المغرب ضد فرنسا: تأكيد الهيمنة أم تصفية إرث استعماري؟
حين تضع القرعة المغرب في مواجهة فرنسا، فإنها لا تجمع بين منتخبين فقط، بل تستدعي تاريخاً كاملاً من العلاقات غير المتكافئة، وتفتح الباب أمام سؤال يتجاوز حدود الرياضة: هل هي مباراة كرة قدم، أم مواجهة رمزية بين ذاكرة الاستعمار ورغبة المستعمَر السابق في إعادة تعريف موقعه داخل العالم؟
في العلاقات الدولية، لا تُقاس موازين القوة بالاقتصاد والسلاح وحدهما، بل أيضاً بالرموز. وكرة القدم، بما تحمله من شغف جماهيري وقدرة على صناعة المعنى، أصبحت إحدى ساحات إنتاج الرمزية الوطنية. لذلك، لا يمكن فصل مباراة المغرب وفرنسا عن سياقها التاريخي، لأن التاريخ لا يغادر الملاعب عندما تبدأ صافرة الحكم، بل يدخلها متخفياً في مشاعر الجماهير وخطابات الإعلام والذاكرة الجماعية.
لقد خرجت فرنسا من المغرب منذ عقود، لكنها تركت وراءها لغةً، ونخباً، ومؤسسات، وأنماطاً من التفكير، وشبكةً من العلاقات تجعل الماضي حاضراً بأشكال جديدة. فالاستعمار لا ينتهي دائماً بخروج الجندي، بل قد يستمر عبر النفوذ الثقافي والاقتصادي والرمزي.
من هنا، فإن انتصار المغرب – إن تحقق – لن يكون انتقاماً من التاريخ، ولن يحرر بلداً تحرر سياسياً منذ زمن، لكنه سيكون انتصاراً معنوياً على صورة التفوق التي رسختها العلاقة الاستعمارية لعقود. سيكون إعلاناً بأن المستعمَر السابق لم يعد ينظر إلى نفسه باعتباره تلميذاً في مدرسة المستعمِر، بل منافساً يملك من الإمكانات ما يجعله قادراً على صناعة التفوق بنفسه.
وفي المقابل، فإن فوز فرنسا لا يمكن تفسيره بوصفه استمراراً للاستعمار، بل باعتباره امتداداً لمنظومة رياضية متقدمة بنت تفوقها عبر الاستثمار في التكوين والبحث الرياضي والاحتراف. فالخلط بين التاريخ والنتيجة الرياضية يظلم الطرفين، لأن كرة القدم تُحسم في الملعب، لكنها تُقرأ في الذاكرة.
وتزداد رمزية هذه المواجهة عندما نتذكر أن المنتخب الفرنسي نفسه هو نتاج تاريخ الهجرة القادم من مستعمرات فرنسا السابقة. فكثير من نجومه يحملون جذوراً إفريقية وعربية، ما يجعل المباراة، بطريقة ما، مواجهة داخل تاريخ فرنسي واحد بوجوه متعددة. إنها مفارقة تكشف أن الاستعمار لم يصنع حدوداً جغرافية فقط، بل أنتج أيضاً هويات متشابكة يصعب فصلها.
غير أن السؤال الأهم ليس: من سيفوز؟ بل: لماذا نحمّل مباراة كرة القدم كل هذا الثقل التاريخي؟ ربما لأن الشعوب التي لم تحسم معاركها في الاقتصاد والعلم والسيادة التكنولوجية تبحث، دون وعي، عن انتصارات رمزية تمنحها شعوراً باستعادة الكرامة. وهنا تتحول الرياضة إلى مساحة لتعويض ما تعجز السياسة عن تحقيقه.
لهذا، فإن مباراة المغرب وفرنسا ليست تصفيةً للاستعمار، بل اختبارٌ لقدرتنا على التحرر من إرثه النفسي والثقافي. فالتحرر الحقيقي لا يتحقق بهدف في الدقيقة التسعين، بل يتحقق عندما يصبح التفوق عادةً في المدرسة والجامعة والمختبر والمصنع، قبل أن يصبح نتيجةً في ملعب كرة القدم.
قد يمنحنا الانتصار فرحةً عارمة، لكنه لن يكون سوى رمز. أما المعركة الحقيقية، فهي أن ننتصر على كل أشكال التبعية، وأن نصنع نموذجنا التنموي بأيدينا. عندها فقط، لن تكون مواجهة فرنسا مناسبة لاستدعاء الماضي، بل مباراة بين ندين لا يفصل بينهما سوى صافرة البداية والنهاية.
تعليقات الزوار
صدقت في اختصار مبارزة بين دولتينن. ربما واحدة منهما لازلت تستحضر التفوق التاريخي حتى وان كانت مباراة كرة قدم. بينما شعب اخر يريد الانتصار تحررا وحتى انتقاما من اخر مواجهة بين الطرفين.