منتدى العمق

صرخة أوراق الرصيف

كــان جيلنا يغادر المدرسة في آخر يوم من السنة الدراسية وهويحمل كتبه كما يحمـل المسافـــر زاده ، يحتفظ بها لأخ أصغر، أو لجار أفْــقــر، أو لذكرى أجْمــل . كان يُـوَدّع الفصولَ بعيون يختلط فيها الفرح بالحنين ، وكأنه يغادر بيتًا منحه مفاتيح المستقبــل . أما اليوم ؛ فيغادر كثير من التلاميذ المدرسة وكأنهم يفرون من زنزانة ، ويحتفلون بالخــلاص كما يحتفل الناجـون من سفينة تتسرب إليها المياه . بالأمس كان الكتاب يُجلََّـدُ ليَعيشَ ، واليوم يُمزَّق ليُنســـى ؛ بالأمس كان الدفتر شاهدًا على الحُلم ، واليوم صار شاهدًا على المَلَــلِ ؛ بالأمس كان جَـرَسُ المدرسة وعدًا بالمعرفة ، واليوم أصبح عند كثيرين جَــرَسَ إنْــذار بانتهاء الحريّـــة.

أي مفارقة هذه ؟ وكيف تحولت المدرسة ، التي أرادها المجتمع مصنعًا للعقول ، إلى فضاء ينتظر فيه بعض المتعلمين لحظة الفرار أكثر من لحظة الاكتشاف ؟ وكيف أصبح آخر امتحان شهادةً بالانعتاق لا بالاستحقاق، وصارت الأوراق الممزقة الملقاة في الشوارع أبلغ من كل التقارير الرسمية في التعبير عن علاقة مأزومة بين التلميذ والمدرسة ؟ إن الدفاتر لا تتمرّد ، والكتب لا تنتحِـر، وإنما يمزّقها وعيٌ فَــقَــدَ المعنى، ونظامٌ تربوي ما زال، رغم كثرة الإصلاحات، يخلط بين تعليم المعرفة وصناعة الشغف، وبين النجاح في الامتحان والنجاح في بناء الإنسان.

ليس أكثر قسوة على الضمير التربوي من أن تتحول نهاية الموســـم الدراسي إلى بهرجة جماعية لتمزيق الكتب والدفاتر ورميها في الأزقة والساحات . فالمشهد ، وإن بدا للبعض مجرد نزوة مراهقين أو انفلات عابر، يحمل في عمقه رسالة اجتماعية وتربوية صادمة: لقد انتهت علاقة التلميذ بالكتاب ، لا لأنه استوعب معارفه واستنفد أغراضه ، بل لأنه لم يعد يرى فيه قيمة تستحق الاحتفاظ بها .

إنّ الطفل لا يمـزّق ما يحب ، ولا يهين ما يمنحه المعنى ، ولا يحتفـــل بالتخلص مما كان مصدر إلهــام له . لذلك فإن تمزيــق الكتاب ليــس جريمة ضد الورق، وإنما احتجــاج صامِــت ضد تجربة مدرسيّة فقدت فــي كثيــــر من الأحيان قدرتها على بناء الشغف وصناعة الانتماء.

لقد نجحت المدرسة، عبر عقود طويلــة ، في تعليــم ملايين الأطفال القراءة والكتاب ، لكنها أخفقت في حالات كثيرة في أن تجعلهم يحبون القراءة نفسها . صنعت الامتحان أكثر مما صنعت الفضول ، وكرست ثقافة النقطة أكثر مما كرست ثقافة المعرفة ، وأصبحت تقيس النجاح بما يحفظه التلميذ لا بما يفكر فيه ، وبما يردده لا بما يبدعه.

وحين تصبح المعرفة مجرد وسيلة لاجتياز الامتحان ، يفقد الكتاب قدسيته ، ويتحول إلى أداة مؤقتة تنتهي صلاحيتها بانتهاء آخر اختبار . لذلك لا ينبغي أن نستغرب حين نرى الدفاتر ممزقة والكتب ملقاة في الحــاويــات ؛ فالتلميذ إنما يعاملها كما تعلم أن يعاملها : أدوات للاستعمال المؤقت لا رفاقًا دائمين في رحلة التعلم . غيْــر أن اختزال الظاهرة فـــي ” سلوك منحرف ” أو ” غياب التربية الأسرية ” يمثــــل تبسيطًا مخلّا ، بل نوعًا من الهروب المؤسساتي من مُساءلة الذات . فالمسؤولية هنا موزعة بين أطراف عديدة ، لكل منها نصيب من التقصيــر.

فالمدرسة مطالبة أولًا بأن تسائل نموذجها البيداغوجي . هل ما زالت فضاءً للتعلم أم تحولت إلى مصنع للاختبارات ؟ هل يعيش التلميذ داخلها خبرات ومهارات تعليمية ممتعة ، أم يقضي سنواتــــه بين الحفظ والاستظهار والواجبات والامتحانات ؟ هل يشعر بأن صوته مسموع ، وأن أسئلته مرحّــب بها ، وأن أخطاءه جزء من التعلم ، أم أنه يعيش تحت سلطــة التقـــييم المستمر والخــوف من الفشـــل؟

أما المناهــج ، فما زالت في كثير من مفاصلها مثقلـــة بالمضاميـــن ، سريعة الإيقــاع ، متسارعة المطالب ، حتى أصبح الزمن المدرسي يلهث وراء إنهاء المقرر أكثر مما يلهث وراء بناء المتعلم . فالكـــم انتصر على الكيــف ، وإن تغيــــرت الشعــــــارات وتعـــددت الإصلاحات . والمدرس، الذي يسارع البعض إلى تحميله كامل المسؤولية ، ليس سوى الحلقـــــــــة الأكـــثــر إنهاكًا داخل المنظومة . فهو يعيش ضغط الزمن ، وكثافة البرامج ، وتعدد المهام الإدارية ، وتضخم ملفات التتبع ، والتكوينات المتلاحقة ، ومتطلبات المشاريع المختلفة . صار مطالبًا بأن يكون معلمًا ومربيًا ومواكبًا وإداريًا ومقيمًا وميسرًا ومصلحًا نفسيًا في آن واحد ، بينما تتآكل طاقته المهنية عامًا بعد آخر.

ولو كان الأستاذ(ة) هو المسؤول الوحيد عن تمزيق الكتب، لكان من حقه هو الآخر أن يمزق في نهاية الموسم جذاذاته ، وتقاريره ، ومحاضر اجتماعاته ، وملفات الدعم ، وشبكات التقييم ، وكل الوثائق التي أثقلت كاهله . لكنه لا يفعــل ؛ لأنه يدرك أن الورق ليس خصمه الحقيقي ، وإنما السياسات التي حولت الممارسة التربوية إلى سباق محموم مع الزمن والإجراءات . كما أن الأسرة لا يمكنها التنصل من دورها . فقد تراجعت سلطة القدوة داخل كثير من البيوت، وغابت عادة القراءة المشتركة ، وأصبح الهاتف الذكي يحتــل مكان الكتاب ، وأصبحت الشاشة تربي أكثر مما يربي الحوار الأسري . فالطفــل الذي لا يرى كتابًا في منزله ، ولا يسمع نقاشًا ثقافيًا ، يصعب أن يقدس الكتاب المدرسي مهما فعلت المدرسة.

ولا يقل الإعلام تأثيرًا عن ذلك ، حين يكرس ثقافة الاستهلاك السريع ، ويحتفي بالتفاهة أكثر مما يحتفي بالعلم ، ويصنع نجوماً من المؤثرين أكثر مما يصنع قدوات من العلماء والمفكرين والمربين . فكيف نطلب من التلميذ أن يقدر الكتاب ، بينما المجتمع نفسه يقيس النجاح بعدد المتابعين لا بعدد الأفكار؟

إن أخطــر ما في هذا المشهـد أنه يكشف انتقـال الطفل مـــن “الطفل الورقي” إلـــــى ” الطفل الرقمي ” . الأول : كان يعيش مع الكتاب، يقلب صفحاته، يكتب على هوامشه ، ويحتفظ به سنوات طويلة . أما الثاني : فقد أصبح يعيش داخل شاشة لا تحفظ ذاكرة الأشياء ، ولا تبني علاقة وجدانية مع المعرفة ، بل تقدمها في جرعات خاطفة ، سريعة النسيان ، سريعة الاستهلاك . وهنا تكمن المفارقة الكبرى : لسنا أمام أزمة كتاب ، بل أمام أزمة معنى . فالكتاب لا يمزق لأنه ورق ، بل لأنه فقد مكانته الرمزية في وعي المتعلم . وحين يفقد الشيء رمزيته ، يصبح التخلص منه أمرًا عاديًا .

لقد أنفقت الدولة موارد ضخمة على إصلاح التعليم ، وأطلقت مشاريع متعددة لتجويد التعلمات، وأدخلت الرقمنة ، وطورت آليات الدعم ، وسعت إلى الرفع من نجاعة المدرسة العمومية . وهي جهود تستحق التقدير والبناء عليها ، غير أن النجاح الحقيقي لأي إصلاح لا يقاس فقط بالمؤشرات الرقمية ، وإنما يقاس أيضًا بالسؤال البسيط والعميق : هل أصبح التلميذ يحب المدرسة أكثـــر؟
فالمدرسة التي تنجح في صناعة الانتماء لن تحتاج إلى حملات توعية ضد تمزيق الكتب ، لأن المتعلم سيحافظ عليها من تلقاء نفسه. أما المدرسة التي تبقى مجرد محطة إجبارية لعبور الامتحانات ، فإنها ستظل تنتج كل سنة المشهد نفسه، مهما تعددت البلاغات والزجر والعقوبات . إن ما يتناثر في الشوارع بعد نهــاية الموسم الدراسي ليس مجــرّد أوراق ممزقــة، بل شظايا علاقة مَأْزُومَــةٌ بين المتعلم والمدرسة ، بين المعرفة والحياة، بين التعلم والمعنى . إنها وثيقة اتهام رمزية ضد منظومة لا تزال، رغم كل جهود الإصلاح، تبحث عن الصيغة التي تجعل المدرسة بيتًا للأحلام لا قاعةً للإنهاك ، وتجعل الكتاب نافذة على المستقبل لا عبئًا موسميًا ينتهي عمره بانتهاء آخر امتحان.

ولعــل أول الطريق إلى العلاج يبدأ بالاعتراف بأن الأزمة ليست أزمة تلميذ عـــاق ، ولا أستاذ مقصر، ولا أسرة غائبة فقط، بل أزمة ثقافة تربوية كاملة تحتاج إلى إعادة بناء . نحتاج إلى مدرسة تعيد الاعتبار للدهشة قبل المعلومة ، وللسؤال قبل الجواب ، وللمعنى قبل النقطة ، وللمواطنة قبل الشهادة.

وليس أخطر على الأوطان من مدرسةٍ يغادرها التلميذ ضاحكًا لأنه نجا منها ، لا لأنه تخرّج فيها. وليس أفدح من كتابٍ يُرمى في قارعة الطريق، لأنه سقط أوّلًا من الوعي قبل أن يسقط من اليــد . فحين يُمزَّق الورق ، لا يكون الضحية هو الورق ، بل الفكرة ؛ ولا تكون الخسارة ثمنَ كتاب ، بل ثمنَ إنسانِِِ كان يمكن أن يكون قارئًا، ومُبدعًا، ومُواطنًا.

صرختنا اليوم ليست دفاعًا عن دفاترٍ بالية ، ولا عن كتبٍ ممزقـــة ؛ بــل عن مدرســـةٍ تتآكـــل رسالتها، وعن طفلٍ يُسرق شغفه، وعن معلمٍ يُستنزف عطاؤه ، وعن أسْـــرةٍ أنهكـــتـها التحولات ، وعن مُجتمعٍ يستهلك المعرفة أكثر مما يصنعها . إننا لا نحتاج إلى حملاتٍ موسمية تجمع الأوراق من الأرصفة، بقدر ما نحتاج إلى ثورةٍ هادئة تجمع المعنى من تحت أنقاض الإصلاحات المتعاقبة.

أنقذوا المدرسة قبل أن تتحول إلى محطة عبورٍ بلا أثـــر، وأنقذوا الكتاب قبل أن يصبح مجرد ورقٍ صالحٍ للتمزيق ، وأنقذوا المعلـم(ة) قبل أن يبتلع الإرهاق رسالته، وأنقذوا الطفل قبل أن تؤمن روحه بأن أجمل يومٍ في حياته هو اليوم الذي يغادر فيه الفصل إلى غير رجعة . فالأمم لا تسقط يوم تُحرق كتبها ، بل يوم يفرح أبناؤها بالتخلص منها ؛ ولا تنهض حين تبني المدارس بالحجر، بل حين تبني في القلوب عشق المعرفة ، وفي العقول شهوة السؤال ، وفي النفــوس كرامة التعلّــم . وما يزال في الوقت متسع… لكـــن الوقت ، مثــل الــورق ، إذا تمــزّق ، عَــسُــر رتــقُـــه، وربّما استحــــال…!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *