتصادية معقدة

وتبين لنا من خلال الدراسة أن الهجرة تمر من مراحل، وإذا أردنا مقاربتها سوسيولوجيا سنعتمد على مفهوم إرفين غوفمان، والذي يقصد به سلسلة من التحولات التي يمر بها الفرد وتغير هويته الاجتماعية وعلاقته ومكانته. وهنا سنتساءل مع الدراسة ونتائجها: كيف نعيد قراءة التجربة التي يمر منها المهاجر على شكل مسار بالتعبير الغوفماني يتكون من مراحل مترابطة؟

ففي البداية نجد مسار ما قبل الهجرة: يبدأ المسار هنا داخل بلد المهاجر الأصلي، وتتشكل هنا دوافع الهجرة التي تبدأ في تشكيل الهوية، وذلك من خلال سماع قصص المهاجرين السابقين، ورؤية صور نجاح المهاجرين، وكذلك شبكات الدعم العائلي، وهنا يعاد تعريف الهوية بتعبير غوفمان، بحيث يبدأ الشخص النظر إلى نفسه كمهاجر مستقبلي، وهنا تصبح الهوية غير مندمجة بشكل كلي في الواقع المحلي، وكذلك لم يصبح بعد عنصرا من المجتمع المستقبل.

وهنا ينتقل الفرد إلى مسار العبور، والمتمثل في مخاطر الهجرة “الحدود، المهربين، العنف، الهروب، عدم الاستقرار، الأمل في الهوية المستقبلية”، وقد يشمل هذا المسار مدة طويلة، فهناك مهاجرون يمرون عبر عدة دول ليصلوا إلى المغرب ويعيشون على هوية معلقة بين الهوية المستقبلية والهوية المعلقة التي لم تصل بعد إلى مرادها، ويتخلل هذا العبور البحث الدائم عن الموارد المالية وبناء علاقات جديدة مع مهاجرين جدد والتكيف مع ثقافات مختلفة.

ثم نجد مسار الانتظار في المغرب، فهنا يصل المهاجر إلى وضع اجتماعي خاص، فهو قريب من العبور إلى أوروبا، وفي نفس الوقت يجد شروطا يتحول فيها العبور إلى انتظار طويل قد يمتد إلى سنوات، فهنا تصبح الهوية غير منتمية إلى البلد الأصلي ولم تصل إلى بلد المقصد، فهنا يبدأ المهاجر في التفاوض مع الواقع المغربي من أجل ضمان شروط العيش كالبحث عن المأكل والسكن والخدمات الصحية، مع بناء شبكات اجتماعية جديدة وعلاقات مع مهاجرين آخرين ومع السكان المحليين.

ولكن من زاوية أخرى تظهر معيقات يشعر بها المهاجر، وهي التي يسميها غوفمان بالوصم الاجتماعي، والذي يرى أنه يحدث حين يملك الفرد خاصية أو سمة تجعل الآخرين ينظرون إليه بكونه مختلفا. وفي حالة المهاجر الإفريقي جنوب الصحراء تتداخل عدة عناصر من بينها الوصم المرتبط بلون البشرة، أو بصفة المهاجر، أو بمستواه التعليمي وخبرته المهنية والمهارات الشخصية.

فمفهوم المسار عند غوفمان يبين لنا أن الهجرة تمر عبر مراحل متصلة مع بعضها، وتتكون من سلسلة من التفاعلات الاجتماعية اليومية، ومن خلالها يتم بناء هوية المهاجر وإعادة تشكيلها.

كذلك بالانتقال إلى مقال: “هوية المهاجر الإفريقي جنوب الصحراء والاندماج في المجتمع الحضري المغربي وجدة نموذجا”. والتي تناولت واقع تحول المغرب من مجرد بلد عبور إلى منطقة استقرار لهؤلاء المهاجرين، وهو ما يطرح عدة تحديات ومشاكل متعلقة بالهوية والاندماج، وترى الدراسة أن هناك نسبية إندماج فالمهاجر غالبا ما يواجه معضلة التخلي عن جزء من هويته الثقافية الأصلية بغية الانصهار في المجتمع المضيف، وتبين الدراسة ان هناك فرق بين الاندماج الثقافي ” أي تبني النموذج الثقافي للمجتمع الذي يتواجد فيه المهاجر من لغة ولباس وأكل ثم يأتي الاندماج الهيكلي، المرتبط بالمشاركة في سوق الشغل والمؤسسات، وهو الجانب الذي يشكل العائق الأكبر أمام المهاجرين. وترى الدراسة أن الاندماج الثقافي يكون أسهل بالنسبة للمهاجرين الذين يتقنون اللغة العربية، مثل السودانيين، في حين يواجه الذين لا يتقنونها صعوبات كبيرة في التواصل والتفاعل مع المجتمع المضيف. أما الدين، فيمثل رابطًا مهمًا يجمع المهاجرين الأفارقة المسلمين بالمغاربة، ويسهم في تسهيل بعض أشكال الاندماج الاجتماعي.

ورغم سياسات الاندماج التي أشارت إليها الدراسة، فإن المهاجرين لا يزالون يواجهون أشكالًا من الوصم الاجتماعي والممارسات العنصرية، مثل الإهانات اللفظية والمضايقات في الأماكن العامة. ويمكن تفسير ذلك في ضوء تصور إرفنغ غوفمان في كتابه “تقديم الذات في الحياة اليومية”، حيث تبدأ عملية تشكل الهوية الجديدة بالتأثر عندما يدرك الفرد أنه موضوع للوصم الاجتماعي. فالمهاجر يشعر بأن هويته أصبحت مرتبطة بسمات سلبية، كاختلاف لون البشرة أو اللغة أو الوضع القانوني، مما قد يولد لديه إحساسًا بالدونية والاغتراب، وينقله من هوية اجتماعية إيجابية في بلده الأصلي إلى هوية موصومة داخل المجتمع المضيف.

وكما يبين غوفمان، فإن الأفراد يطورون استراتيجيات مختلفة للتعامل مع الوصم الاجتماعي؛ فبعضهم يميل إلى العزلة والانغلاق داخل جماعات متجانسة توفر له الحماية والدعم، في حين يسعى آخرون إلى تحقيق الاعتراف الاجتماعي من خلال الاندماج الثقافي واللغوي، بهدف تقليص الفجوة بينهم وبين المجتمع المضيف وتعزيز فرص قبولهم داخله.

2 تجارب الدول الاوروبية في العمل الاجتماعي مع حالات الهجرة في اوروبا:

تبين التجارب الاوروبية في العمل الاجتماعي على تجربة مرتبطة بخصوصية الدولة، فنجد على سبيل المثال : 

النموذج  الألماني  الذي شهد قطاع الهجرة توسع هائل من سنة 2015 وهذا جعله من أكثر المجالات تعقيدا للمعرفة بالقانون والإدارة، بحيث بينت هذه الأزمة عجزا عن استجابة سريعة، وهذا أدى إلى الاستعانة بالآلاف من المتطوعين، لكنه خلق مشكلة أن الرأي العام بدأ يعتقد أن المتطوعين أصبح يمكنهم تعويض المهنيين بتكلفة أقل، وهذا أدى داخل ألمانيا إلى وضع الأخصائيين الاجتماعيين أمام تحدي إثبات قيمة مضافة لعملهم، أي ما يقدمه العامل الاجتماعي المعتمد ولا يستطيع تقديمه متطوع.

وهذا أدى إلى بروز منهجية داخل العمل الاجتماعي في ألمانيا معنونة بالتوجه نحو المساحة الاجتماعية (Sozialraum)، وتركز أساسا على ما وراء الحالة الفردية بدلا من التركيز فقط على المشكلات الفردية الخاصة بالمهاجر. فهي منهجية تؤطر المهاجر داخل المحيط أو الحي كبناء قائم على تجارب حياته، كما تؤكد على بناء الشبكات من خلال دمج المهاجر داخل البنية التحتية المحلية بالحي وربطه بالموارد المتاحة كمراكز الشباب والجمعيات المحلية وكذا الفضاءات العامة لإنتاج وخلق استقرار واعتماد ذاتي.

وفي ألمانيا تسيطر ست منظمات مثل كاريتاس وديّاكوني على 80٪ من الخدمات في ألمانيا بناء على مبدأ التبعية، وهي منظمات قوية وتتحكم في معايير الجودة، كما يشير كل من الباحث بالكو وهارر وإيرات في هذا الفصل.

  ان العمل الاجتماعي التقليدي يميل الى جعل المهاجر يشعر بالامتنان للمساعدة لكن في الاصل كما يبين الباحثون ان العمل الاجتماعي يجب ان يعتبر المهاجر مواطن له حقوق فردية واضحة اي كصاحب حق ويستخدم العمل الاجتماعي في المانيا كل موارد المجتمع المحلي لدمجه بشكل فعال. 

نجد كذلك النموذج الانجلتري فقد تطور ضمن نموذج لبرالي يركز على المسؤولية القرديووتحويل المهاجرين الى مستهلكين للخدمات عبر ميزانية شخصية، وبرزت بذلك عدة تحديات ثقافية في حماية الطفولة بحيث تتعارض تقاليد المهاجرين الثقافية مع خصوصية المعايير المحلية، وهذا حسب الباحثين يتطلب يقظة مهنية جد عالية في العمل الاجتماعي وهذا ادى داخل انجلترا الى بروز مقاربة في العمل الاجتماعي بعنوان مناهضة التمييز والقمع وهي اداة تدخلية للتعامل مع التنوع العرقي والديني وكرامة ويقتضي هذا التدخل الالتزام بمعايير تشدد على تقييم دقيق لكل المخاطر التي يعيشها المهاجرون والموازنة بين دعمهم ورقابة قانونية جد صارمة 

نجد كذلك النموذج الفرنسي الذي تحول فيه المهاجرون من مجرد غير متكيفين إلى جزء من المستبعدين منذ السبعينات، وأدى تدفق عام 2015 إلى امتلاء مؤسسات الإيواء وحماية الطفولة، لكن سنة 2017 ظهرت طرق جديدة للتعامل مع المهاجرين بعنوان الشمول الاجتماعي الذي يركز على تمكين المهاجرين من ممارسة مواطنة كاملة، لكن كما بين الباحثون يواجه العمل الاجتماعي اتجاه الهجرة ضغوط الإدارة العامة الجديدة التي تفرض معايير النجاعة والربحية على حساب البعد الحقوقي والإنساني في العلاقة المهنية.

علاوة على ذلك نجد النموذج الإسباني الذي شهد العمل الاجتماعي داخله تطورا من ممارسة إحسانية كنسية تحت الدكتاتورية إلى مهنة منظمة ديمقراطية، وهذا أدى إلى تحول المجتمع الإسباني إلى مجتمع متعدد الثقافات. وقد أدت الأزمات الاقتصادية إلى ضغوط لتقديم مساعدة طارئة، ما أدى إلى ظهور مقاربة داخل العمل الاجتماعي اتجاه المهاجرين في إسبانيا بعنوان الوساطة، وتركز على العمل كوسيط بين احتياجات السكان والسياسات الاجتماعية، مع التركيز على دمج الفئات الهشة في النسيج المحلي. ويدعو الأخصائيون الاجتماعيون في إسبانيا إلى تبني نموذج مواطنة من خلال تعزيز الحوار والاندماج الفعلي بدلا من محاربة التهميش في أحياء الفقر.

كما نجد كذلك النموذج الإيطالي، والذي شهد مقاربة في العمل الاجتماعي مع المهاجرين بعنوان Welfare mix، والذي يحول المهاجرين إلى مستهلكين والممارسين إلى تقنيين فقط يتعاملون مع المهاجر كحالة تقنية، وهو ما جعل الأخصائي الاجتماعي يعاني تحديات نتيجة تقليص حقوق الأجانب وتزايد حالات العداء ضدهم بسبب قصور التدخل التقني. وهذا أدى إلى بروز مقاربة تعليمية تعتمد على ورش عمل، والتي أصبحت تركز على تمكين الطلاب المهاجرين من فهم المشكلات الاجتماعية في سياقات التنوع المعقدة، كما أصبح المهنيون في العمل الاجتماعي في إيطاليا يسعون إلى تحرير المهنة والتركيز على حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والسياقات الثقافية بدلا من العمل الإداري التقني لمواجهة الاستبعاد.

نجد كذلك النموذج الهولندي الذي انتقل إلى نظام “مجتمع المشاركة” سنة 2015، بحيث تم تقليص دور الدولة وتحويل عبء المساعدة إلى الشبكات المحلية. ويتخصص العمل الاجتماعي فيه في مقاربة بعنوان العمل الاجتماعي الثقافي، والذي يركز على تطوير أنشطة جماعية داخل بيوت الأحياء تستهدف المهاجرين لتعزيز رفاهيتهم. ويعتمد العمل الاجتماعي الهولندي مع المهاجرين على مبادئ التنظيم المجتمعي من خلال إشراك السكان في حل مشكلات حيهم بشكل تشاركي بوساطة الأخصائي الاجتماعي، ويبرز في هذا النموذج خطر تهميش المهاجر الذي يفتقر إلى القدرة على الاعتماد الذاتي وفق معايير صارمة.

  1. مرتكزات تطوير سياسات العمل الاجتماعي المغربي في ضوء التجارب الأوروبية : 

فمن خلال التجارب الأوروبية للعمل الاجتماعي يتضح أن نجاح ونجاعة سياسات الهجرة لا يرتبط بالقوانين والاستراتيجيات فقط، بل كذلك بوجود تدخل اجتماعي مهني وعلمي قادر على ترجمة وتحويل القوانين إلى ممارسات يومية داخل المجتمع. فمن خلال التجربة المغربية التي عرضناها، والتي تبنت منذ سنة 2013 استراتيجية وطنية للهجرة، لا تزال عدة تحديات قائمة تتعلق بضعف التنسيق المؤسساتي، وكذلك الولوج إلى الخدمات الاجتماعية واستمرارية الوصم، والذي كما بينا في الفصل الأول، بالتعبير الغوفماني، يجعل الهجرة مسارا تشكل فيه هوية المهاجر؛ فإما أن يتكلل هذا المسار بهوية موصومة أو بهوية استطاع العمل الاجتماعي، كترجمة للسياسات الاجتماعية، أن يسهل إدماجها. وهنا يمكن للعمل الاجتماعي كتجربة جديدة، تعرف ولادتها بأول دفعة من الاعتمادات التي وزعت مؤخرا، أن يستفيد من الخبرات الأوروبية في تطوير نموذج مهني يجعل الإدماج الاجتماعي عملية تقوم على المرافقة. كما يلاحظ الباحث أن كل تجربة في العمل الاجتماعي تتبنى مقاربة تتماشى مع سياستها الاجتماعية وخصوصيتها الثقافية والفلسفية.

ولهذا يقتضي الأمر إعادة بناء مكانة الأخصائي الاجتماعي ضمن منظومة الهجرة، بحيث لا يقتصر دوره على المساعدة الاجتماعية فقط، بل يصبح منسقا بين مختلف المؤسسات المتدخلة كالصحة والتعليم والحماية والسكن. وكما بينت التجارب الأوروبية، فإن نجاح الإدماج يقتضي التركيز على تدخل مهني يرتبط منذ وصول المهاجر بما يسميه غوفمان “المسار”، مع الوعي بأن هذا المسار هو الذي يشكل الهوية. وهذا ما بينه أيضا سيرج بوغام، بحيث يرى أن المهاجر لا يتحرك جغرافيا فقط، بل هو شخص يمر عبر مسار من الهشاشة ثم الوصم ثم إمكانية الإقصاء الاجتماعي.

وقد طور هذا التصور الغوفماني مبينا أن الوصم يتشكل حين يلاحظ المجتمع سمة معينة مثل لون البشرة، الجنسية أو الوضعية الاجتماعية، ويربطها بصفة سلبية ويعامل الشخص على أساسها كمختلف، مثل: أسود البشرة = فقير، مهاجر غير نظامي = مجرم، متسول = كسول. وهكذا تصبح هذه الصفات تختزل هويته، ويصبح يُعرّف من خلال هذه النظرة الاجتماعية المسبقة كما ان هذه النظرة تؤثر ايضا على شخصيته، ويضيف بوغام تصورا يغني نظرية غوفمان في الوصم الاجتماعي وهي الانتقال من الوصم الى الإقصاء الاجتماعي  فحين يستمر الوصم ويتحول الى غياب العمل بسبب الهوية الموصومة وبسبب اللغة ويصبح عبارة عن صعوبة السكن وتمييز عنصري وضعف الاندماج فان المهاجر ينتقل من الهشاشة الى المسار الاقصائي وهكذا تصبح هويته مربتطة بسكل دائم بصفة ” المهاجر المهمش” 

وفي هذا الصدد يصرح بوغام في حواره المعنون ب” العمل الاجتماعي يجب ان ينسج روابط تحريرية” ان العمل الاجتماعي يجب ان يحقق توازنا بين الحماية اي توفير مساعدة ثم ضمان الحقوق ثم الحماية من الفقر والاقصاء وتوفير الخدمات الاجتماعية ، ويرى بوغام ان الحماية لا تكفي لوحدها يجب ان يكون كذلك اعتراف اي الاعتراف يقيمة الشخص واحترام كرامته وكذلك النظر اليه كفاعل على المساهمة وعدم النظر له كمشكل اجتماعي، وكذلك بناء الروابط الاجتماعية ولهذا يرى بوغام ان العامل الاجتماعي هو ينسج ويعيد نسج الرابط الاجتماعي ، اي مساعدة الافراد على الاندماج في المجتمع وبناء علاقات اجتماعية صحية من خلال استراتيجية التكيف من جهته والتكييف من جهة المجتمع كما لاحظنا مع النموذج الهولندي ،  ولهذا يجب على العمل الاجتماعي اتجاه الهجرة ان يكون فاعلا في بناء شبكات التعاون بين المؤسسات بدل الاقتصار على معالجة المشكل وحلها بعد وقوعها فهذا كما بينا مع غوفمان لا نكون قد تعاملنا مسار الهجرة وهو لازال مسار بل نتعامل مع هوية موصومة

كما وجب تطوير تطون متحصص في العمل الاجتماعي والهجرة داخل المعاهد وكذلك الجامعات، وذلك لان التعامل مع الهجرة يتطلب كفاءة متخصصة تتجاوز معرفة عامة بالعمل الاجتماعي تشكل الماما بالقانون الدولي للهجرة وحقوق الانسان والوساطة الاجتماعية والقدرة على التواصل وخصوصا اللغات، وكذلك ادارة التنوع الثقافي كما انه من خلال التجارب التي انفتحنا عليها، يجب ان يتبنى كذلك النموج المغربي للعمل الاجتماعي نموذج ومقاربة وقائية تقوم على تدخل مبكر بدل الاكتفاء بتدمل علاجي تقني كما راينا مع النموذج الايطالي ان تكون مقاربة استباقية قبل  ظهور المشكلات الاجتماعية اي يحتاج المهاجر منذ وصوله توجيها ومواكبة والتعريف بحقوقه وواجباته وربطه بمؤسسات تسهر على تكوينه وتشغيله والخدمات الصحية وهذا يحد مسار الهجرة كما بينا مع غوفمان وبوغام من التحول الى وصم اجتماعي واقصاء اجتماعي.

ختاما، فإن الاستفادة من التجارب الأوروبية لا تعني قط القيام بنسخ النموذج الاوروبي، لأن لكل مجتمع خصوصياته الثقافية ، فالرهان الحقيقي يكمن في بناء نموذج مغربي للعمل الاجتماعي مختص في الهجرة ويستلهم المبادئ المهنية والتجارب الناجحة ، ويكيفها مع الواقع المغربي وخصوصياته المجالية والاجتماعية ويتطلب ذلك الاعتماد على البحث العلمي في تقييم السياسات الاجتماعية وإشراك الأخصائيين الاجتماعيين في مراحل التخطيط والتنفيذ والتقييم، حتى يصبح العمل الاجتماعي شريك استراتيجي  لتدبير الهجرة وكذا تحقيق الإدماج ومحاربة الوصم الاجتماعي والاقصاء الاجتماعي من خلال نسج وإعادة نسج الروابط الاجتماعية 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *