منتدى العمق

التعليم الخصوصي.. من إنتاج القيم إلى وهم التفوق

عرفت مدارس التعليم الخصوصي في العقدين الأخيرين تزايدا ملحوظا على حساب تراجع في انشاء المدارس العمومية، خصوصا في المدن الكبرى للمغرب. وقد نعزُو الأمر إلى أسباب شتى أهمها توصيات صندوق النقد الدولي، بالتراجع عن التكفل بالمسألة الاجتماعية، ورغم التسهيل في التراخيص وسيولة التأسيس والكثرة في الإنشاء، وفق شروط ومعايير تحتم عليها توفير نسبة من الجودة التعليمية بشكل أفضل عن القطاع العمومي، تبقى المقارنة بين المدرستين ضربا من العبث.

فتختلف الأسس الفلسفية للمدارس الخصوصية بشكل جذري عن أسس المدارس الحكومية، فإن كانت مرامي التعليم الخصوصي هي توفير متعلمين يمتلكون العديد من الكفايات المعرفية، والمهارات التعلمية، وتحصيلهم في النهاية معدلات مرتفعة، تخول الولوج الى المدارس والمعاهد العليا، فعند الحديث عن المدارس الحكومية ورغم التوافق مع المرامي الأولى، تجدر الاشارة بشكل قطعي إلى العلاقة السببية المباشرة بين مؤسسة المدرسة والمجتمع.

ويمكننا أن نتساءل ما الذي تقدمه مدارس التعليم العمومي للمتعلمين في الشّق الأول، وللمجتمع في الّشق الثاني؟ فكل المدارس بمختلف أشكالها تسعى إلى توفير الحد الأكبر من المعارف والتعلمات للناشئة، غير أن الرهان الأكبر للمدرسة الحكومية لا ينحصر في هذا، حيث هي خادمة للمجتمع من خلال نقل القيم والأخلاق وسلوكات المواطنة والاحترام المتبادل لأفرادها عبر فعل التنشئة.
عكس المدارس الخصوصية المعترف بجودتها والتي تستقطب أبناء النخب من الطبقات العليا والمتوسطة بالمجتمع، والمتميزة بتوفرها على متعلمين أصحاب رساميل ثقافية جيدة، بحكم الانتماء الطبقي وتواجدهم ضمن أسر متعلمة أو غنية، ما يجعل دور المدرسة الخصوصية ينحصر في الارشاد والتوجيه ، تكثيف المعلومات والدروس والتركيز على تعليم اللغات، والسعي الدؤوب إلى انتاج المعدلات المرتفعة ونسبة نجاح كبيرة في نهاية المواسم الدراسية .

بيد أن الارتفاع المهول في انشاء مدارس قطاع التعليم الخصوصي، جعل وتيرة التنافس فيما بينها حادة، حيث أصبحت كل المدارس تراهن على التفوق وخلق المتعلم النموذجي، حتى لو كان ذلك على حساب بعض الالتواءات غير التربوية، الانفلاتات من رقابة المؤسسة المركزية، فنجد مديرين يطلبون الأساتذة بالرفع من معدلات بعض التلاميذ، بينما أخرون يطلبون بإعادة الفروض لكل المتعلمين غير محصلين على نقاط جيدة، بأمر من أولياء الامور وتهديد بنقل التلاميذ إلى مؤسسة أخرى تقدم نقاطا ومعدلات أكبر بالمجان، فدفع الأسر أموالا باهظة من أجل التعلم وضغطها المتواصل على الادارة، لا يترك مجالا للمؤسسات للاعتناء بالأبعاد المختلفة في شخصية المتعلمين، واستحضار بعد واحد في سيرورة التعلم مرتبطا أساسا بالجانب المعرفي القادر على خلق التفوق والانجاز تبعا للدرجة المحصل عليها في الامتحانات و نهاية المواسم الدراسي.

وان كان الغرض المركزي للمدرسة الخصوصية مرتبط بهوس الرتب والمعدلات التي يحصل عليها التلاميذ في الفروض الفصلية والامتحانات السنوية، عبر صقل الجانب المعرفي لوحدِه لدى المتعلم، تبقى الجوانب الوجدانية والنفسية الاجتماعية منسية، ما يُغيّب بشكل ملحوظ الدور الاجتماعي والثقافي للمدرسة كمؤسسة اجتماعية بالقطاع الخصوصي.

ويترتب عن هذا الاهمال المقصود للجوانب الأخرى المختلفة، رفع النقاط والمعدلات بشكل لا يعكس مجهودات المتعلمين وإعادة الفروض للتلاميذ كلما حَصلوا على نقط ضعيفة دون ترك المجال للتعرف على أهمية الخطأ وكلفته في مرحلة التكوين وخلق أنساق سلبية لتّميُز والتفوق في صفوف المتعلمين، كلها أمور تنتج مجموعة من الاضطرابات والمشكلات والمصاعب النفسية والسلوكية لديهم.

فمن شأن التفوق الذي يبديه المتعلم في مجالات التحصيل بهذه المدارس أن يكسبه طابع النرجسية والانانية وشعور بالتعالي على من هم في نفس سنه، وقد ينتج عند البعض الآخر احتدام و قلق مستمر جراء الخوف من فقدان المراتب الدراسية التي أحرزها، مايجعله يقسو على الذات بشكل مفرط من أجل الحفاظ على مستواه، كما لا يمكن نفي الضغط الممارس من طرف الأسر على المتعلمين في هذا الشأن والذي يجعلها تحبذ فكرة التفوق الدراسي لدى الأبناء على حساب راحتهم وطفولتهم.

و قد لا تكون هذه المشاكل طارئة لدى هذه الفئات من المتعلمين في المدارس الخصوصية ،إلا أنها تتحول إلى سلوكات مستبطنة في أفعالهم اليومية، واضطرابات انفعالية يتم نقلها بواسطتهم إلى المجتمع، ما يجعلهم فاعلين دون قيم ومواطنة، الأمر الذي يشكل خطرا على النسيج العام للمجتمع.

و كي لا ننبري للقول الفضفاض، قد يوافقنا القارئ أن التلميذ الذي لم يستشعر قيمة الخطأ وتأدية الكلفة عنه، قد يكون الطبيب نفسه الذي يخطئ في حق المريض ولا يهتم بمدى جسامة هذا الفعل، أو المهندس المسبب في انهيار بناية بسكانها دون تحميل نفسه تابعات الأمر أو مسؤولية المآل.

كما أن إعتلاء هذه الفئة المناصب العليا في المجتمع هو نتاج واقع مرير يجعل التلاميذ خرجي المدارس الحكومية بمعدلات مرتفعة من داخل نظام قاس وجاد في مواقف محرجة عند التباري لولوج بعض التكوينات والتخصصات من خلال منافسة معدلات تلاميذ أنتجوا في سياقات تقدم فيها التعلُمات مقابل المال.

إن أهم الاسباب لهذه الفجوة بين مرامي التعليم الخصوصي والتعليم العمومي، هو بسبب الاختلاف القائم بين الفكرة التي تتشكل حول المدرسة كمؤسسة اجتماعية والتصور الاقتصادي الذي يراه مالك المدرسة الخصوصية، حيث أن لكل مرحلة تعليمية في مختلف أنحاء العالم أهداف ومقاصد عامة، فان كان الابتدائي هو مرحلة تعليم الكتابة والقراءة زيادة على التركيز واعداد المتعلمين و تهيئتهم لمزاولة بقية المراحل فالإعدادي هو اجباري وأهدافه تعني كل المجتمع، حين أن مرحلة الثانوي هي تحضير التلاميذ لولوج المعاهد و المدارس العليا وتكوين المواطن الواعي والمثقف، وتبقى مرحلة بعد الثانوي هي تكوين أطر ادارية واقتصادية قادرة على خلق التنمية المجتمعية والمساهمة في تحريك العجلة الاقتصادية.

وإن كانت كل الجهات الوصية على القطاع بالمغرب لا تشّذ على جعل المنظومة ترمي إلى تمكين المتخرجين في كل مرحلة بجملة من الكفايات والمساعي من خلال المجهودات المبذولة، فإن أرباب المدارس الخصوصية يختزلون كل هذه المراحل في جزء وحيد وبسيط يرتبط بالدرجات والمعدلات الزائفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *